info@suwar-magazine.org

المثليَّة الجنسيَّة، واقعٌ مرئيٌّ وصدٌّ اجتماعيٌّ وإعلاميّ

المثليَّة الجنسيَّة، واقعٌ مرئيٌّ وصدٌّ اجتماعيٌّ وإعلاميّ
Whatsapp
Facebook Share

 

 

*جوان تتر

 

"على الرغم من اختلاف حالتي وعلم أهلي بهذا التغيّر، إلّا أنني لا أجد نفسي مختلفاً عن أحد"، هكذا يقول (مصطفى) /25/ عاماً من مدينة عامودا. ويتابع: "تعرّضت لمواقف عديدةٍ خلال حياتي بسبب مثليّتي، وفي زمن الحرب تضاعفت الفوضى وبتُّ الآن أكثر تعرّضاً للإزعاج". يضحك: "وأنا مجرمٌ وفقاً للدستور السوريّ، أو أُعامل معاملة المجرم إن جاز التعبير. والقوانين حاليَّاً في تزايدٍ ولا علم لديّ بما سيؤول إليه الحال".

 

لم يكن الاهتمام بالمثليين شائعاً قبل الثورة في سوريا، ولكن مع بداية الحراك الثوريّ بدأت محاولاتٌ خجولةٌ للدفاع عن حقوق هذه الفئة البشريَّة في وسائل إعلامٍ متعدِّدةٍ كنوعٍ من التغيير أو محاولةً لتجسيد الثورة. وبحكم الفوضى الحاصلة في القوانين والدساتير تمّ تأجيل النظر في مواضيع مثل (الشذوذ الجنسيّ) إلى إشعارٍ آخر من قبل القائمين على أمور الثورة في الخارج والداخل، هو ليس تأجيلاً بقدر ما هو تهرّبٌ في أغلب الأحيان. لكن، على الطرف الآخر، ثمّة حياةٌ مستمرّةٌ لهؤلاء في الداخل، تشوبها التعاسة أحياناً، وتتأرجح بين الخوف والرغبة في الخروج من بلدٍ ينظر إليهم بعين الريبة أحياناً أخرى.

 

 

يقول (مصطفى): "لديّ أصدقائي الذين أسهر برفقتهم ونتناقش في بعض المواضيع السياسيَّة، ولكن غالباً ما ألقى نفسي وحيداً للغاية. وفي ظلّ التخوّفات الكثيرة من القوات الأمنيَّة الكردية، التي سبقت وأن ألقت القبض على حالاتٍ مشابهةٍ لحالتي، أبقى كاتماً سرّي في داخلي، لعلّ شيئاً ما يتغيَّر في ظلّ التغيّرات العظيمة التي تحدث بين الفينة والأخرى".

 

ميشيل ليس شاذَّاً

 

في أحد أحياء مدينة القامشلي، الواقعة تحت سيطرة الإدارة الذاتية الديمقراطية، يعيش (ميشيل) في بيته وحيداً مع والده الطبيب الذي لا يعيره أيّ انتباهٍ وكأنّه شبه عارٍ يلاحقه أينما حلّ!! لا يخفي (ميشيل) قرفه من الواقع الذي يحيط به بسبب الإزعاجات التي يسبّبها الأهل والأقارب أحايين كثيرةً بناءً على خلفيّة ميوله الغرائزيَّة غير المرغوب فيها في المجتمع الذي يحيى فيه. يقول: "لا أجد نفسي شخصاً مختلفاً بسبب مثليّتي، ولستُ آبهاً لما يحصل الآن حول العالم، فقط أريد حريَّةً أستطيع من خلالها التعبير عن مكنوناتي (اللا طبيعية) مثلما ينعتونني. بعض الأحيان أفكّر في ثورةٍ أقودها أنا لأحصل على حقوقي وحقوق من يشبهونني، وهم كُثرٌ في هذا البلد". يعمل ميشيل في أحد المحلات التي تبيع أفلاماً سينمائيَّةً يستوردها من خلال بعض الأصدقاء في تركيا، أو يحصل عليها من خلال قنوات الإنترنت التي تملأ الشبكة العنكبوتية حول العالم، لينسخها بعد ذلك على أقراصٍ مدمجةٍ ويبيعها أو يحتفظ بها. يقول (ميشيل): "أتاح لي عملي في هذا المجال الفرصة للتعرّف على أوضاع من هم مثلي حول العالم من خلال الأفلام التي تستعرض مثل هذه الحالات. وكم أغضب حين أرى تقبّلاً -ولو جزئيَّاً- من قبل الأوروبيين، في حين لا أرى سوى الصدّ من أبناء بلدي. لا بل يسعى الأوروبيون في الآونة الأخيرة إلى استقطاب أكبر عددٍ من المثليين كي يشكلّوا ورقةَ ضغطٍ على السلطات العالميَّة، السياسيَّة منها والدينيَّة". وعند سؤاله: أتفكّر في الهجرة؟ يقول: "نعم، أحاول ذلك ولكن الظروف ليست مواتيةً بعد. فالطرق مغلقةٌ أمام السوريين من قبل كلّ السلطات في العالم". يصمت قليلاً ثم يتابع بشكلٍ صادم: "يقولون إن سوريا تشهد ثورة، أليس كذلك؟ إذاً، والحالة هذه، على الثورة أن تعني تغييراً في كلّ شيء، ليس فقط الإطاحة بنظامٍ كان ينتج الإرهاب ولا يزال. أيمكن لأيّ سلطةٍ أن تقارنني، أو تقارن من هم مثلي، بمصنّعي الإرهاب ومصدّريه إلى العالم؟ لستُ بصدد الدفاع عن حالتي، ولكن على الأقلّ أنا مواطنٌ وأعاني من تغييراتٍ وميولٍ في داخلي ليست إجراميةً (بمعزلٍ عن القوانين والدساتير الموضوعة من قبل بشرٍ مختلفين عن حالتي ربما، والتي تمنع هكذا أمور!!). فعلى الثورة أن تعني حقوقاً وإبرام عقودٍ اجتماعيَّةٍ تعطي المجال للمختلفين -وفقاً لوجهة نظر المجتمع- لأن يجدوا لأنفسهم مكاناً في تنمية هذا المجتمع الذي يخسر يوميَّاً آلاف الخبرات الشبابيَّة بسبب الأوضاع الأمنيَّة والقانونيَّة في المناطق التي يتمّ تحريرها من أمن ومؤسّسات النظام السوريّ".

 

الثورة السوريَّة والتغيير

 

لم تسهم وسائل الإعلام أو التطورات الحاصلة في إحداث تغيرٍ جذريٍّ في ما يتعلّق بموضوع المثليَّة الجنسيَّة، ولربما اقتصر الأمر على إمكانيَّة الخوض في تفاصيل هذه الحالات عبر وسائل الإعلام البديل التي نشأت مؤخّراً، والنقاشات الخجولة في بعضها، كنوعٍ من إظهار التقبّل الخفيّ وإمعاناً في حريَّة هذه النماذج البشريَّة من قبل البعض لا أكثر. وكانت هناك تجارب عديدة، ومنها -على سبيل المثال- مجلّة (موالح) التي تصدر وتُطبع في تركيا وتهتمّ بهذه الأمور، إضافةً إلى المواد الإذاعية المنتجة من قبل القائمين على هذه المجلّة كنوعٍ من الترويج للفكرة ربما، أو الإشارة إلى هذه المعضلة، وبطريقةٍ إلكترونيةٍ بهدف الانتشار.

 

وإن تمّ التطرُّق إلى المؤسّسات الأمنيَّة القائمة بعد دحر قوّات النظام السوريّ من بعض المناطق، فيختلف الأمر حسب توجّهات الفصائل المسيطرة. ففي الرقّة، عاصمة تنظيم داعش، ظهرت حالاتٌ تعاقب كلّ من تُكتشف مثليَّته وبطرقٍ هي الأقسى خلال عمر الثورة. "يُذكر أن تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بـ(داعش) كان يرمي من يلقي القبض عليهم بتهم المثليّة الجنسيَّة من أسطح بناياتٍ مرتفعةٍ وبوجود جماهير تتابع هذه الحالات، ومن ثمّ نشرها على المنابر الإعلاميَّة التابعة له".

 

وفي مدينة القامشلي، التي باتت الآن منظّمةً من ناحية الهيئات والمؤسّسات التي تتابع سير الحياة اليوميَّة والاحتياجات القانونيّة والدستوريَّة، لا يزال هذا الأمر طيّ الكتمان ولم يظهر نقاشه إلى الملأ لاعتباراتٍ عديدةٍ لعلّ أهمها الانشغال بأمورٍ أخرى معيشيَّةٍ وقانونيَّةٍ مختلفة. وقد شهدت المنطقة حالات زواجٍ مدنيٍّ كثيرةً تمّ الإعلان عنها عبر وسائل الإعلام ومتابعتها بشكلٍ علنيّ، إلّا أنّ التطرُّق إلى المثليَّة الجنسية لا يزال خفيَّاً نوعاً ما. وفي هذا الصدد يقول أحد موظفي مكتب الجريمة المنظّمة التابع للإدارة الذاتيَّة (رافضاً الكشف عن اسمه): "حالات إلقاء القبض على المثليين الجنسيين، أو الشكاوى التي تَرِد من السكّان حول هذا الأمر، قليلة، وتصل إلى نسبة الـ5%. يتمّ التصرّف بناءً على مقتضيات المصلحة العامّة، وتتمّ المعاقبة اعتماداً على الأعراف والتقاليد المأخوذ بها في المنطقة والرّافضة لهذا الموضوع"، دون خوضٍ في تفاصيل أخرى تتعلّق بالإحصاءات الدقيقة حول هذا الموضوع.

 

آراءٌ اجتماعية

 

يقول أحد المهتمّين: "لا يزال الوقت مبكراً للحديث عن حقوق هذه الفئة من المجتمع، والتي يمكن النظر إليها -من وجهة نظرٍ حقوقيَّة- على أنّها جزءٌ من حقوق المجتمع أو جزءٌ من حريَّة التعبير لدى الأفراد إن جاز الكلام هنا. لكن، عموماً، المجال واسعٌ جداً، وتمكن مناقشة سبل وضع الحلول الممكنة. وعلى الدوام تحتاج القضايا الحسَّاسة التي تتعارض مع الأعراف والتقاليد إلى جهدٍ أكبر ومحاولةٍ لاستيعاب الأمر بأضرارٍ قليلة". ومن جانبه يرى الإعلاميّ (زانا عمر) أنّ "التغيير لا يُقاس إلّا بمدى حصول كلّ فردٍ، باختلاف توّجهاته، على جزءٍ ولو يسيرٍ من حقوقه، لكي يكون التغيير حاصلاً بالفعل وبنسبٍ مقبولة. بالنسبة إلى المثليَّة الجنسية لا يمكن الخوض في تفاصيل هذا الموضوع حالياً، حتى عبر وسائل الإعلام المحليَّة الناشطة ضمن المدن الكرديَّة، لأن الإعلام المحليّ يركّز حالياً على الأوضاع المعيشيَّة والتجاذبات السياسيَّة، ومجرّد التلميح إلى مواضيع المثليَّة الجنسية يعتبر مغامرة، لأسبابٍ تتعلّق بالعادات الاجتماعيَّة الموروثة والتقاليد المتوافرة، والتي يحتاج تغييرها إلى تطور الإعلام بادئ ذي بدءٍ ثمّ إمكانيَّة الخوض في التفاصيل وفتح حلقات نقاشٍ لإقناع المجتمع بضرورة تقبّل هذه الفئة". ثم يكمل: "للأسف، المثليون الجنسيون في نظر كلّ المجتمع تقريباً هم مرضى بحاجةٍ إلى علاجٍ نفسيٍّ حقيقيّ. وتصل درجات الكره حتّى إلى النّبذ واعتبارهم يسيئون إلى وجه المجتمع!! كما أنّ هناك صدّاً قانونياً ودينياً ضدّ هذه الفئة. وفي هذه الحالة يغدو أمر الإقناع صعباً، على الأقلّ إعلاميَّاً في الوقت الرّاهن، ناهيكَ عن الأزمات التي سيسبّبها الحديث في هذا المحور على العلن، بالرغم من ضرورة ذلك إن عاجلاً أم آجلاً".

 

كيف ينظر القانون إلى المثلية

 

يقول المحامي (جاندي خالدي): "جرّم القانون السوريّ المثلية الجنسية صراحةً في المادة 520 من قانون العقوبات التي تنصّ على أن: "كلّ مجامعةٍ على خلاف الطبيعة يعاقَب عليها بالحبس حتى ثلاث سنوات". والواضح أنّ المشرِّع عبّر عن المثلية الجنسية كـ"مجامعةٍ على خلاف الطبيعة". ورد هذا المصطلح حصراً في المادة 520 من قانون العقوبات، في الوقت الذي لا يوجد أيّ ذكرٍ للمثلية الجنسية في الدساتير السورية، ومنها ذلك الصادر مؤخراً عام 2012. من ناحيةٍ أخرى، يعدّ المشرِّع السوريّ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسيّ والأساسيّ للتشريع، وذلك كما ورد في الدستور، وعليه فإنّ ما جاء من تجريمٍ للمثلية الجنسية يتماشى مع الإطار العام للتشريع في سوريا. ولا مندوحة من القول إن موضوع المثلية يحرَّم حتى نقاشه في الشريعة الإسلامية والفقه الإسلاميّ الرافض لها. سوريا، التي وقعت على اتفاقياتٍ متعدّدةٍ في ما يخصّ الحقوق والحريات العامة، ابتعدت تماماً عن الاهتمام بالمثليين، ولم تعترف بهم ولا بحقوقهم. بل إنها اعتبرت نشاطهم سواءً الجنسيّ أو حتى الوجوديّ، أمراً غير قانونيّ، لا بل يستحق العقاب أيضاً. توصل الكثير من المثليين إلى حقوق الاعتراف بهم في الكثير من دول العالم، مع وجود محاولاتٍ مماثلةٍ في بعض الدول العربية. وبغضّ النظر عن اعتبار المثلية سلوكاً خاطئاً أو شاذاً حسب الكثير من الآراء، وبغضّ النظر عن المحاولات الرامية إلى شرعنة المثلية.. إلا أن وجودها يفرض على المجتمع تقبل المثليين، فهم -وبغضّ النظر عن كلّ شيء– أفرادٌ منه.

 

حالاتٌ مخفيَّةٌ لدى الإناث:

 

في ثانويات المنطقة أيضاً، والتي تعرف بفصل الفتيات عن الفتيان، تنتشر بعض الحالات التي توصف بغير السويَّة من وجهة نظر المجتمع والعادات. ففي أكبر ثانويات الإناث في القامشلي اشتهرت 3 فتياتٍ وجدن أن مصارحة من حولهنّ بميولهنّ الجنسية لن تؤثر على شعبيتهنّ.

 

 

تُنعَت (فريدة)، التي تفضِّل أن تتمّ مناداتها بـ(فريد)، بـ"قبضاي المدرسة"، فما عدا البنية الجسدية الضخمة، هي دائماً من تبعد الشبان الذين يقفون قبالة المدرسة عن الفتيات، وقد يصل الأمر بها أحياناً إلى التشاجر معهم. ورغم أن فتيات الثانوية لم يعتدن رؤية من تخالفهنّ في الملبس والبنية والميول، إلا أن (فريدة) استطاعت أن تقنع الجميع بأن كلمة "بحبك" المكتوبة على قصاصةٍ ورقيةٍ صغيرةٍ داخل مقعد إحداهنّ هو أمرٌ طبيعيٌ جدَّاً. واستطاعت أن تجعل "التلطيش" والكلمات المعسولة المرمية في ممرّات الثانوية في أوقات الفُرص التي تتكرّر مرتين يومياً في الدوام المدرسيّ، أمراً طبيعياً، بل وحتى محبباً لدى الأغلبية. وإلى جانب صديقات (فريدة) وُجد من الفتيات من اشتكين إلى إدارة الثانوية حول تصرّفاتها، وكان الجواب دائماً مثيراً للاستغراب، ففي المجتمع الذي يستهجن أيّ تصرفٍ ذكوريٍّ من قبل الإناث، تطلب إدارة المدرسة من المشتكية أن تبتعد عن فريدة. قد ينبئ هذا التصرف بالنسبة إلى الطالبات بمستقبلٍ يرضى بما يسمّى بالسحاق، إلا أنَّ العائلة التي تمثل (فريدة) ابنتها الوحيدة تتغلب على ميولها ظاهرياً بإلزامها أن ترتدي ككلّ من يماثلنها في الجنس حتى وإن اختلفت عنهنّ في الميول، لتخفي -مجبرةً- عينيها ببعض التبرّج، كي يتمّ تذكرها كحالةٍ "شاذةٍ" ترافقت مع المراهقة التي تصفها كتبها المدرسية بمرحلة التغيّرات الجسمية والنفسانيَّة.

 

صادفتُ فريدة منذ أشهرٍ لأوَّل مرّةٍ بعد انتهاء الثانوية، يبدو عليها الخجل من الأنوثة التي تستحي من إظهارها، تبدي خجلاً عند إلقاء التحية، وكأنها تقول: هذه ليست أنا... هذا ما أرادوا منّي أن أكون عليه.

.

.

اقرأ المزيد للكاتب ..

 

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard