info@suwar-magazine.org

حدود حرّيّة التعبير وتحدّيات تطبيقها في المنطقة العربيّة

حدود حرّيّة التعبير وتحدّيات تطبيقها في المنطقة العربيّة
Whatsapp
Facebook Share

لاتزال حرّية التعبير مسألة حسّاسة وأحياناً غير متّفق على حدودها في أوساط الهيئات الدولية والمنظمات الحقوقية، وذلك بخلاف أغلب الحقوق المدرجة في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي يجمع أغلب هؤلاء الفاعلين على ضمان احترامها الكامل. ومع ذلك هناك إجماع على المستوى الحقوقي بالأهمّية المطلقة لحرّية التعبير في بناء المجتمع الديمقراطي التعدّدي، ولاسيّما من خلال توجيه النقد للسلطات الحاكمة حتى يتمّ وضعها تحت الرقابة الشعبية المستمرّة بما يؤدّي إلى تحسين أدائها ومحاسبتها على انتهاكاتها وأوجه تقصيرها.

وبحسب المادة 19 من العهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسياسية، يحقّ لكل إنسان "اعتناق آراء دون مضايقة". وتضيف الفقرة الثانية من المادة نفسها على أنّ "لكلّ إنسان حقّ في حرّية التعبير. ويشمل هذا الحقّ حرّيّته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقّيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فنّي أو بأية وسيلة أخرى يختارها". ولا يجوز تقييد هذا الحقّ، بحسب الفقرة الثالثة من هذه المادة، إلّا لأسباب محدّدة بنصّ القانون، وضرورة احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، لحماية الأمن القومي أو النظام العامّ أو الصحّة العامة أو الآداب العامة. وتتضمّن المادة 20 من العهد نفسه على تقييد آخر لحرّية التعبير، وذلك بنصّها في الفقرة الثانية على أن "تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكّل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف" وكنتيجة لهذا الالتزام، يتوجّب على الدول المصادقة على العهد الدولي أنّ تُدرج في تشريعتها ما يجرّم هكذا دعوات. وعلى سبيل المثال، تقضي المادة 307 من قانون العقوبات السوري بالحبس بحقّ كلّ مَن قام بـ "عمل وكلّ كتابة وكلّ خطاب يقصد منها أو ينتج عنها إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحضّ على النزاع بين الطوائف." ولطالما برّرت السلطات السوريّة هذا النصّ القانوني بما أوردته المادة 20 المذكورة أعلاه، غير أنّه في الواقع استخدم هذا النصّ لإدانة العديد من الكتّاب والناشطين السوريّين بمَن فيهم المعارض ميشيل كيلو.

 

ويبدو أوج الانقسام الخاصّ بحدود حرّية التعبير في الأوساط الدولية والحقوقية في القضايا التي تخصّ نقد أو التشهير بالأديان، وخاصّة الإسلام. ويشهد على ذلك بشكل خاصّ القرارات الصادرة عن هيئات الأمم المتحدة والمتناقضة إلى حدٍّ ما بخصوص الحقّ في حرّية التعبير و التشهير بالأديان. هذا وقد أثارت الرسومات الكاريكاتيرية وحتى الأفلام المسيئة لرموز الإسلام − مثل فيلم فتنة − جدلاً كبيراً في الأوساط الحقوقية لم يُحسم حتى هذا الوقت. ولا يخفى بأن العلاقة غير واضحة وشائكة بين حرّية التعبير ونقد الأديان، فبينما يرى أنصار حماية الدين بأن نقده يشتمل على الشتم والإهانة وحتى الدعوة إلى كراهية أتباعه، في حين يشدّد آخرون على أنّه لا يمكن تقييد حرّية التعبير عندما يتعلّق الأمر بنقد الأديان، ويضيفون بأنّ حقوق الإنسان لا تحمي الدين بحدّ ذاته، وإنما حقوق الأفراد.

ويُلاحظ في الدول الأوروبية فرض بعض التقييدات على الحقّ في حرّية التعبير، ولاسيّما فيما قد يفسّر بمعاداته للسامية. غير أنّ هذه التقييدات لا يمكن مقارنتها بوضع حرّية التعبير الهشّ للغاية في المنطقة العربية التي يرزح في غياهب سجونها مئات آلاف أو حتى ملايين معتقلي الرأي والضمير بسبب أنشطتهم السلمية وتعبيرهم عن آرائهم. هذا وترتبط أغلب قضايا حرّية التعبير في المنطقة العربية بثلاث مسائل رئيسة. يرتبط أوّلها بنقد السطات الحاكمة والمحسوبين عليها، سواء تعلّق النقد بشرعيّة الحاكم أو بسياساته وأساليب حكمه، بما في ذلك قضايا الفساد. وفي هذه الحالة تُلصق تُهَم جنائية مختلفة بالشخص المعنيّ بموجب نصوص قانونية فضفاضة ومبهمة "كالخروج عن طاعة وليّ الأمر" أو "التحريض على العداء ضد الدولة" أو "الإساءة إلى الجهاز القضائي أو العسكري". وتقضي المادة 287 من قانون العقوبات السوري بالحبس على مَن ينشر "أنباء كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها المسّ بهيبة الدولة أو مكانتها المالية"، بينما تنصّ المادة 286 على عقوبات مماثلة بحقّ من ينقل أنباء يعرف أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسيّة الأمّة.

ويرتبط القسم الثاني من قضايا حرّية التعبير بالدين، لاسيّما الإسلامي الذي يُعدّ دين الدولة الرسمي في أغلب الدساتير العربية. وهكذا غالباً ما يتعرّض للاعتقال من ينتقد التفسير التقليدي للشريعة الإسلامية، كهؤلاء الذين يطالبون بالمساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، أو حتى مَن يعلن عدوله عن الدين الإسلامي أو التبشير بغيره، أو مَن يضمّن كتاباته أي محتوى قد تفسّره السلطات بأنه مسيء للإسلام. فيقبع الشاعر الفلسطيني أشرف فياض في السجن في السعودية بسبب ديوانه الشعري المرّوج للإلحاد، بحسب السلطات السعودية. وأخيراً يتعلّق القسم الثالث بالقضايا ذات الصلة بالجنس وبالأمور الجندرية. فقد اُتّهم العديد من الكتّاب بتضمين كتاباتهم على محتوى جنسيّ فاحش، كالمصري أحمد ناجي الذي حُوكم بتهمة "خدش الحياء" إثر نشر كتابه "استخدام الحياة". وتتصدّر الدول العربية قائمة البلدان المقيّدة للحرّية والميول الجنسية، وتتّسم بقمعها لحقوق ذوي الميول الجنسية المِثليّة، والمزدوجة، والمتحوّلة، والمتسائلين عن ميولهم بما في ذلك حقّهم بالتعبير عن آرائهم، كما في الأدرن الذي يستمرّ بحجب موقع المجلة الرقمية "ماي كالي".

يرتبط الانتقال الديمقراطي في المنطقة العربية بشكل أساسي باحترام الحقّ في حرّية التعبير الذي يُعدّ أحد أهمّ ركائز حقوق الإنسان، بما في ذلك حرّية المعتقَد، والحقّ في محاكمة عادلة وعدم التعرّض للاعتقال التعسّفي، والمشاركة في الحياة المدنية والسياسية. يتوجّب بالتالي مراجعة التشريعات المعمول بها في المنطقة العربية لاستئصال أية انتهاكات للحقّ في حرّية التعبير، فضلاً عن إدراج تشريعات على الصعيدين الدستوري والداخلي ضامنة لهذا الحقّ. كما يتوجّب بشكل خاصّ ضمان حرّية الأفراد في انتقاد السلطات الحاكمة، وحتى التشريعات الدينية المعمول بها والمتعارضة مع حقوق الإنسان، وذلك دون تغييب للحقّ في التعبير لذوي الميول الجنسيّة المختلفة.

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard