info@suwar-magazine.org

مخطّط "ابتلاع" سوريا اقتصادياً.. يبدأ من "اللطم" وصولاً إلى التملّك

مخطّط "ابتلاع" سوريا اقتصادياً.. يبدأ من "اللطم" وصولاً إلى التملّك
Whatsapp
Facebook Share

أكثر من 10 مليارات دولارٍ دفعتها إيران للنظام السوريّ منذ اندلاع الأحداث

تدهور الاقتصاد الإيرانيّ لن يمنعه عن دعم سوريا.. ولن يقلب الموازين إلا تفوّق المعارضة

وزير دفاع إيران يرى في إعادة إعمار سوريا فرصةً ثمينةً

خطواتٌ لإغراق السوق السورية بالبضائع الإيرانية بدلاً عن الأردنية والسعودية

نسبة تأييد الإيرانيين لمساعدة سوريا اقتصادياً تنخفض إلى 45%

البطالة في إيران ترتفع إلى 27% والعملة تنخفض بنسبة 62%

 

رنيم سالم

 

في العلاقات الدولية لا يوجد أخذٌ دون ردٍّ.. ولا "شيكٌ" مفتوحٌ دون حساب. وإن كانت العلاقات بين الدول قلما تشهد الحسابات المفتوحة، فإن هذا النوع من الأرصدة برز فعلياً في أشكال الدعم الإيرانيّ للنظام السوريّ... لكن الفاتورة التي دفعها السوريون أيضاً كانت باهظة. بدأت من مشاهد اللطم في العاصمة دمشق، مروراً بمظهر الحرس الثوريّ الإيرانيّ في سوريا، وليس انتهاءً بمناطق أُفرغت عقاراتها بالأكمل كرمى لعيون إيران.

 

كلّ هذا كان ثمناً للخطوط الائتمانية التي منحتها إيران لسوريا، وتقدّر بـ4 مليارات دولار. وتبيّن تقارير أن إيران تمنح النظام السوريّ شهرياً 700 مليون دولار، وهو أيضاً ثمنٌ للدعم العسكريّ للنظام السوريّ.

أما الشعب الإيرانيّ فيرى أن دعم النظام الإيرانيّ لحلفائه في المنطقة هو على حسابه.

 

 

وتؤكد ذلك الأرقامُ؛ فإيران، وبالرغم من قوّة ناتجها القوميّ، تعيش في فقرٍ مدقعٍ، وتخصّص 30% فقط من ميزانيتها للبنى التحتية، بينما تخصّص 70% منها للتسلح ولدعم الأنظمة الموالية لحكّامها، مثل سورية والعراق ولبنان، رغم حدّة الأزمة الاقتصادية الإيرانية الهائلة التي أطاحت بأكثر من 63% من قيمة الريال الإيرانيّ.

 

من اللطم حتى الغزو:

 

شهدت دمشق مؤخّراً زياراتٍ للعديد من المسؤولين الإيرانيين، تلتها زياراتٌ لمسؤولي النظام السوريّ إلى طهران، في خطوةٍ قال النظام الإيراني إنها تأتي لدعم الاقتصاد السوريّ. فقد طرح رئيس حكومة النظام، وائل الحلقي، على إيران المشاركة جدّياً في إعادة إعمار سورية، والاستثمار في جميع المجالات الاقتصادية المتعلقة بالصناعة واستخراج النفط والنقل والبناء وتطوير البنى التحتية وغيرها، ما يعزّز شروط الرفاه للشعب السوريّ، حسب تعبيره.

 

 

وتلت ذلك خطوةٌ غريبةٌ، إذ إن وزير الدفاع الإيرانيّ، بصفته العسكرية، دعا القطاع الخاصّ الإيرانيّ إلى دخول السوق السورية، مؤكّداً أن إعادة إعمار سورية ستشكّل فرصةً ثمينةً للمستثمرين الإيرانيين.

فيما يؤكّد رئيس هيئة إعادة إعمار كوباني، مسلم طالاس، أن إعادة إعمار سوريا تحتاج إلى خمس دولٍ مثل إيران، التي لن تكون بمفردها قادرةً على ترميم الكمّ الهائل لهذا الدمار.

 

ولا يكتفي النظام الإيرانيّ بهذه الدعوات التي يقتحم بها العاصمة دمشق من بوّاباتها العريضة، بل يقرّر عن السوريين رغباتهم وعادات استهلاكهم. فيقول وزير الدفاع الإيرانيّ: إن السوق السورية مليئةٌ بالبضائع العربية المستوردة من السعودية والأردن، وإن الشعب السوريّ يرغب في استهلاك السلع الإيرانية.

 

وتبدو دمشق، الأكثر أماناً، الوجهة الأكثر إغراءً لإيران. إذ تروّج غرفة التجارة الإيرانية أن العاصمة السورية تتمتع بأمانٍ كاملٍ بالنسبة إلى المستثمرين، وأنها لا تشكل أيّ تهديدٍ أو خطرٍ على التجار الإيرانيين.

 

 

والحقيقة أن العلاقات بين البلدين ليست في إطار الاستثمار فقط، ولا هي علاقاتٌ تجاريةٌ طبيعيةٌ تسودها معايير العرض والطلب. إذ يؤكّد الإعلاميّ ناهض حتر أن ديون وقروض إيران الممنوحة لدمشق لم تتمّ إلا بعد أن رهن النظام السوريّ مبانيه وعقاراته مقابل الدَّين، مؤكّداً أن الدول "تظلّ في النهاية أسيرةً لمصالحها".

 

وأكّد حتر أن معظم الدعم العسكريّ والاقتصاديّ الإيرانيّ المقدّم للنظام السوريّ تمّ بشروطٍ تجاريةٍ، بما فيها من رهن أراضٍ وعقاراتٍ سوريةٍ مقابل الديون.

 

ويرى رئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا، أسامة القاضي، أن التدخل الإيرانيّ في الاقتصاد السوريّ حالياً يقترب من الاستعمار، وسيخلّف أثره السلبيّ على الاقتصاد الإيرانيّ الذي يعاني بالأصل من تدهور عملته.

 

"لا سوريا ولا لبنان":

 

إن كان مستقبل الاقتصاد السوريّ مهدّداً بسبب المخطّط الإيرانيّ، فإن الذي يتحمل تبعات التدخل الإيرانيّ في سوريا حاضراً هو الشعب الإيرانيّ، الذي لا يفتأ يدفع الضرائب تلو الضرائب ريثما يجني النظام السياسيّ الإيرانيّ الثمار لاحقاً.

 

وتبدو أبرز مظاهر انعكاس الدعم الإيرانيّ لسوريا على الشعب الإيرانيّ من خلال رفع العائدات الضريبية الفعلية للعام الجاري بنسبة 22%، في ظلّ استكمال خطط تقليص الدعم. إذ تشير المصادر الإيرانية إلى خطّةٍ لإخراج 31 مليون مواطنٍ إيرانيٍّ من قوائم تلقي الإعانات النقدية، لسدّ عجز الموازنة ودعم قطاعات الإنتاج.

 

ومع نهاية العام 2014 رفعت إيران أسعار الخبز، ضمن خطّةٍ للإصلاح الاقتصاديّ أُقرّت مراحلها الأولى في عهد الرئيس الإيرانيّ السابق محمود أحمدي نجاد.

وقالت دراسةٌ للمنتدى الاقتصاديّ السوريّ إن المواطن الإيرانيّ يرى أن دعم نظام بلاده لأطرافٍ خارجيةٍ أمرٌ مؤثرٌ على نمط حياته ووضعه الاجتماعيّ والاقتصاديّ، إذ ينتقد الإيرانيون سياسة الدعم الماليّ لأطرافٍ خارجيةٍ مثل حزب الله والنظام السوريّ.

 

وأكد استطلاعٌ للرأي، أجرته مؤسسة غالوب، تراجع نسبة تأييد المواطن الإيرانيّ للمساعدات الاقتصادية التي تقدّمها إيران للنظام السوريّ لتصل إلى 45%، كما تراجعت نسبة التأييد للدعم العسكريّ لتصل إلى 37%. وذلك بالتزامن مع تزايد الانتقادات الداخلية الموجّهة إلى النظام الإيرانيّ بسبب استخدامه عائدات النفط لتنفيذ أجندةٍ خارجيةٍ، على غرار تقديم مساعداتٍ ماليةٍ للنظام السوريّ. وهو ما بدا جلياً في المظاهرات التي شهدتها العديد من المدن الإيرانية، والتي رفعت شعار (لا سوريا لا لبنان... روحي فداء إيران).

 

 

ورطةٌ حقيقية:

 

أفضل مقياسٍ لتأثير الحرب السورية على إيران هو الاطّلاع على تطوّرات الوضع الاقتصاديّ الإيرانيّ خلال الحرب السورية. فقد انخفضت قيمة الناتج المحليّ الإجماليّ الإيرانيّ، بالأسعار الثابتة، من 580 ألف مليار ريالٍ في العام 2011 إلى 480 ألف مليار ريالٍ عام 2014، بمعدّل انخفاض 6% سنوياً.

 

أما إذا أخذنا بعين الاعتبار انخفاض قيمة العملة الإيرانية مقابل الدولار (الأسعار الجارية)، فإن معدّل انخفاض قيمة الناتج المحليّ الإجماليّ تقدّر بـ16% سنوياً. وعليه فقد انخفضت معدّلات النموّ في الناتج المحليّ الإجماليّ الإيرانيّ بمعدّل 1.8% في العام 2014.

 

 

 وتتراوح نسبة البطالة بين الشباب في إيران، خلال السنوات من 2011 إلى 2014، بين 24% إلى 27%. وترافق كلّ هذا مع انهيار العملة الإيرانية، فقد ارتفع سعر الصرف من 10383 ريالاً لكلّ دولارٍ في عام 2011 ليصل إلى 27027 ريالاً عام 2014، بنسبة ارتفاع 62%.

 

كما ارتفعت معدّلات الفائدة من 12% عام 2011 إلى 14% عام 2014. وسجّل الميزان التجاريّ الإيرانيّ انخفاضاً حادّاً بمعدّلٍ سنويٍّ قدره 21% خلال الحرب السورية.

ويرى تقرير المنتدى الاقتصاديّ السوريّ الإيرانيّ أن الأزمة السورية وضعت إيران أمام أسوأ أزمةٍ جيوسياسيةٍ منذ الحرب على العراق، التي امتدّت من 1980 إلى 1988. وتتجلى هذه الأزمة في خسارة إيران المحتملة للنظام السوريّ المتحالف معها.

 

ويرى المنتدى أن المشكلة السورية باتت غير قابلةٍ للتوقف، في حال واصلت إيران الاستثمار في حرب النظام السوريّ. وما لم يكن بإمكانها إيقاف هذا الاستثمار المرهق فإن ذلك سيمثل خسارةً كليةً، لتبدو عملية تمويل النظام السوريّ أشبه بورطةٍ حقيقيةٍ لإيران.

 

القشّة التي قصمت ظهر إيران:

 

تنقسم الآراء بين من يقول بتأثير انخفاض أسعار النفط والعقوبات على الاقتصاد الإيرانيّ، وبين من يقلل من هذه التأثيرات.

وبغضّ النظر عن اختلاف الآراء، فإن الكلام الرسميّ، الذي يأتي من النظام الإيرانيّ نفسه، يعترف بأن العقوبات الدولية على قطّاعَي الطاقة والمالية الرئيسية في إيران أضرّت بالاقتصاد الإيرانيّ.

 

وأسهمت هذه العقوبات بشكلٍ كبيرٍ في قبول إيران بفرض قيودٍ على برنامجها النوويّ مقابل تخفيفٍ متواضعٍ ومحدودٍ للعقوبات المفروضة، إذ تصرّ الولايات المتحدة على أن رفع هذه العقوبات لن يكون إلا تدريجياً، في محاولةٍ منها للمماطلة في رفع هذه العقوبات. وهذا ما يعرفه النظام الإيرانيّ تماماً، فيصرّ على ضرورة إنهاء هذه العقوبات بشكلٍ كاملٍ وليس تدريجيّاً.

 

ويبرّر الذين يتحدّثون عن تأثيرٍ متواضعٍ للعقوبات على الاقتصاد الإيرانيّ رأيهم بأن العقوبات كانت سبباً في تخفيض الأثر السلبيّ على إيران نتيجة انخفاض أسعار النفط. إذ إن هذا الانخفاض قلل من كمية إيرادات النفط الإيرانيّ التي تودع في الحسابات الخارجية، والتي تراكمت في هذه البنوك لمدّة عامين بسبب العقوبات.

 

أما دراسة المنتدى الاقتصاديّ السوريّ فتؤكّد أن العقوبات الاقتصادية والملف السوريّ قد يكونان القشة التي ستقصم ظهر النظام الإيرانيّ، فقد دفعت إيران أكثر من 10 مليارات دولارٍ للنظام السوريّ منذ اندلاع الأحداث.

 

وأكّدت الدراسة أن رفع أسعار الوقود في إيران سيؤدّي إلى تأثيراتٍ فوريةٍ على الطبقة الفقيرة من الإيرانيين، والذين يستغلون انخفاض أسعار الوقود لتأمين أعمالٍ ووظائف إضافيةٍ تعينهم على مواجهة سوء الأحوال المعيشية.

 

وأفادنا الباحث الاقتصادي د. عماد الدين المصبح أن العقوبات الغربية المفروضة على إيران، سواء المتعلقة بالملف النوويّ أو بانتهاك حقوق الإنسان أو رعاية الإرهاب، عقوباتٌ مؤثرةٌ في عمق الاقتصاد والمجتمع الإيرانيين.

 

وعن خسائر الاقتصاد الإيرانيّ بسبب العقوبات قال: تقدّر هذه الخسائر بنحو 100 مليار دولارٍ سنوياً. وهذه الخسائر باهظةٌ بالنسبة إلى نظامٍ يحاول التوسّع ليصبح دولةً إقليميةً فارسية. إذ خسرت إيران خلال العقوبات ثلاثة أرباع إنتاجها، وتقلصت صادراتها من 4 مليون برميل نفطٍ يومياً إلى 1.200 مليون برميل، وهذا يعني ربع الكمية التي تنتجها حين كان سعر برميل النفط 120 دولاراً. أما اليوم، ولدى انخفاض سعر البرميل إلى 65 دولاراً، فإن إيران لا تورد أكثر من ثمن وارادتها النفطية.

 

 

متى ينفد ضرع الحلوب؟

 

وبعد هذا القدر من الخسائر الذي طال النظام الإيرانيّ، في وقتٍ لا تنبئ فيه الحرب السورية عن موعدٍ لنهايتها، يبقى السؤال: هل يمكن لإيران أن تواصل دعمها للنظام السوريّ؟ ومتى ينفد ضرع البقرة الحلوب التي تعطي رغم كلّ انتكاساتها؟

 

ثمة وجهات نظرٍ اقتصاديةٌ تؤكّد، وبالأغلبية، أن إيران ستواصل دعمها للنظام السوريّ بغضّ النظر عن كلّ الخسائر، معللين ذلك بأن إيران تنظر إلى التكلفة البشرية والاقتصادية لوجودها العسكريّ الخارجيّ بوصفه ضرورةً لا بُدَّ منها لضمان أمنها القوميّ. وهي تراهن على هذا الوجود كخطوةٍ في سبيل تغيير الجغرافيا السياسية للمنطقة، والتأثير على ميزان القوى بما يصبّ في صالح دورها الإقليميّ، وتحسين وضعها التفاوضيّ مع الغرب.

 

وهذا أيضاً ما يؤكّده الباحث الاقتصاديّ عماد الدين المصبح، إذ يقول: تدفع إيران الحدّ الأقصى من التمويل للنظام السوريّ. ولن ترفع قيمة هذا التمويل حتى لو رُفعت العقوبات عنها، لأن دعمها وصل إلى ذروته بالأصل. معتبراً أن سوء ظرف إيران الاقتصاديّ لن يمنعها من أداء ما تعدّه واجباً نحو النظام السوريّ. إذ إن دعم طهران لسوريا ليس مرتبطاً بالحالة الاقتصادية لإيران، فالمصالح الاستراتيجية للدول لا تأخذ الحالة الاقتصادية بعين الاعتبار. وإيران تعتبر دعمها لسوريا إستراتيجياً.

 

 

فيما تشير دراسة المنتدى الاقتصاديّ السوريّ إلى أن إيران لن تكون قادرةً على استمرار دعمها للنظام السوريّ، لأن تدهور وضعها الاقتصاديّ سيدفعها إلى تقليص حجم هذه المساعدات، وخاصّةً بعد الانكفاء التدريجيّ لموسكو وبكين، واقتصار دورهما على ممارسة حقّ النقض في مجلس الأمن.

 

وفي النهاية، فإن الأوضاع الميدانية على الأرض السورية هي ما سيحدّد مقدار ما تجنيه إيران من ثمارٍ جرّاء دعمها للنظام السوريّ. إذ إن قدرة هذا النظام على الاستمرار ستؤكد أن الدعم الإيراني أفلح، ما يهيئ لإيران ابتلاع سوريا اقتصادياً.

 

أما إن حُسمت المعركة على الأرض لصالح الفصائل المسلحة، فستخسر إيران جميع عطاياها الاقتصادية وضخّها الماليّ في سوريا. 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard