info@suwar-magazine.org

ليلة القبض على أحمد منصور

ليلة القبض على أحمد منصور
Whatsapp
Facebook Share

 

ملاذ الزعبي 

 

لم يسبق لأنجيلا أن رأت ديفيد هكذا في يومٍ من الأيام، شعره مسرّحٌ كيفما اتفق وربطة عنقه غير محكمة العقد. فرانسوا أيضاً بدا متعباً وهالاتٌ سودٌ صبغت محيط عينيه، كدليلٍ قاطعٍ على سهر ليلةٍ طويلةٍ. كان باراك ساهماً يمجّ سيجارته بشراهةٍ، غير مكترثٍ لجوّ الغرفة المغلقة الخانق. فيما فلاديمير يطرق بأصابعه على الطاولة بنزقٍ وإلى جانبه شي جين مطرق الرأس كطفلٍ عاجز. وحده هيثم كان هادئاً واثقاً كعادته، ثاقب البصر والبصيرة، مؤشّر بوصلته لا يحيد عن جهة الوطن. أما ضباب دخان باراك فلم يزده إلا رؤيةً لكامل المشهد.

 

كانت أنجيلا قد دعت إلى هذا الاجتماع العاجل بعد معلوماتٍ وردت من أرفع الجهات الاستخباراتية في بلادها تؤكّد نية الإعلاميّ المحايد خفيف الدم أحمد منصور القيام بزيارةٍ سريعةٍ إلى برلين. فرصةٌ كهذه لن تتكرّر؛ فالمذيع الذي دوّخ قادة العالم سيكون في متناول اليد، وإن لم يغتنموا المناسبة النادرة هذه فقد يعضّون أصابعهم من الندم. لكنهم يخشون أن يقدموا على حماقةٍ تجعلهم يعضّون أناملهم بقوّةٍ أكبر، بل أن يقرطوا منها شقفاً.

 

اقترح باراك على فلاديمير تنفيذ عملية اغتيالٍ خاطفةٍ قرب بوابة براندينبورغ. فشبيبته اختصاصيون بمثل هذه الشغلات، و"عيار الزلمة رصاصة من مسدس كاتم للصوت". رفض الأخير بشدّةٍ، محوّلاً طرقات أصابعه على الطاولة إلى ضربةٍ عنيفة: "هذه الرصاصة سترتدّ على موسكو هاويةً جحيميةً لا قرار لها، وأنت سيد العارفين". ذكّره بالثمن الذي دفعه كي يحكم قبضته على الشيشان. لا، لن يضحّي بهذه القبضة عبر عملٍ غير محسوب العواقب.

 

أبدى استعداده لتقديم تنازلاتٍ في الملفّ الأوكرانيّ. ألمح إلى أن الانسحاب من شبه جزيرة القرم قد يكون أقلّ فداحةً من مسّ شعرةٍ من شعرات مؤخرة منصور. تدخل هيثم قائلاً: "ألم أقل لكم".

 

حاول ديفيد أن يحوّل الجدل الأمريكيّ الروسيّ العقيم إلى حوارٍ أوربيٍّ براغماتيٍّ مثمرٍ، فأشار على فرانسوا أن يطلب من أصدقائه في الائتلاف فعل شيءٍ ما مع القطريين. ضحكةٌ صفراء حزينةٌ ارتسمت على وجه خليفة نيكولا، وقال لديفيد بصوتٍ كسيرٍ: "لقد جرّبنا ذلك مسبقاً. رجونا الائتلاف مرّاتٍ ومرّات. نجحنا أخيراً في إقناع جورج صبرا شخصياً بالتهديد بقطع الرواتب والمساعدات". بارقة أملٍ لمعت في عيني ديفيد، كمجوهرات الملكة. سأل برجاءٍ: "وماذا كان الردّ؟". أطلق فرانسوا زفرةً طويلةً وهو يكرّر جواب الدوحة الحاسم: "إلّا أحمد منصور.. إلّا أحمد منصور". عقّب هيثم بهدوءٍ حكيمٍ: "حذّرناكم".

 

بدت المرأة الحديدية هشّةً ضعيفةً كقطعة فلّينٍ تتقاذفها أمواج بحرٍ هائج؛ أينها اليونان وديونها وأينها الزيارة الثقيلة لمنصور. وإن كانت سنوات خبرتها تمكّنها من التعامل مع الملفّ الأوّل فإن الملف الثاني بدا أعقد من قدراتها التي، مهما بلغ شأنها، لن تصل إلى تعقيدٍ بهذه السويّة.

التفتت إلى شي جين، علّه يسعفها بحلٍّ رديء الجودة، قليل التكلفة، كصناعة بلاده. لكن التنين ضئيل الحجم، الذي قرأ أفكارها، قطع عليها الطريق:

"أضحّي بمليار و200 مليون صينيٍّ ولا يقولوا قرّب لأحمد منصور يا أنجيلا". أنّبهم هيثم مناع: "لم تصغوا إلينا".

 

العجز إلهٌ كليّ القدرة يشمت بمن اعتقدوا أنهم آلهة البشر، ويطلّ عليهم هازئاً مزدرياً ساخراً. القادة عبيد غطرستهم، وهيثم خاتم أنبياء السياسة وحقوق الإنسان. أحمد منصور فارس عصرٍ بلا فرسان، يمتشق ميكرفونه كحسامٍ ويطلق غلاظته رمحاً يخترق الأذهان والأجساد.

 

لم يكن أحدٌ قادراً على اتخاذ قرارٍ. المسؤولية صخرةٌ هائلةٌ تجثم على صدور زعماءٍ بلا شعبيةٍ يواجهون بطلاً تعشقه ملايين. كان شبه القرار الأخير: "سنجرّب اعتقاله لساعاتٍ ونقيس ردود الفعل الدولية واحتمالات أزمةٍ اقتصاديةٍ عالميةٍ، ثم نرى".

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard