info@suwar-magazine.org

الدكتور حسان عباس: لا تستطيع بناء مواطنة إن لم يتحقق وجود "وطن"

الدكتور حسان عباس: لا تستطيع بناء مواطنة إن لم يتحقق وجود "وطن"
Whatsapp
Facebook Share

 

حاوره: كمال شيخو

 

ولد الدكتور حسان عباس في بلدة مصياف  التابعة لمدينة حماة- وسط سوريا- في 15 نيسان (ابريل) لعام 1955 ودرس في مدارسها. حصل عام 1992 على شهادة الدكتوراة في النقد الأدبي من جامعة السوربون الجديدة في فرنسا، وعاد إلى سورية أستاذاً في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى. أطلق في المعهد نشاطا ثقافيا دوريا تحت اسم منتدى الجمعة الثقافي وقد استمر هذا النشاط أربعة عشر عاما (حتى 2006) قُدِّم خلالها ما يزيد عن أربعمائة فعالية. وبموازاة هذا النشاط أدار ناديين للسينما، وساهم في تأسيس وإدارة عدد من الجمعيات المدنية العاملة في مجالات الثقافة والمواطنة وحقوق الإنسان، وهو الآن رئيس الرابطة السورية للمواطنة. إضافة إلى عمله كأستاذ وباحث في المعهد الفرنسي، درّس لعشرة أعوام في المعهد العالي للفنون المسرحية، ودعي كمحاضر في عدد من الجامعات والمعاهد العربية والأوروبية.

 

 

له دراسات منشورة في كتب جماعية (15 كتابا) وفي مجلات علمية محكمة وأصدر أربعة كتب منها (دليل المواطنة)، وآخرها (سورية، رؤية من السماء). كما ترجم عددا من الدراسات الفكرية عن الفرنسية وكتابي (ماكينة الإبصار) للفيلسوف بول فيريليو و(المفكرون الجدد في الإسلام) للباحث (رشيد بن زين).

 

صور: لو تحدثنا بدايةً عن "الرابطة السورية للمواطنة"، ولما اختيرت بيروت التي تبعد عدة كيلومترات عن دمشق؟

 

ولدت فكرة الرابطة مع الأيام الأولى لانتفاضة الكرامة في اذار (مارس) 2011، وكان هدفها الأساسي نشر ثقافة المواطنة وترسيخها استعدادا لبناء سوريا المستقبل. لم تكن بيروت "اختيارا" بالمعنى الصحيح للكلمة، لإن خيارنا (في الرابطة السورية للمواطنة) هو سوريا أولا وأخيرا وعملنا هناك، وهو اليوم في الدرجة الأولى موجه إلى سوريا، وغايته سوريا والسوريون، وإن كنا قد ابتعدنا عنها فيزيائيا فنحن لم نبتعد عنها ولا عنهم وجدانيا. أما الارتحال فكان نتيجة الضغوط الأمنية المتزايدة على الناشطين في الرابطة، بحيث بات الهروب ضرورة لمتابعة العمل وهذا ما كان.

 

صور: ذكرت في محاضرة ألقيتها مؤخراً في بيروت: "إن المواطنة تظل منقوصة إن لم تحقق المبادئ الأساسية: التشاركية والحرية والمسؤولية والمساواة"، وتدعوا ان "نحول المواطنة إلى ثقافة لدى الأفراد"، هل ينطبق هذا الكلام على المواطن السوري، والبلاد دخلت عامها الخامس من الاحتراب والصراع؟

 

هذا الكلام هو أصلا عن المواطن السوري وله، لكن الشرط الأول للمطالبة بالمواطنة وبعلاقاتها هو وجود وطن. فأنت لا تستطيع العمل على (بناء) مواطنة للمواطنين إن لم يتحقق أولا (وجود) هؤلاء كمواطنين في وطن، أي في مكان معتَرَف بحدوده، يسكنه شعب وتدير شؤونه مؤسسات مستقلة عنه. ما هو هذا المكان اليوم؟ ومن يدير شؤون قاطنيه؟ الجواب واضح وبيّن: الأرض فرّغها العنف من نصف أهلها، والدولة فاشلة يحكمها نظام فقد شرعيته كليا. هذا الوضع لا يُقصي تحقيق المواطنة ولا يؤجّل ضرورتها وإنما على العكس يجعلها أكثر إلحاحا، لأن مبادئها وقيمها هي التي ستساعد على إعادة إعمار البلد وتأسيس الدولة الجديدة بشكل سليم.

 

 

إن سورية الجديدة لن يكتب لها العيش والاستقرار، إلا إذا تشارك كل السوريين ببنائها وهم ينعمون بالحرية في ظل قانون يلتزم بالمساواة في نصه ويساوي بين المواطنين أمامه، وإلا إذا اضطلع الجميع بمسؤوليتهم في عملية البناء تلك. نحن إذن بأمسّ الحاجة، اليوم قبل غد،ٍ إلى ثقافة المواطنة. 

 

صور: بعد مرور مائة يوم على انطلاقة الثورة السورية، قلت في لقاء سميراميس "تطال عملية التغيير الشعب والمجتمع والدولة، وغاية العملية تحقيق المواطنة على مستوى الشعب"، ولكن المطالبة بهذا التغير، كلفت نزوح نصف السوريين أما مُهجر او هُجر، ويقدر عدد ضحايا الحرب بربع مليون، والدمار طال ثلث منازل سوريا، وحوالي مئتي وخمسين معتقل مغيب قسراً أما في سجون النظام، أو لدى القوى العسكرية والإسلامية المتطرفة، فهل لاتزال عند رأيك؟

 

بكل تأكيد، ليس عنادا ووهماً وإنما قناعةً ووعياً. في ذاك الوقت كانت لدينا القناعة في أن ثمة من العقل ما يكفي لإنجاز التغيير الذي فيه تكمن مصلحة جميع الأطراف. غير أن رفع شعار "الأسد أو نحرق البلد" من جهة وما استجره من عنف مضاد التقطته وغذّته مصالح ظلامية تخاف من التغيير في المنطقة، من جهة أخرى دفعا إلى المقتلة التي نعيشها. أجل لقد دفعت سورية أثمانا باهظة في طريقها نحو التغيير، لكنه لم ولن يتوقف. العالم لا يمشي إلى الوراء حتى لو تعرضت حركته لانتكاس ذي لبوس سلفي أو طائفي أو... ستنتهي المقتلة حتما، لا مناص من ذلك، وسيعود العقل ليبني سوريا الجديدة، هدف التغيير ومبتغاه.

 

صور: عاش المجتمع السوري أربعة عقود بخديعة "نكران الطائفية والمذهبية والأقلية"، ولكن مع بداية الحراك المعارض كشفت زيف هذا التعايش، كيف تتصور شكل التعايش بين المكونات بالمستقبل؟

 

أمامنا سنوات صعبة دون شك، لكن إذا أراد السوريون أن يعودوا ليعيشوا سوية، لا مهرب من الاتفاق على شكل التعايش. وأنا على قناعة بأن هذا ممكن انطلاقا من المصلحة العامة لعموم السوريين. في جميع الأحوال، الواقع اليوم أقل سوءا مما تبرزه وسائل الإعلام. يكفي دراسة خارطة النزوح السوري الداخلي ونتائجها للتأكد من ذلك. المسألة هي أنه لا يمكننا بعد اليوم أن نرضى بإدارة التنوع بالطريقة الأمنية التي مورست خلال أربعين سنة، وهنا تبرز ثقافة المواطنة كشرط لا غنى عنه لتهيئة الأرضية القابلة لاحتضان التعايش.

 

صور: أي النماذج أقرب للحل في سوريا، طائف لبنان، أم سيناريو العراق، أو شكل جديد قد يكون التقسيم أحد مخارجه؟

 

ثلاثة سيناريوهات كابوسية لا أتمناها وسأبقى أرفضها، لكن التاريخ يعلمنا أن لتطوره منطقا خاصاً لا يعرفه المنطق. ثمة أنموذج مُشتهى لسورية، وهو النموذج الأبهى الذي تبنى فيه دولة ديمقراطية مدعّمة بعلاقات المواطنة وخاضعة لسيادة القانون، لكن مصير البلد اليوم لا يرتسم بإرادة أهله فحسب، ناهيك عن أن جزءا لا بأس به من هذه الإرادة، وبسبب عنف النظام وضيق أفقه السياسي أولا، صار مستلبا ومرتهنا لإرادات شريرة ذات مصالح معلنة مما قد يفتح الباب لإلزام سورية بواحد من السيناريوهات المذكورة. وهنا يجب التذكير دوما إن تفاقم الصعوبات في الواقع السوري يرفع بالضرورة من حجم الجهد اللازم بذله، ومن حجم المعاناة لكن البطولة هي في المرابطة والعض على النواجذ، ولا ينفع التراجع اليوم فالجزء الأطول من الطريق صار وراءنا.

 

صور: ألا ترى أن "الفيدرالية" أنسب حل لإنهاء الأزمة السورية؟

 

الرد على هذا السؤال مندرج في الرد على سابقه. أما بخصوص الفدرالية تحديدا فالسؤال هو بين من ومن؟ في الخريطة التبسيطية للوضع الحالي على الأرض ثمّة أربع مناطق متمايزة في السلطة التي تحكمها، لكن ما هو العنصر الهووي الذي يجمع بين المواطنين في كل منطقة؟؟ في جميع الأحوال يمكن مناقشة الفيدرالية داخل الدولة بعد استقرار هذه الأخيرة ومن غير المجدي مناقشة أمر في غاية التعقيد بينما لا تزال الأرض رجراجة.

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard