info@suwar-magazine.org

مجلة "صور" تحاور الفيلسوف الدكتور أحمد برقاوي

مجلة "صور" تحاور الفيلسوف الدكتور أحمد برقاوي
Whatsapp
Facebook Share

 

"مثقفو الغنيمة لا يختلفون إلا بشكل الغنيمة.. وفي الجوهر متشابهون" 

 

حاوره: معاذ حسن

 

في البدء دعنا نتحدّث بنظرةٍ شموليةٍ عامة…

من وجهة نظر الحكمة والفلسفة، قراءة الأوضاع الراهنة في عالمنا العربيّ ضمن السياق العامّ الكليّ للتاريخ… هذه الصيرورة تقتضي التنبؤ بملامح المستقبل، وبعيداً عن مزاج العوام في التفاؤل أو التشاؤم؛ هل ثمة من مقدماتٍ تكشف عن وجه التاريخ القادم في مفهومنا للدولة وهيئة العيش في ظلّ عقدٍ اجتماعيٍّ لم يولد ولم تعرف ملامحه بعد؟!..

وهنا أسألك عن الاستقراء التاريخي بعينه؟

 

في مرحلة ما قبل الربيع العربيّ كان التشاؤم يسود القوى الاجتماعية كلها، ولم تكن ترى أيّ نورٍ في هذا النفق المظلم التي أدخل الديكتاتوريون الفاسدون الأوطان فيه.

على المستوى النظريّ كنت أكتب عن التناقض بين بنية السلطة الثابتة وبنية المجتمع المتطوّرة. وللتذكير، طرحتُ فكرة علاقة القميص بالجسد، ورأيتُ أن السلطة ربما كانت، في لحظةٍ ما، معبّرةً عن بنية المجتمع فكانت على قدّه، ومع الأيام كبر المجتمع في حاجاته وطبقاته وعلاقته بالعالم وهمومه ووعيه بوجوده، فضاق القميص جداً على جسد المجتمع وسيتمزّق حتماً. لم أكن أعرف وقت هذا التمزّق، غير أني كنت على يقينٍ من ذلك.. ولهذا قالوا عن البرقاوي إنه طوباويّ.

 

الآن: حدث الانفجار الكبير وانتظم الأوطان العربية كلها تقريباً. المشكلة هي الآتية: لقد حطم الديكتاتوريون المجتمع السياسيّ والمجتمع المدنيّ فحرموا المجتمع من شخصيته السياسية وشخصيته المدنية، اعتقاداً منهم أنهم بهذا يهربون من منطق التاريخ. فضلاً عن ذلك، خاض الديكتاتوريون صراعاً غير مثمرٍ مع الحركات الأصولية. وظنوا أنهم، عبر العنف الهائل والمدمّر، قد انتصروا عليها. وحين هبّت الساحات، في زمنٍ واحدٍ تقريباً، وكسرت رأس الديكتاتوريين، وجدت الساحات نفسها خاليةً من القوى السياسية المنظّمة والقوى المدنية. وأمام هذا الخلوّ عادت القوى الأصولية المنظّمة لتطرح نفسها بديلاً. وهي، تاريخياً، لا يمكن أن تكون بديلاً، بل هي الصورة الكاريكاتورية عن الأنظمة الديكتاتورية. وبالتالي هي ليست قميصاً أصلاً. ولهذا فإن الثمن الذي تدفعه المجتمعات قبل انتصارها، بفعل الوسخ التاريخيّ الديكتاتوريّ والأصوليّ، كبيرٌ جداً.

 

المجتمعات تكون نفسها الآن لتنتج معادلها السياسيّ حتماً.

 

***

 

مما لا شكّ فيه أن البلاد في عالمنا العربيّ مهيّأةٌ لقيام الثورات!.. ولكن، إذا ما وضعنا نصب أعيننا جملةً من المتلازمات التي تلتصق بجسد الثورة بمفهومها التاريخيّ، والتي كانت غائبةً عن تاريخ الثورات العربية.. ومثال ذلك:

1 غياب القيادات من النخبة الناضجة الفاعلة.

2 مجيء الثورات في توقيتٍ فاجأ المزاج العامّ للشارع، بعيداً عن وجود إشاراتٍ واضحةٍ للتمرّد على أنظمة الحكم في الفترة التي سبقت الربيع العربيّ… إذ اتسم الشارع بحالةٍ من الترقّب لما سيجري قبل حالة الانفجار.

3 تَحْمل الثورات في باطنها أيديولوجيا جديدةً تحاول الظهور، وليس فقط ردّ فعلٍ على الظلم والقهر والحرمان والمطالبة بحقّ الإنسان في الحرّية والكرامة..

4 العبث الخارجيّ وتداخل المصالح في المنطقة ودور الإعلام، على اختلاف مطابخه، في التأثير على مسار الحراك الثوريّ .. ما قولكم في هذا؛ على ضوء أن الحرّية تعني التفكير الواعي، بمعزلٍ عن حتمية الثورة التي كنا نحتاجها في البدء؛ سواء أكانت سياسيةً أم فكريةً أم اجتماعيةً أو حتى نفسية؟..

 

إننا نعيش مرحلة انفجار المستنقع الطويل الأمد. والذي فجّر هذا المستنقع هو جيلٌ تحرّك بدافع الحرّية والكرامة وتحقيق الحاجات المطابقة لروح العصر. هذا أمرٌ صار متفقاً عليه.

 

غير أن هذا الانفجار تمّ ويتمّ في شروطٍ محليةٍ ودوليةٍ تعيش مرحلة العولمة التي أصبحت مشكلات العالم فيها متداخلة، فكيف إذا كانت هذه المشكلات واقعةً في قلب العالم؛ في منطقةٍ تزوّد العالم بالطاقة والأيديولوجيات الأصولية، وتقع على ضفة المتوسط الشرقية.

 

لقد تفجّر المستنقع بكلّ ما فيه؛ فالقوى المنهارة تاريخياً لن تستسلم بسهولةٍ، والقوى الأصولية تطرح نفسها البديل، والقوى الشعبية تخوض صراعاً مزدوجاً، والقوى العالمية الفاعلة لا تريد أن تترك منطق التاريخ يمشي على هواه، والقوى الإقليمية صارت ترى في العرب مجالاً حيوياً لها، والفئات الوسطى لم تتحوّل بعدُ الى قوّةٍ سياسيةٍ، والكومبرادور الذي نشأ بالتحالف مع السلطة متفرّجٌ ينتظر قطف الثمار، والقوى الفاشية ما زالت حاضرةً في عالمنا العربيّ بكلّ أشكالها، وهي أخطر العوامل المعيقة لانتصار ثورة الحرّية.

فقد مثلت بعض أنظمة الحكم العربية أنموذجاً لفاشيةٍ ضيقةٍ من حيث العصبية. ولهذا احتفظت هذه الفاشية بالدلالة الرمزية للزعيم كليّ القدرة، وتحوّل مرجعاً للسلوك والانتماء إلى الوطن. فمعيار الانتماء هنا وقفٌ على الخضوع للقائد الرمز، السيد الخالد للوطن، الأوّل في كلّ شيءٍ، الذي قوله قولٌ فصلٌ، والذي يُفتدى بالروح وبالدم. لقد أزاحت رمزيةُ الحاكم رمزيةَ الشعارات العامّة للحزب الذي تحوّل إلى يافطةٍ أيديولوجيةٍ ليس إلا. بل والنشيد الخاصّ بالعصبية الفاشية أتى عليه الهتافُ للزعيم.

أما في الحركات غير الحاكمة، فتظهر الفاشية العربية الآن في صورة الحركات العنفية التي تستند إلى مرجعيةٍ أصوليةٍ دينية.

 

إن نظرنا إلى القاعدة، وهي ذات تنظيمٍ صارمٍ، سنجد كلّ مقوّمات الفاشية حاضرةً في هذا التنظيم، من حيث العصبية الأيديولوجية، والرمز الزعيم الذي يُصَوّر راكباً حصانه الأسود، وحاملاً بندقيته يسابق الريح محاطاً بالرايات السوداء والأهازيج الدينية. وما داعش إلا الوريث الشرعيّ للقاعدة، والتي لأفرادها لباسٌ موحّدٌ، يظهر القوّة والعنف، ويرفع الراية السوداء مكتوبةً بالكلام غير المنقط، وأصوات الرجال في الغناء تعزّز العصبية وتسندها، والخليفة يرمز إلى مركزيته المطلقة.

 

 

وبالمقابل نجد فاشيةً أنموذجيةً في صورة حزب الله اللبنانيّ، إذ يقف على رأس هذا التنظيم شخصٌ يلقب بالسيد، وترتفع القبضات المعبّرة عن التحدي، معزَّزةً بصياح الحناجر لبيك يا نصر الله. يمنح اللباسُ الموحّد في الاستعراض العسكريّ العرضَ الهيبة والالتزام، والرايات الصفراء ترتفع عالياً في السماء، وأهازيج الرجال بأصواتهم المصطنعة تضفي على الحشد روح العصبية.

تنطبق الصورة نفسها على أنصار الله في صعدة، ولكن القبضات التي ترتفع للسيد لا ترتدي لباساً موحداً، والرايات، التي تعلن الموت لأميركا وإسرائيل واليهود، ترتفع عالياً أثناء الهجوم على عدن. لا شكّ أن حركة أنصار الله الحوثية الفاشية صورةٌ كاريكاتوريةٌ لفاشية حزب الله.

لا شكّ أن الفاشية، في صورها تلك، ظاهرةٌ لا تستقيم مع روح الحياة الراهنة والمعاصرة، وحاجات الناس إلى الوجود الحرّ بعيداً عن التعصب الفاشيّ والعصبيات الضيقة. وعندي أن معركة الثقافة العربية الراهنة، ومعركة الفكر والأدب والفنّ ضدّ الفاشيات، أياً كانت صورها، أمرٌ استراتيجيٌّ.

فهذه الحركات الخطيرة على الحياة، على كلّ أشكال الحياة، ستفسد، إذا ما تطاولت واستعرت، العلاقات المعشرية المجتمعية، وستعمّم عنفها البدائيّ الهمجيّ ليطال الحاضر والمستقبل.. بل والتاريخ هذا كله، ستتعقد سيرورة التاريخ السائرة نحو انتصار روح العصر، دولة العقد الوطنيّ الحرّ.

لا ينفع الاستعجال. أهمّ أمرٍ يجب العمل عليه هو إنتاج الإرادة الداخلية الحرّة التي تخلق الشرط الداخليّ وتفرض على الخارج أهدافها.

 

 

***

 

سأستعين في سؤالي التالي باقتباسٍ لكم.. «البندقية دون فكرٍ هي مجرّد رصاصةٍ طائشة، والفكر دون بندقيةٍ هو مجرّد يوتوبيا».

ألا ترى أنّه حين ترتقي الحضارات يرتقي الأفراد وليس العكس..؟!

حينها يحضر الإنسان كقيمةٍ فاعلةٍ في حدّ ذاته.. بمعنىً آخر؛ ألا ترى أنّ ما تورده حضرتك من أفكارٍ وكتبٍ ومقالاتٍ، في مناخ عصرنا المتردّي، ينطوي تحت ملابسات التأثير الفكريّ على الواقع المعاش... فالأفكار إما أن تسبق الواقع أو أنْ تكون محاولةً لفهمه.. ومن هنا يمكننا القول بأنّ التزامن بين الفكر والواقع الراهن، في حالة شرخٍ مزمنٍ، تفضي إلى اغتراب الفيلسوف؟

 

الفيلسوف دائماً مغتربٌ، لأنه يقدم وعياً نظرياً صعب التمثل من قبل العامة. لكن، بالمقابل، ليس من شيمة الفيلسوف أن يجعله اغترابُه هذا بعيداً عن الاندراج في حركة التاريخ. وهنا يواجه مشكلةً يجب أن يحلها، ألا وهي: كيف يمكن أن يوصل وعيه الفلسفيّ بلغةٍ قابلةٍ للتمثل من القوى الفاعلة دون أن يخدش عزّة الفلسفة النبيلة.

والحقّ أن نبل الفلسفة لا تعرفه إلا الأرواح النبيلة. فهي من المباحث النادرة التي تمنح مبدعها ومحبها ومريدها استقلالاً للأنا ما بعده استقلال. ففي الفلسفة يصبح العقل مرجعَ ذاته؛ لا يحتاج إلى ما هو خارجه. ويستحضر كلّ ما ينجزه من مباحث أخرى ليعزّز من استقلاله المطلق.

 

ولهذا ما من فيلسوفٍ إلا ويعلن ذاته بدءاً للتفكير، ويعلن انزياحه عن المألوف من الأفكار والمعتقدات، غير آبهٍ بالعامة وأشباههم. بل إن بعض الأشباه سرعان ما يتعرّضون لصدمةٍ من شجاعة الفيلسوف.

 

أسطورة سقراط هي حقيقة الفلسفة؛ فخيرٌ لها أن تتجرّع السمّ من أن تتخلى عن نبلها ووظيفتها في تحرير العقول.

 

ففكرة الحرّية نفسها ما كان لها أن تحتلّ مكانتها في تاريخ البشر لولا نبل الفلسفة. الفلسفة، بوصفها نبيلةً، لا تجامل التاريخ ولا ذوات التاريخ ولا سرّاق التاريخ.

 

لم يكترث ابن رشد بقرار نفيه إلى اليسّانة. ولا أحد من الناس يعلم أسماء الفقهاء الذين كتبوا نصّ تكفيره، والقلة تعلم من أصدر القرار بنفيه. ماتوا جميعاً وظلّ ”فصل المقال” و”عقائد الله” و”تهافت التهافت” عصيِّين على البلى.

لا أحد يعلم من هو الذي حاول طعن اسبينوزا من عامّة اليهود، ولا أسماء أولئك الذين طردوه من الدين اليهوديّ، ولكن كتابَي ”الأخلاق” و“رسالة في اللاهوت والسياسة”، وغيرهما من مؤلفات اسبينوزا، ما زالت تسهم في تشكيل الوعي الأوروبيّ وغير الأوروبيّ.

لم ينظر هيغل، وهو يشاهد من نافذة بيته جنود نابليون بونابرت يصلون إلى مدينته يينا، إلى الأخير على أنه محتلٌّ، بل رآه العقل وقد امتطى حصاناً. يظهر نبل الفلسفة في أنها تدكّ أكثر الحصون رجعيةً، كما قال ماركس، غير هيّابةٍ، وتجعل من الإنسان مركز العالم.

ما زال صوت كانط يرنّ في أذن التاريخ قائلاً: ”لو كانت سعادة البشر كلها وقفاً على قتل طفلٍ بريءٍ واحدٍ لكان هذا الفعل لا أخلاقياً“. وما زالت أبيات ابن عربي تلهم آلاف الإنسانيين.

فهاجس الحرّية الآن هو الهاجس الحقيقيّ. وبالتالي فإن خطاب الحرّية، الشغل الشاغل للفيلسوف العربيّ الآن، هو الذي يدفعه ليكون في قلب معركة الناس من أجل حرّيتهم. فما زال الناس، ومن خلال تجربتي معهم، يحتفظون بوعيهم بأهمية المثقف، بل ويطلبون منه دائماً أجوبةً عن أسئلتهم. وكلّ من يتهرّب من الاندراج في كفاح الناس من أجل حرّيتهم لا يدخل أبداً دار الفلسفة. أجل، الأفكار دائماً تسبق الواقع. لكنها، حتى وهي تسبق الواقع، يجب أن تكون متطابقةً مع الواقع، لأنها تسبق الواقع عبر فهمٍ حقيقيٍّ للواقع. كيف لنا، دون فهم الواقع، أن نطرح ما يجب أن يكون.

 

***

 

بالنسبة لداعش… حبذا لو تقدّم لنا قراءةً سريعةً ما بين حضور هذا التنظيم كظاهرةٍ عسكريةٍ موظّفةٍ، وبين حضور التنظيم كحالة ارتكاس جمعيٍّ لأيديولوجيا عتيقةٍ متأصّلةٍ في المنطقة؟

 

 يعتقد البعض أن داعش، وما شابهها، ظاهرةٌ جديدةٌ، ويندهشون من حضورها العاصف. وهذا اعتقادٌ خاطئ. فمنذ ظهور الحركات العنفية الأصولية في مصر أيام السادات، مروراً بظهورها في بلاد الشام، وبروز القاعدة، ومع احتلال العراق وبروز الحركات الأصولية الشيعية، وبروز دور حزب الله في لبنان، واتساع حركة الحوثيين في اليمن، وانفجار العنف الأصوليّ الجزائريّ، وقيام دولةٍ أصوليةٍ في إيران، حتى ظهور داعش، ونحن نعيش ماهية الظاهرة الداعشية. فكلّ ما سبق هو، من حيث الماهية، شيءٌ واحد.

 

 

ومع انهيار السلطة الديكتاتورية في بلدان الربيع العربيّ، والتي كانت في صراعٍ مع هذه الحركات، صار الطريق أمامها سالكاً لتحقيق أجندتها، مستفيدةً من حجم الأحقاد المتراكمة على هذه الأنظمة. وفجأةً وجدنا أنفسنا أمام داعشيةٍ سنّيةٍ وأمام داعشيةٍ شيعيةٍ، تغذيهما إيران عبر تأييدها لداعشيّيها واختراقها لداعشيّيهم.

 

***

 

يتهمك البعض بالإلحاد... وبمحاولة التبخيس من مقدّساتهم، كيف تردّ..؟

 

الإلحاد ليس فلسفةً، لكن الفيلسوف هو مرجع ذاته وليس لديه مرجعٌ آخر. ولهذا هو لا ينظر إلى الدين بوصفه نمطاً من الوعي مختلفاً عن الوعي الفلسفيّ. هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ ثانيةٍ فإنه ليس من شيمة الفيلسوف أن يجيب عن أسئلة اللاهوت، لأنها ليست أسئلته أبداً. ولهذا فهو يكتشف السؤال الفلسفيّ من العالم، من الواقع، من الحياة، ويقدّم جوابه المختلف عن أجوبة اللاهوتيّ. ولهذا ينظر اللاهوتيّ إلى الفيلسوف على أنه ملحدٌ، لأن اللاهوتيّ يقسم البشر بين ملاحدةٍ ومؤمنين.

 

وفي كلّ الأحوال، لا يجب على الفيلسوف أن يصادر حرّية الناس في الإيمان، ويهزأ بالإيمان الشعبيّ. ليكن واضحاً لكلّ ذي بصيرةٍ أن الإيمان الشعبيّ لا يعرف إطلاقاً العنف سلوكاً، ولا يمكن للتدين الأيديولوجي أن يجرّ البسطاء إلى العنف إلا إذا فقدت الحياة إغراءها، من جهةٍ، وانسدّت سبل الخلاص، من جهةٍ ثانيةٍ؛ الخلاص من ديكتاتورياتٍ تفسد حياة الإنسان والشعور بالأمان، فيجري استغلال واقعةٍ كهذه من قبل الساعين الى أخذ السلطة غلاباً. ولهذا فإن الشرط الأوّل للحفاظ على الإيمان الشعبيّ بكلّ إيجابياته هو الحفاظ على الحياة حرّةً كريمةً تستحقّ أن تُعاش. بل إن حياة العبودية والإفقار والاعتداء على الكرامة الإنسانية معاديةٌ للإيمان الدينيّ الشعبيّ؛ الإيمان الذي يجعل من الإنسان أشرف الكائنات ومالك الحقّ في الحياة السعيدة على هذه الأرض. ولهذا فأنا لا أنال من الدين الشعبيّ أبداً.

 

***

 

سؤالي الأخير لك يحمل وجهاً عاطفياً…

هل من عزاءٍ لصورة الإنسان المشوّه في زمننا؟ وإن كان ثمة رسالةٌ لديكم للأجيال التي لم تولد بعد لتشهد هذا المنعطف التاريخيّ؟

 

لا أعتقد أن صورة الإنسان بعامّةٍ صورةٌ مشوّهةٌ بالمطلق. بل إن ولادة الإنسان تتمّ الآن، بمعزلٍ عن وجود أعداء الانسان. فالساحات امتلأت بالإنسان. وخيرة الشباب المقبل على الحياة والمحبّ للحرية قضوا في سجون الطغاة. والطاقات التي فجّرتها الثورات عند الشباب تدلّ على قوّة هذا الجيل. كم أفرح عندما أجد مئاتٍ من الشباب وهم يكوّنون اليوم عالمهم المبدع، غير عابئين بأعداء الإنسان. إني سعيدٌ بالعشرات من طلابي المنتشرين الآن وجميعهم يحتفلون بأنواتهم فكراً وإبداعاً وممارسةً. ولهذا قلت في كتابي أنطولوجيا الذات:

 

“الذات التي أسعى وراءها هي الذات التي أعيد لها صوتها بعد أن أصمتوها، أزيل خفر الظهور عن وجهها بعد أن حجبوها، أعيد لها قلبها بعد أن حجّروها، أكشف عن جمالها بعد أن قبّحوها، أنشر تنوّعها بعد أن قتلوها. أعيد لعقلها حقّ التفكير بعد أن شلوها، أعيد إليها جناحيها بعد أن سمّروها، ثم أضع بيدها المرفوعة الشعلة بعد أن رمّدوها”.

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard