info@suwar-magazine.org

عنِ اللّجوءِ والتّنميطِ وإشكاليّةِ الاندماجِ في المجتمعاتِ الغربيّة

عنِ اللّجوءِ والتّنميطِ وإشكاليّةِ الاندماجِ في المجتمعاتِ الغربيّة
Whatsapp
Facebook Share

 

 

لِماذا يتوجّبُ علينا كلاجئينَ أن نفتخرَ بأنّنا لاجئونَ ناجحونَ استطعنا الاندماجَ في هذا البلد؟ كتبتُ الكثيرَ من المقالاتِ باللّغة الألمانيّة عن هذا الموضوعِ، وأتلقّى الكثيرَ من النّقد بسببِ اسمِ المجلّة الّتي أنشرها، لماذا اسمها مجلّة لاجئ؟ وكلّ مرّةٍ أُحاولُ أنْ أعطيَ وجهةَ نظري، ولكنْ للأسفِ أشعرُ دائماً بأنَّ وجهةَ نظري لمْ تُفهَم بالشّكلِ المطلوب.

 

منذُ أكثرِ من أسبوعينِ قرأتُ منشوراً على صفحةِ أحدِ الصّحفيّين السوريّين، وهو يهاجمُ الإعلامَ النّاطِق بالّلغةِ الألمانيّة على استخدامهِ كلمةَ لاجئٍ حينما يُجري مقابلة مع أحدِ الكتّابِ أو الفنّانينَ مُؤكّداً على أهميّة القيمةِ الإنسانيّة التي يحمِلُها اللّاجئُ، كإنسانٍ يحملُ الكثيرَ من الخُبرات والثّقافةِ بغضِّ النّظرِ عن لجوئِه، فأحببتُ الإجابة على هذا الرأي.

 

اللّجوءُ هوَ وضعٌ قانونيٌّ يُوَصِّفُ سببَ إقامةِ الأشخاصِ في بلدٍ ما، واللّاجئونَ همُ الأشخاصُ الهاربونَ مِن الحروبُ والباحثونَ عنِ السّلام، والهارِبونَ منَ الموتِ والباحثونَ عن السّلام وعن فرصةٍ حتّى يحاولوا أنْ يبنُوا مُستقبلهم.

 

اِستُخدِمَت كلمةُ لاجئ ""Flüchtling من قبلِ الألمانِ المتعاطِفينَ مع اللّاجئينَ لِوصفِ القادِمينَ منَ الحربِ، واستُخدِمَت للدّلالةِ على الأشخاصِ المَساكينِ الباحثينَ عن الأمانِ والأَكلِ والشُّربِ واللّباسِ وهؤلاءِ  الألمانُ أسّسوا ما يُسمّى بثقافةِ التّرحيبِ (Willkommenskultur) للدّلالةِ على أهميّةِ المرحلةِ الزّمنيّة  النّاتجةِ عن التّأثيرِ الكبيرِ بصورةِ الطّفل السّوري الكرديّ "إيلان" على الشّواطئِ التّركيّة، والّتي أدّت إلى تَسهيلِ عبورِ اللّاجئينَ إلى ألمانيا عن طريقِ النّمسا، وهنا يتوجّبُ عليَّ ذكرُ أنَّ المستشارةَ الألمانيةَ ميركل (أو ألمانيا) لمْ تفتحِ الحدودَ الألمانيّةَ مع النّمسا، لأنَّ الحدودَ كانتْ مفتوحةً بالأصلِ بسببِ اتفاقيّة شينجِن ولكنَّ ميركل سهلتْ استقبالَ اللّاجئينَ العالقينَ في محطّةِ القطاراتِ الهِنغاريّة واستقبلتهُم ألمانيا والألمان في محطّات القطارِ بالورود، وكانتْ هذه اللّحظاتُ فخراً واعتزازاً بقدرةِ ألمانيا على مساعدةِ لاجئي الحربِ بعدَ أنْ كانَتِ السّببَ بهجرةِ الكثيرِ منَ الأشخاصِ بسببِ الحَربِ العالميّة الثانيّة. وكثيرٌ منَ الألمانِ يذكرُ قصصَ لجوئِه أو لجوءُ والديهِ أو أحدٍ من أفرادِ أسرته وأرادَ التّخفيفَ عنِ اللّاجئينَ الجُدد.

 

اقرأ أيضاً:

 

لاجئان سوريّان في البرازيل يتبرَّعان بالطعام للمُسنِّين في ظلّ جائحة كورونا

 

تمَّ تأسيسُ الكثيرِ من المشاريعِ والبرامجِ الّتي ساعدتِ اللّاجئين وسهلت عمليّة الاندماجِ وفتحتِ الكثيرَ من الشّركاتِ والمؤسّساتِ الألمانيّة أبوابها أمامَ اللّاجئينَ ليثبتوا أنفسهم وينجحوا في الكثيرِ من الاختصاصات، من المدرسةِ مروراً بالجامعةِ، إلى المؤسّسات الإعلاميّة ِالألمانيّة الّتي تستقبِلُ الكثيرَ من الكتّابِ والصّحفيّين السّوريين اللّاجئين، إلى الكتّابِ السّوريّين الشّبابِ الّذين أنتجوا الكثيرَ من الكتبِ باللّغةِ العربيّةِ والألمانيّةِ، إلى الطّب والصّيدلة وغيرها من القطاعات.

 

هنا لا أخفي بأنَّ مشروعي والمجلّةَ الّتي أعملُ بها، هو ناتِجٌ عن ثقافةِ الترحيبِ والمساعدةِ الكبيرةِ من المتطوعين أو الأصدقاءِ الألمانِ الّذين آمنوا بي وأعطوني هذه الفرصةَ لمحاولةِ النّجاحِ في بلدِ الاغتراب.

 

ولا أنكرُ بأنّ ثقافةَ اللّجوءِ شابها الكثيرُ من الأخطاءِ والمشاكلِ لأسبابٍ كثيرةٍ كان أهمّها سوءُ الفهم بينَ الألمانِ واللّاجئينَ، والأفكارِ المسبقةِ المرسومةِ في عقولنا جميعاً كلاجئين أو ألمان.

 

ولكنَّ هذه الصورةُ الورديّة اختلفت بشكلٍ كبيرٍ بعد أحداثِ رأسِ السّنة في كولن وهامبورغ عام ٢٠١٦ والأحداثِ الإرهابيّة الّتي تلتها، حيثُ حاولُ اليمينُ الألمانيُّ المتطرفُ ربطَ كلمةِ لاجئٍ ولاجئين بالشّخص المخرّب، المعتدي، المجرم والإرهابي، وساعدَ ذلك الأشخاصُ الّذين ارتكبوا بعضَ المخالفاتِ والجرائمِ والأعمالِ الإرهابيّةِ، وهنا لا أرمي المسؤوليّةَ على جميع اللّاجئين، لأنّهم أقليّةٌ في هذا المجتمعِ، ولا يتوجّب عليهم تحمّلُ مسؤوليّة وتصرفاتِ أفرادٍ آخرين، ولكنْ فقط أحاولُ أنْ أسردَ الوقائع.

 

هذهِ النّظرةُ النّمطيّةُ ضدَّ اللّاجئينَ ساعدَ على ترسيخها الإعلامُ الألمانيُّ بعلمٍ أو بدون علم (وهنا لا أريدُ أن أقولَ بحسنِ أو سوءِ نيّةٍ حتّى لا يُفهَمَ بأنّني أروّجُ لنظريّة المؤامرةِ الرّاسخةِ في عقولنا كسوريّين) بالتّركيزِ على وضعِ لجوءِ الأشخاصِ المرتكبينَ لبعضِ الجّرائمِ، مع التّعميمِ على الأشخاصِ اللّاجئين الآخرين مع انتشارِ الكمِّ الكبيرِ منَ الشّائعاتِ والمعلوماتِ المغلوطةِ على وسائلِ التّواصلِ الاجتماعيّ ضدّ اللّاجئين أظهرتهُم على أنّهم شياطين، وجعلت الكثيرَ منَ الألمان يخشى ويكرهُ اللّاجئين فقط لأنّهم لاجئين..

 

بسبب التأثيرِ الكبيرِ لثقافتنا المتوارثةِ على شخصيّتنا وأسلوبُ تفكيرنا، نحنُ كلاجئينَ نرفُضُ المصطَلحَين الاثنين، فلا نقبلُ بأن نكونُ (مساكين) وخاصّة بعدَ أن نجحنا وأسّسنا شيئاً في هذا البلد، ولا نُريدُ أنْ نُوصَف بـ (المُتَخلّف والهَمجيّ والإرهابيّ). فلن نقبلَ هذينِ المصطلحين ولن نقبلَ بأنْ نبقى لاجئين، على الرّغمِ من بقاءِ سببِ وجودِنا أو قدومِنا إلى ألمانيا بأنّنا لاجئونَ أو كنّا لاجئينَ سابقين.

 

ماذا نستطيعُ أنْ نجاوبَ أيّ شخصٍ يسألنا الآن بعدَ خمسِ سنواتٍ أو في المُستقبلِ البعيدِ عن سببِ قدومنا إلى ألمانيا؟؟ لأنّنا كنّا لاجئينَ أو بأنّنا أتينا زيارةً ولكنْ أحببنا البقاءَ هنا؟ أو بسببِ الحربِ في سوريا ولكنّي وصلتُ بطائرةٍ وفيزا نظاميّة، وليسَ كما أتى هؤلاءِ اللّاجئون الآخرون بالبَلم، لأنّ اللّاجئَ القادمَ بالطائرةِ إنسانٌ أفضلُ من اللّاجئينَ الآخرين. (أحدُ السوريّين قال ذلكَ لمجموعةٍ من الألمانِ حتّى يميّز نفسه عن باقي اللّاجئين، على الرُغم من أنّه يحملُ إقامةَ لجوءٍ مثلَه مثلَ أيِّ لاجئٍ آخر) للأسفِ لأنّنا كلاجئينَ نحاولُ أن نميّزَ أنفسنا عن باقي اللّاجئين، (اللّاجئُ السّوريُّ أفضلُ منَ اللّاجئ منَ البُلدانِ الأُخرى، اللّاجئ الشّامي أفضلُ من اللّاجئِ القادمِ منَ الرّيف، اللّاجئ فُلان أفضلُ من علّان) وهكذا نُحاولُ دائماً خلقَ طبقاتٍ مختلفةٍ عن بعضها البعض.

 

ولكنّ السؤالَ هو، ألا يجبُ علينا محاولةُ تغييرِ النّظرةِ النّمطيّةِ ضدَّ اللّاجئين (وضدّ أنفسنا) في بلدان اللّجوء؟ أمِ الأفضلُ هو محاولةُ عدمِ الانتماءِ إلى هذهِ المجموعةِ على الرّغمِ من أنّنا ننتمي لها، شئنا أم أبينا؟

 

الكثيرُ منَ الفنّانين والمثقفينَ الّذين يريدونَ أن ينجحوا في بلدانِ الاغترابِ بدونِ ذكرِ كلمةِ لاجئٍ (بسبب خوفهم من تقييم أعمالهم فقط بسببِ انتمائِهم لهذهِ المجموعةِ ولا يريدونَ النّجاحَ بسببِ نظرةِ الشّفقةِ المرتبطةِ باللّجوءِ وثقافةِ التّرحيبِ، إنّما فقط بسببِ قيمةِ أعمالِهم الفنيّةِ الّتي يقدمونَها)، ولكنْ للأسف، نسيَ هؤلاءِ بأنَّ اللّجوءَ ليسَ مصطلحاً فقط، إنّما هو أيضاً تجربةٌ أثّرت فينا جميعاً، ولكنّ تأثيرها على الفنّانين والكُتّابِ أكبرُ منَ تأثيرها على الأشخاصِ الآخرينَ لأنّهم أشخاصٌ حسّاسونَ ومفكّرون، وهذه التّجربةُ ستؤثِّرُ بشكلٍ عفويٍّ أو غيرِ عفويٍّ على أعمالهم الأدبيّةِ، ولا تستطيعُ أنْ تفصلَ بينَ الكتّابِ والفنّانين وقصةِ حياتِهم وأعمالِهم الفنيّة.

 

كما لا يستطيعون أنْ ينسوا أيضاً بأنّ كثيراً منَ الأشخاصِ يتعرّضونَ للتّمييز العنصريِّ والنّظرةِ الدّونيّةِ فقط لأنّهم لاجِئون، أشخاصٌ يعانونَ من هذه الصّفةِ الّتي لا تُعطيهم القيمةَ الإضافيّةَ ولكنْ للأسفِ تُفقدهم القيمةَ الإنسانيّة بنظرِ قسمٍ ليسَ بصغيرٍ في ألمانيا أو أوروبا. وهناك أشخاصٌ لا يُسمحُ لهم بدخول الجنّة الأوروبيّة فقط لأنهم يحملونَ عبءَ اللّجوء..

 

على الرّغمِ من مرارةِ الّلجوء والابتعادِ عنِ الأهلِ والأصدقاءِ والوطنِ، إلّا أنّها تجربةٌ نستطيعُ أن نتعلمَ ونكتسبَ ونتعرّفَ عن طريقها الكثيرَ منَ المهاراتِ والصّفاتِ والخُبراتِ والثّقافاتِ الّتي تؤثّرُ وتطوّرُ شخصيّاتنا.

 

أخيراً ما أردتُ أنْ أقولَهُ هو أنَّ كلمةَ "لاجئ" لها دلالاتٍ ومعانٍ كثيرةٍ تختلف من لغةٍ إلى أُخرى، ومن مرحلةٍ تاريخيّةٍ إلى أُخرى، ولكن ستبقى كلمةٌ تصفُ حالةً ولا تصفُ أشخاصاً، ولا تمدحُ أو تُهينُ الأشخاص الحاملينَ لها. 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard