info@suwar-magazine.org

عن العقد الاجتماعيّ الممكن والواجب

عن العقد الاجتماعيّ الممكن والواجب
Whatsapp
Facebook Share

 

جاد الكريم الجباعي

 

كثر الحديث، منذ حينٍ، عن أهمية العقد الاجتماعيّ وضرورته. ترافق ذلك مع عودة مفهوم المجتمع المدنيّ إلى التداول الثقافيّ، واقترن أيضاً بتصوّراتٍ مختلفةٍ عن الديمقراطية، من أبرزها "الديمقراطية التوافقية" و"ديمقراطية صندوق الاقتراع"؛ تكرّس الأولى مبدأ المحاصصة، أو تقاسم السلطة والسيادة، وفق نسبة القوى وقت التعاقد، وتكرّس الثانية مبدأ الغلبة الإثنية أو المذهبية، تحت عنوان "حكم الأكثرية"، وفق تعريفٍ مبتذلٍ للديمقراطية ورؤيةٍ إثنيةٍ أو مذهبيةٍ للحياة الاجتماعية والسياسية.

 

في خضمّ الأحاديث المرسلة في هذه المسائل ضاع الفرق بين مسألة من يحكم ومسألة كيف يكون الحكم. نعتقد أن فكرة العقد الاجتماعيّ، والمبادئ التي يقوم عليها، تتعلق بكيفية الحكم، لا بتعيين من يحكم. وأن ثمة نوعين رئيسين من العقود الاجتماعية: عقدٌ اجتماعيٌّ سياسيٌّ وأخلاقيٌّ بين أفرادٍ حرائر وأحرار، وعقدٌ اجتماعيٌّ بين جماعاتٍ أو عصبياتٍ مغلقة.

 

 

لما كانت آمال الشعوب، التي تتطلع إلى الحرّية والحياة الكريمة، معقودةً على بناء الدولة الوطنية دولةَ حقٍّ وقانونٍ ومؤسّساتٍ، لجميع مواطناتها ومواطنيها، بالتساوي، دونما تمييزٍ على أساس العرق أو الدين أو المذهب أو الجنس أو الثروة والمكانة، وبناء العلاقات الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية والثقافية على أسس المساواة والحرية والعدالة؛ فإن العقد الاجتماعيّ هو السبيل الوحيد الممكن والواجب لتحقيق هذه الآمال.

 

يذهب بعضهم إلى اعتبار العقد الاجتماعيّ تصوّراً ذهنياً ومثالياً يفسّر انتقال بعض الجماعات من "الحالة الطبيعية" إلى الحالة المدنية، أو من حالة اللاعقل إلى حالة العقل، حسب تعبير كانط. ويذهبون، قبل ذلك، إلى اعتبار "الحالة الطبيعة" تصوّراً ذهنياً، لا واقعاً تاريخياً.

 

 خلافاً لهذه الرؤية، نفترض أن الحالة الطبيعية واقعٌ تاريخيٌّ، يشهد عليه انفجار المجتمع وترنح الدولة في كلٍّ من سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها، وانفجار العنف الأعمى، وانهيار الثقة، وافتقاد الأمن، وتفشي مظاهر الهمجية والتوحش. التاريخ، في اعتقادنا، هو مجرى الحياة الإنسانية، هنا والآن، وسيرورة تمدّنها وتقدّمها، أو انتكاسها وتراجعها، لا الماضي، ولا مجرّد تسجيل الأحداث والوقائع وفق تسلسل حدوثها في الزمن الخطّي، والزمن ليس كذلك.

 

 

يمكن أن يكون العقد الاجتماعيّ، في واقعه الفعليّ، اتفاقاً بين جماعاتٍ، إثنيةٍ ومذهبيةٍ وطائفيةٍ أو طبقيةٍ، أو بين قوىً تمثلها، وفقاً لمبدأ الغلبة؛ فيكون نوعاً من مصالحةٍ تقليديةٍ، تتقرّر بموجبها حقوق كلّ جماعةٍ بمقدار قوّتها المادية والمعنوية وتحالفاتها الداخلية والخارجية، فتكون المصالحة بذلك أقرب إلى هدنةٍ بين حربين، كما هي الحال في لبنان والعراق، المثالين النموذجيين. وبما أنه لا يمكن لأية جماعةٍ أن ترضى بما تقرّره لها علاقات القوّة، المتغيّرة دوماً، فستظلّ عوامل النزاع قائمةً في بنية العقد ذاته، وفي بنية المجتمع، وستظلّ السياسة نوعاً من إدارة الحرب أو استمراراً للحرب بوسائل أخرى، مما يسمح بتدخل القوى الإقليمية والدولية في الشؤون الداخلية، بذريعة الدفاع عن هذه الجماعة أو تلك.

 

ويمكن أن يكون العقد الاجتماعيّ، بل ينبغي أن يكون، عقداً بين أفرادٍ، أي بين مواطناتٍ حرائر ومواطنين أحرارٍ، يقوم على مبدأ الاعتراف المتبادل بالتساوي في الكرامة الإنسانية أولاً، ومن ثمّ في الكرامة الوطنية؛ اعترافٌ يتأسّس عليه اعترافٌ متبادلٌ بالمواطنة، أي بتساوي الأفراد، نساءً ورجالاً، في عضوية الدولة الوطنية، وفي الحقوق المدنية والسياسية، وتساوي مرجعياتهم الثقافية. العقد الاجتماعيّ، بهذه الصفات، التي تجعله ممكناً، شرطٌ ضروريٌّ للخروج من حالة الشقاق والنزاع والحروب الكامنة أو المتفجّرة، وضمانةٌ أكيدةٌ كي لا تتكرّر النزاعات والحروب كلما تغيّرت نسبة القوى الاجتماعية. وهو ما يغلق الباب نهائياً في وجه القوى الخارجية، ويحول دون تدخلها في الشؤون الداخلية.

 

 

وإلى ذلك، فإن العقد الاجتماعيّ بين أفرادٍ حرائر وأحرارٍ هو ما يوفر الشروط الموضوعية، القانونية والسياسية والاجتماعية، لتحرّر الأفراد من الأطر التقليدية والعلاقات النمطية، ويضمن استقلالهم، دون أن يلغي انتماءاتهم الإثنية والدينية، أو يحجر على حرّياتهم، أو يقيّد خياراتهم الشخصية. فيؤسّس بذلك للصداقة المدنية، التي تجعل كلاً منهم يهتمّ بالآخرين، ويتعاطف معهم، ويدافع عن حرياتهم وحقوقهم، بوصفهم شركاءه في الوطن والمصير.

 

وهذا، أي تحرّر الأفراد واستقلالهم الذاتيّ، لا يتحقق دفعةً واحدةً، بل يتشكّل وينمو بالممارسة، في إطار نظامٍ جمهوريٍّ برلمانيٍّ وانتخاباتٍ دورية، في ظلّ سيادة القانون. فقد اهتدى العقل البشريّ إلى العقد الاجتماعيّ والحياة الدستورية للتخلص من السلطات الشخصية المطلقة كافةً، ولا سيما سلطة الحكام وبطانتهم، وسلطة الكهنة أيضاً، باعتبار الأخيرة القاعدة الثقافية والأخلاقية للسلطات الشخصية المطلقة، وقاعدةً للاستبداد الدينيّ والسياسيّ، إذ تتساوى لدى الكهنة وجماعات "الدين السياسيّ" "حاكمية الله" وحاكمية المستبد. فلكي لا يخضع الشخص الطبيعيّ لنظيره، كان لا بدّ من شخصٍ معنويٍّ يخضع له الجميع، وينزلون له عن حرّياتهم وحقوقهم الطبيعية، لكي يستعيدوها حرّياتٍ مدنيةً وحقوقاً مدنيةً، يضمنها الدستور والقانون. هذا الشخص المعنويّ هو الدولة الوطنية الحديثة، وسلطته هي سلطة القانون، الذي يضعه الشعب لنفسه عن طريق ممثليه أو مندوبيه، الذين يختارهم اختياراً حرّاً.

 

الدولة الوطنية الحديثة، عند علماء السياسة، هي الجمهورية REPUBLIK. لا تدلّ الجمهورية على نظام الحكم فقط، في مقابل المَلَكية، بل تدلّ قبل ذلك على العمومية، أو على كلّ ما هو عامٌّ ومشتركٌ بين الأفراد في المجتمع المعنيّ. والفضيلة السياسية في الجمهورية هي المواطنة وحكم القانون، والعمومية هي الصفة الأساسية للدستور والقانون، مما يجعلهما أقرب إلى العدالة، بل شرطاً ضرورياً للعدالة.

 

الصيغة العملية لعقدٍ اجتماعيٍّ، من هذا النوع، هي انتخاب جمعيةٍ تأسيسيةٍ انتخاباً صحيحاً، على الصعيد الوطنيّ العام، وفق قانون انتخابٍ عصريٍّ وحديثٍ، تضعه هيئةٌ وطنيةٌ عامةٌ للانتخابات، مؤلفةٌ من قضاةٍ وأكاديميين وممثلين عن منظّمات المجتمع المدنيّ. يحدّد القانون شروط الانتخاب والترشيح وفقاً لمستوى التطوّر الاجتماعيّ والثقافيّ، ويقوم على مبادئ الثقة والكفاءة والخبرة والجدارة العلمية والأخلاقية. ويحدّد الدوائر الانتخابية، وأسلوب الانتخاب الفرديّ أو الحزبيّ والنسبيّ، وضوابط العملية الانتخابية، كجداول الشطب ومراقبة عمليات الانتخاب في المراكز الانتخابية، وعمليات فرز الأصوات، من قبل القضاء ومنظمات المجتمع المدنيّ ووكلاء المرشحين، كما يحدّد شروط الاعتراض والطعن. إن قانون الانتخاب هو ما يحدّد طبيعة الدستور، الذي ستضطلع الجمعية التأسيسية بكتابته واستفتاء الشعب فيه.

 

وإذ يعدّ الدستور صيغةً قانونيةً للعقد الاجتماعيّ أو للميثاق الوطنيّ، فإنه ينطوي على مبادئ أخلاقيةٍ ضروريةٍ لإنفاذه، من أهمّها الاعتراف المتبادل والثقة المتبادلة والاحترام المتبادل والتعاون والتضامن والاعتماد المتبادل، بين الأفراد المختلفين والجماعات المختلفة. فيضمن بذلك التنافس السلميّ، وتداول السلطة، والتشارك الحرّ في الحياة العامة وحياة الدولة.

 

ولا تتأكد البطانة الأخلاقية للدستور إلا إذا قام على أساس عمومية الدولة وتساوي جميع مواطناتها ومواطنيها في عضويتها. عمومية الدولة هي أساس العدالة السياسية، فلا يمكن أن توصف الدولة بأنها عربيةٌ أو إسلاميةٌ أو بأية صفةٍ من صفات الأشخاص الطبيعيين وتكون دولةً وطنيةً. الوطنية، بمعناها السياسيّ، هي العمومية؛ عمومية الدولة وعمومية جميع مؤسّساتها.

 

 

هذه هي القاعدة السياسية والأخلاقية التي تقوم عليها حقوق الإنسان والمواطن، والتي تحول دون تحكّم العصبيات في الحياة العامة وحياة أفرادها.

 

فلا يمكن التحرّر من العصبيات العشائرية والإثنية والدينية والمذهبية والأيديولوجية، التي تنطوي جميعها على الأصولية والتطرّف، ويحمل كلٌّ منها جرثومة العنف الذي يمكن أن يتحوّل إلى إرهابٍ، وتحول بذلك دون تشكّل فضاءٍ وطنيٍّ عامٍّ وحياةٍ اجتماعيةٍ سليمةٍ ومستقرّةٍ.. لا يمكن التحرّر من هذه العصبيات إلا بعقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ بين مواطناتٍ حرائر ومواطنين أحرارٍ، على نحو ما وصف أعلاه. فقد شبّه مصطفى حجازي العصبية بالأمّ (رحمٌ وثديٌ)، لا يخرج الأفراد من رحمها، ولا ينقطعون عن ثدييها، إلا إذا كسب كلٌّ منهم حرّيته واستقلاله الذاتيّ، وصار شخصاً قانونياً وأخلاقياً مستقلاً، معتَرَفاً باستقلاله، ومعترِفاً باستقلال الأخريات والآخرين، ويعي انتماءه إلى الجماعة الإنسانية، ومن ثمّ انتماءه إلى دولته ووطنه، وإلا كانت الوطنية عصبيةً جديدةً، لا تخلو من العنصرية.

 

تجاوز العصبيات غير ممكنٍ إلا بإلغائها سياسياً، أي بألا يترتّب على وجودها التاريخيّ وانتماء الأفراد إليها أيّ أثرٍ سياسيٍّ، وألا تنتج عن كثرة أفرادها أو قلتهم أية نتيجةٍ سياسيةٍ. ولا يتحقّق ذلك إلا حين تكون الدولة محايدةً حياداً إيجابياً إزاء انتماءات مواطناتها ومواطنيها ومعتقداتهم، لا منحازةً إلى أيٍّ منها، ولا معاديةً لها، كما كانت الحال عندنا منذ أكثر من نصف قرن. فانحياز الدولة إلى أيٍّ منها أو معاداتها لأيٍّ منها يثلم وطنيتها، أي عموميتها، ويتسبّب في انتعاش العصبيات وتوترها.

تسمّى الدولة في هذه الحال "دولةً ناقصة"، تحمل جرثومة انهيارها في داخلها. العصبيات واقعٌ تاريخيٌّ، لا يزول إلا بزوال أسبابه، ومن أهمّ هذه الأسباب انحياز الدولة إلى بعضها وتهميش بعضها الآخر، وهذه كانت حال "دولة البعث" في سوريا والعراق، وحال دولٍ "عربيةٍ" و"إسلاميةٍ" كثيرةٍ.

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard