info@suwar-magazine.org

بين العيش والحياة: ثورة العيش لأجل الحياة

بين العيش والحياة: ثورة العيش لأجل الحياة
Whatsapp
Facebook Share

 

 

العيش هو أولٌ مراحل الحياة؛ فعندما نقول إنّنا نطالب بحقّنا في العيش، نطالب بأبسط حقوقنا حتّى نستطيع أن نكون على قيد الحياة. إحدى خصائص الإنسانيّة تقول: كُثرٌ هم من يعيشون وقلّةٌ هم من يحيون.. كأولئك اللّذين تركوا بصمتهم على صفحات التّاريخ بأفعالهم فبقي ذكرهم حيٌّ رغم موتهم. وحتّى نبلغ الحياة علينا أولاً أن نعيش. وكما قال لينين: "أعطني خبزاً وكساءً أعطيك فكراً".

 

"بدنا نعيش"، العبارة الّتي اختصرت ألم سنوات الحرب والعوز، وما رافقها من نقصٍ في كلّ شيءٍ إلاّ الكرامة والأمل. لقد كان الخاسر الأكبر في هذا الصّراع الّذي دار فوق الأرض السّوريّة، هو الشّعب السّوريّ الحالي والقادم، بغضّ النّظر عن اتّجاه أفراده السّياسيّ وموقفهم من السّلطة والحرب. ويبدو أنّ المناطق الّتي شهدت نوعاً من الدّعم للنظام السّوريّ طوعاً أو غصباً، تمّ تحميلها أعباءً إضافيّةً من قبل النّظام؛ وهي إحدى السّياسات الّتي اتّبعها النّظام منذ الفترة الأولى للحراك السّوريّ، حيث يستند على مناطقه لتغذية جيشه وتأمين ظهره، دون مراعاةٍ لمدى سوء هذا الضّغط ومن يُسحق بطريقه، ويتعامل مع أبناء المناطق وفق الاتّجاه السّياسيّ العامّ للمنطقة، ووفق الخطّة العسكريّة والأمنيّة، دون مراعاة أنّ الحقوق المدنيّة للمواطنين يجب توفيرها وفق الدّستور والقانون وليس حسب الموقف من السّلطة.

 

تعالت المطالبات بتحسين الوضع المعيشيّ على خلفيّة انقطاعٍ في الخدمات الأساسيّة كالغاز والمازوت والكهرباء وغلاء الأسعار وارتفاع سعر صرف الدّولار مقابل اللّيرة.. ومع زيادة الفجوة الطّبقيّة والفروق الاقتصاديّة الكبيرة بين الموالين للنظام والمقربين من حلقته الضّيّقة، الّذين تاجروا في الأزمة، من خلال "التّعفيش" واحتكار المنتجات وبيعها بأسعارٍ مضاعفةٍ، أو بيعها للخارج؛ وبين الكثير من أفراد الجيش السّوريّ وعوائلهم أو المهجّرين والمغلوب على أمرهم أو حتّى الموالين عموماً ممّن لا يملك مصدر دخلٍ والموظفين والمعارضين بطبيعة الحال، وزاد الطّين بلّةً غياب الرّقابة شِبه التّامّة، أو وجود رقابةٍ خلّبيّةٍ فقط على وسائل الإعلام، والغياب الكامل للحكومة وقراراتها غير الفاعلة وغير المدروسة، والّتي تدلّ على أنّها لم تختلف عن سابقاتها من الحكومات الّتي كانت دميةً بيد حكومات الظّلّ، الأمر الّذي استفزّ شريحةً واسعةً من الشّعب السّوريّ، فخرج هاتفاً "بدنا نعيش".

 

 

فكرة حراك "بدنا نعيش" بسيطةٌ ومحقّةٌ، تقوم على المطالبة بتأمين الحقوق الأساسيّة للعيش وليس الكماليّات والرّفاهيّات - رغم أنّها ضروريّةٌ حسب رؤيةٍ أخرى لحياة الإنسان - هذه البساطة هي النّقطة الّتي عجز الأمن السّوريّ عن إنكارها على أبناء الشّعب، والتّصدّي لها لوقفها. فبدأ بمحاولة إلصاق التُّهم بهم - من خلال ماكينة النّظام الإعلاميّة - كالتّرويج لشائعاتٍ من نوع أنّ المغتربين أو اللاجئين في البلدان الغربيّة هم الّذين يُحرّضون على هذا الحراك، وأنّ هؤلاء يقومون بإرسال النّقود التّحريضيّة، ويُنظّمون ويُديرون الصّفحات على مواقع التّواصل الاجتماعيّ.. وبالتّالي يُنكرون عامل الإرادة الشّعبيّة والحاجة الشّعبيّة على المتظاهرين؛ وهذا يذكرنا بسيناريوهاتٍ سابقةٍ تمّ استخدامها مع الحراك السّوريّ أيضاً.. وكذلك التّرويج لصورٍ تربط الحراك الّذي يجري برموز الثّورة السّوريّة كالعلم السّوريّ بثلاث نجومٍ حمراء وتحته عبارة بدنا نعيش! مما يُعطي إيحاءً لمن كان يرغب في الانضمام لهذا الحراك من المواليين بالتّريّث أو الانسحاب. وتمّ اتّباع ذلك بحملةٍ عمّت البلد وهدفها المُعلن دعم اللّيرة السّوريّة، حملت اسم "ليرتنا عزتنا" وتمّ تخفيض المنتجات مهما بلغت قيمتها إلى ليرةٍ سوريّةٍ فقط لا غير، في بعض المحلاّت التّجاريّة بشكلٍ متفرّقٍ مناطقيّاً.. رغم أنّ الحملة من النّاحية الاقتصاديّة والمنطقيّة لا يمكن لها دعم العملة السّوريّة ولا بأيّ شكلٍ، أخذت ضجةً إعلاميّةً وتأييداً شعبيّاً كبيراً.. بينما كانت الماكينة الإعلاميّة للنظام تعمل على مدار السّاعة لابتلاع الأخبار القادمة عن حراك بدنا نعيش.. وزاد نشاط الأفراد الموالين "إن كانوا في الأمن أو من حزب البعث أو المنتفعين أو المنافقين.." على المواقع الاجتماعيّة، من خلال الحثّ على الصّبر في وجه الأزمة المعيشيّة وربط موقفهم بالوقوف بجانب الوطن، وأن من ينتقد الوضع، هو شخصٌ تخلّى عن الوطن، وما إلى ذلك من الاستشهاد بأقوال الرّئيس السّوريّ السّابق والحالي كنوعٍ من إلباسٍ الصّمت على الوضع لباس الوطنيّة، وبالتالي سيكون من الطّبيعيّ أنّ الكلام عن الأزمة المعيشيّة هو تخوينٌ مبطنٌ مسبقاً. بالإضافة إلى التّخوين المباشر أو الإنكار على النّاس الحديث، وقد يأخذ الموضوع صفة الطّائفيّة المقيتة أو ازدراء العقل واستغبائه من خلال تصريحاتٍ أو مقابلاتٍ رسميّةٍ مع بعض الشّخصيّات الرّسميّة كما شاهدنا على قنوات النّظام أو وسائل التّواصل الاجتماعيّ.

 

اللافت في الموضوع أنّ حالة الاحتقان في الشّارع السّوريّ عموماً الآن، وفي محافظة السّويداء خصوصاً، يتمّ التّعامل معها بطريقةٍ هادئةٍ ودون مواجهاتٍ من قبل النّظام. فلطالما كانت السّويداء حاضنةً للمهجرين والموالين والمعارضين، ونالها ما نالها من العصابات والتّنظيمات المتشدّدة دينيّاً في محاولاتٍ إجراميّةٍ ذات خلفيّةٍ عقائديّةٍ بالهجوم على القرى والبلدات تحت مسمياتٍ عدّةٍ، كان آخرها هجوم داعش على البلدات الشّرقيّة في محافظة السّويداء، وظهور التّطرّف الدّينيّ بأسوأ صوره.. وراح ضحيتها المئات من أبناء المحافظة، ومن ثمّ أزمة الرّهائن والمخطوفين لدى التّنظيم من أبناء المحافظة؛ الأمر الّذي استغلّه النّظام في التّرويج إلى أن بعض المعارك الّتي حدثت ذات صبغةٍ تكتيكيّةٍ عسكريّةٍ، وهي على علاقةٍ استراتيجيّةٍ بالمعارضة المسلّحة والّتي هي امتدادٌ للتطرّف الدّينيّ. ومع الأخذ بالحسبان أن الأحداث الّتي جرت في السّويداء منذ وفاة شيخ العقل "الهجري" السّابق في حادث السّيارة المشبوه، وحتّى مقتل الشّيخ "البلعوس" بتفجيرٍ إرهابيٍّ؛ وما تخلّلها من أحداثٍ داميّةٍ وسياسيّةٍ مرتبطةٍ بالمعارضة السّياسيّة السّلميّة، كمنع شباب السّويداء من الخدمة في الجيش خارج المحافظة؛ والهجوم على فرع الأمن السّياسيّ، وحتّى الاشتباه بتورط النّظام في فتح الطّريق أمام داعش لاقتحام المحافظة من الشّرق، كلّه سيولّد ردّة فعلٍ لن تُحمد عقباها إن أساء النّظام التّصرف مع المظاهرات الّتي تخرج في محافظة السّويداء خصوصاً.

 

اقرأ أيضاً:

 

الاقتصاد السوريّ، الانهيار واستحالة العودة

 

زادت حدّة الخطابات على وسائل التّواصل الاجتماعيّ بالإضافة إلى المظاهرات في السّويداء.. الأمر الّذي أدّى إلى صدور قانون الجرائم الإلكترونيّة الرّئاسيّ، وبدأت الملاحقات وفقه، لأن الميدان الّذي يتمّ التّواصل فيه هو من خلال مواقع التّواصل، وجرت مجموعةٌ من التّوقيفات المتفرّقة في فروع الأمن بشكلٍ هادٍئ متخلّياً فيها النّظام عن الأسلوب القديم في اقتحام المنازل، رغم أن مستقبل هذه الحالات الّتي تمّ توقيفها والّتي يشهدها الحراك غير واضحةٍ بعد؛ هل ستكون على غرار حملاتٍ الاعتقالات السّابقة أم لا؟

 

خفّت الأصوات الّتي أحيت حراك بدنا نعيش، مع حملات التّصدّي لكورونا، حيث التزم النّاس بيوتهم والحجر الصّحيّ، واستغلّ النّظام جيداً هذه النّقطة ليضيّق الخناق على الشّعب السّوريّ أكثر، من خلال البطاقة الذّكيّة والصّلاحيّات الّتي نالتها، رغم الشّكّ بنظافة الجهة الّتي تقف وراءها، والانتفاع منها لصالح رموز النّظام، وحتّى توزيع الخبز؛ الخبز الّذي هو كالماء والهواء، لا يحقّ لمخلوقٍ منعه عن النّاس، صار سِلعة يُبّتَزُ بها المواطن ويُذَّلُ.

 

لم يعدّ هناك منفسٌ للشعب السّوريّ؛ على الإنترنت صادروا حقّه في التّعبير، وفي الأرض حظرٌ للتجول تحت كلّ الذّرائع، ولقمة العيش غير متوفّرةٍ عموماً ولو توفّرت فهي سيّئةٌ وغالية الثّمن، والعمل معدومٌ أو نادرٌ، والعملة فقدت قيمتها، والخدمات الأساسيّة صارت رفاهيّةً على المواطن.. الأمر الوحيد الّذي لا يمكن إنكاره أنّ "بدنا نعيش" هو مطلب حقٍّ لن يتمكّن أحدٌ من إسكاته؛ هو صوت من يطالب بحقّه بلقمة العيش عندما انقطعت السّبل إليها بغير وجه حقٍّ.

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard