info@suwar-magazine.org

فضيحة رفع سعر الدواء السوريّ 50%

فضيحة رفع سعر الدواء السوريّ 50%
Whatsapp
Facebook Share

 

نضال يوسف

 

 

قبل عامٍ حقّقت الشركات أرباحاً مضاعفة، ووزير الصحّة يرى أنها تربح 500%

الشهابي يفجّر موقفاً: طالبنا بتخفيض سعر الدواء وليس بزيادته

صناعيّ: كان المقترح زيادة أسعار الأصناف الخاسرة فقط

ثلث راتب وزيرٍ متقاعدٍ يُنفق على الدواء، وسقوط رواية سعر الصرف

 

ابتلع المرضى السوريون حبّة الدواء المرّة، وبسعرها المرير، مرّةً ثانيةً في عامين. وبصمتٍ وغيظٍ مرّ قرار لجنة الأدوية في وزارة الصحة، القاضي بزيادة سعر الدواء بنسبة 50%، وسط تضارب المواقف بين عددٍ من مصنّعي الدواء المحليّ والرواية الرسمية التي حاولت الدفاع عن القرار دون جدوى. "لم يعد أمامنا سوى تلقي الصدمات، ولا أحد يرأف بحالنا"، هكذا عبّرت سيدةٌ مسنّةٌ لمجلة (صوَر) عن موقفها الساخط تجاه رفع أسعار الدواء. وتساءلت أم مصطفى: هل ستكون الزيادة الأخيرة؟ لتجيب: قطعاً لا. وما يلفت الانتباه، تعليقاً على زيادة سعر الدواء، أن وزيراً سورياً سابقاً -نبيل الملاح- خرج عن صمته معبّراً عن استيائه من القرار المذكور، لأنه بات يدفع نحو 13 ألف ليرةٍ ثمناً للدواء الذي يتناوله شهرياً، فيما راتبه التقاعديّ 40 ألف ليرةٍ، أي أن ثلث راتبه يذهب لشراء الدواء. هذا حال وزيرٍ سابق، وبالقياس عليه لن يكون حال محدودي الدخل أفضل. إنها سخرية القدر، أن تنتقد القرار كلّ الشرائح، حتى مصنّعي الدواء، ما يدلّ أن وراء زيادة سعر الدواء بنسبة 50% شيئاً مخفيّاً.

 

القرار الصدمة

 

فوجىء السوريون، في منتصف آب الماضي، بقرارٍ وقع عليهم كالصاعقة، يقضي بزيادة سعر الدواء المصنّع محلياً، في وقتٍ ينتظرون فيه أن تلتزم الحكومة بوعودها، وتتخذ ما يمكن من إجراءاتٍ لتحسين المستوى المعيشيّ. إلا أن الرفض الشعبيّ الاعتياديّ لمثل هذه القرارات لا يبدّل المواقف، ولا يدفع باتجاه تعديل القرارات المؤلمة التي تصيب من الناس مقتلاً. لكن مواقف عددٍ من كبار مصنّعي الدواء بيّنت أن القرار المذكور لم يأتِ تلبيةً لمطالبهم، ولم يعبّر بدقةٍ عما يريدون. رئيس اتحاد غرف الصناعة، ورئيس غرفة صناعة حلب، وصاحب واحدةٍ من كبريات شركات تصنيع الأدوية؛ فارس الشهابي، تحدّث لمجلة (صوَر) عن موقفه من القرار المذكور قائلاً: نحن ضد القرار. ولم نضع في سلسلة مطالبنا زيادةً في سعر الدواء، هذا الموضوع آخر همّنا. وتابع رداً على أسئلة (صوَر) حول حقيقة ما جرى: قدّمنا مقترحاتٍ مختلفة، أبرزها دراسة إمكانية خفض أسعار الدواء أو المحافظة على سعره الحاليّ. هذه المفاجأة، التي يفجّرها الشهابي لأوّل مرّةٍ، أوضحَها بأن المقترح تضمّن إمكانية أن تتخذ الحكومة، عبر الجهات العامة ذات العلاقة، جملةً من الإجراءات لتخفيف العبء عن مصنّعي الدواء، مقابل أن يخفّض هؤلاء السعر استناداً إلى خفض الكلفة. وذلك من خلال -وفقاً للشهابي- إعفاء شركات ومعامل الأدوية من الضرائب، وتمويل مستورداتهم بسعر قطعٍ مناسبٍ ومخفّض، وليس وفقاً لأسعار السوق السوداء، وحماية منشآتهم، وتيسير نقل الدواء والمواد الأولية، واستثناء الدواء من التفتيش على الحواجز فور إبراز الفواتير النظامية، والسعي إلى تأمين الطاقة الكهربائية لتشغيل المعامل، أو أيّ مادةٍ طاقيةٍ أخرى تعمل عليها الآلات، وبالأسعار النظامية.

 

ويرى صاحب شركة ألفا للصناعات الدوائية أن هذه الإجراءات لن تؤثر كثيراً على موارد خزينة الدولة، وسيكون لها أثرٌ إيجابيٌّ كبيرٌ في نفوس كلّ أسرةٍ سوريةٍ في هذه الأزمة التي أثقلت على حياة الناس. معبّراً عن دهشته العارمة لجنوح الحكومة نحو السير بالاتجاه الآخر، والذهاب نحو السيناريو الأسوأ بزيادة سعر الدواء بهذا الشكل.

 

 

 الأصناف الخاسرة

 

هذه الرواية قابلتها أخرى تفضح أيضاً ما خفي في موضوع الدواء وزيادة أسعاره. إذ أكّد صاحب معمل أدويةٍ دمشقيٌّ لمجلة (صوَر) أن المقترح الذي تمّ تداوله تركّز حول أن يزوّد كلّ معملٍ وشركةٍ لجنةَ تسعير الدواء في وزارة الصحة بقائمةٍ تتضمّن الأصناف الدوائية الخاسرة في كلّ منشأة، ليصار إلى اتخاذ قرارٍ ينقلها من الخسارة إلى حالة التوازن في الحدّ الأدنى، أو تحديد هامش ربحٍ معقولٍ لها. ويوضح الصناعيّ، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، أن كلّ منشأةٍ لديها أصنافٌ خاسرةٌ، قد لا يتجاوز عددها أصابع اليدين، إلا أن الشركة تصرّ على إنتاجها لغاياتٍ تسويقيةٍ، وغالباً ما تعوّض هذه الخسائر من أرباحها في أصنافٍ أخرى. واعتبر الصناعيّ أن اتجاه النقاش العامّ كان يبلور موقفاً للحدّ من خسارة الشركات المصنّعة للدواء في هذه الأصناف، وليس إصدار قرارٍ يزيد سعر كلّ الأصناف بنسبة 50%، دون أن يدري أحدٌ بخفايا هذا الموقف الحكوميّ المثير للتساؤل؟

 

 

إلا أن زياد أوبري، وهو صاحب منشأةٍ دوائيةٍ، وصف، في تصريحاتٍ صحفيةٍ نسبت إليه، زيادة سعر الدواء بـ"الخجولة جداً". مشبّهاً إياها بنقل المريض الذي يصارع الموت إلى غرفة الإنعاش لإعطائه بعض الأوكسجين، ليعيش مدّةً قصيرةً ريثما يتمّ إيجاد العلاج المناسب. وقال: إن الشركات الوطنية المنتجة للأدوية، والتي تغطي نسبة 92% من حاجة السوق، هي في حالة تدهورٍ ماليٍّ سيء، وغير قادرةٍ على الاستمرار في الإنتاج لمدّةٍ طويلةٍ في ظلّ الأوضاع الحالية، حتى مع تلك الزيادة الإسعافية الخجولة.

 

وسط النيران

 

يعمل في السوق الدوائية السورية حالياً 54 شركةً ومعملاً، وفقاً لنقيب صيادلة سورية، الدكتور محمود الحسن، فيما خرج 24 عن الخدمة نتيجة الظروف الراهنة وإلحاق الأذى والدمار بها. وكانت المنشآت المذكورة تغطي سابقاً ما يزيد عن 90% من حاجة البلاد من الأدوية، بينما انخفضت تغطيتها الآن إلى أقلّ من 75%. وهناك 10 معامل تعمل بطاقة 50%، وتتراوح طاقة الباقي بين 80 إلى 90%. ويبلغ عدد فرص العمل التي تؤمّنها 30 ألفاً. حاول الحسن اتخاذ موقفٍ متوازنٍ تعليقاً على قرار زيادة أسعار الدواء، إلا أن الواقع جعله يقف وسط نيرانٍ ملتهبةٍ تتطلب الوقوف على ضفةٍ واحدة. فبعد نفيه صدور قرارٍ بزيادة سعر الدواء، ثمّ الإقرار به، التزم الحسن الدفاع عن القرار، ضارباً عرض الحائط باستثناء النقابة من المشاركة في صياغة القرار أو حتى الاطّلاع على مضمونه قبل صدوره، أو الاستجابة لمطلبها برفع سعر الدواء تدريجياً. إلا أنه استند إلى موقفٍ تقليديٍّ يعبّر عن ضرورة هذا القرار لحماية المنتج الدوائيّ المحليّ، والسعي إلى توفيره دائماً، بدلاً من استيراده وتبديد القطع الأجنبيّ، فضلاً عن ارتفاع سعر البديل الأجنبيّ مقارنةً بالدواء المحليّ. لكن رئيس نقابة عمال الصحّة بدمشق وريفها، سامي حامد، لفت إلى أن صناعة الأدوية لم تكن خاسرةً ليتمّ رفع سعر الدواء. موضحاً أن أرباح الشركات الخاصّة لصناعة الأدوية انخفضت بنسبٍ معينةٍ، ما دفعها إلى الضغط لإصدار هذا القرار. رغم أنها، ومنذ أكثر من عامٍ، رفعت أرباحها دون أيّ قرارٍ، عندما خفّض العديد منها كمية الدواء في العلبة الواحدة، محقّقاً أرباحاً تصل إلى 100%.

 

 

سعر الصرف

 

سبقت صدور القرار تأكيداتٌ جازمةٌ من وزير الصحة، نزار يازجي، أن لا نيّة لدى الوزارة برفع أسعار الأدوية. كما أنه انتقد، في تصريحاتٍ سابقةٍ، أرباح معامل الدواء التي كانت تصل إلى 500%. إلا أن التذرّع بارتفاع سعر الصرف، ما يعني زيادة تكاليف الإنتاج، لم يجد من يقبله. فعلى الرغم من أن آخر تعديلٍ لأسعار الأدوية كان في 12 تموز 2013، وتمّ تسعير المستحضرات الدوائية المصنّعة محلياً حينها على أساس سعر صرف الدولار 61.69 ليرة، إلا أن الخبير النقديّ شادي ابراهيم قلّل من شأن هذه الرواية، معتبراً أن سعر الصرف آنذاك تجاوز حدود 315 ليرةً قبل أن تتدخل السلطة النقدية، وهو مشابهٌ لسعر الصرف في هذه المرحلة.

 

 

مزيدٌ من الضغوط

 

لم يُفهم من موقف الحكومة من الزيادة الأخيرة في أسعار الدواء سوى أمرين اثنين؛ يتعلق الأوّل بتحقيق مكاسب ضريبيةٍ جرّاء أرباح المنشآت على حساب المرضى، والثاني تثبيت سعر صرفٍ يتجاوز 300 ليرةٍ، وتلبية مطالب عددٍ من مصنّعي الدواء. أما القضية المهمة في هذا القرار فهي زيادة الأعباء على ما تبقى من الشعب السوريّ، وهو على ما يبدو نهجٌ حكوميٌّ بامتياز.

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard