info@suwar-magazine.org

سياسة تعليميّة جديدة شمالي سوريا ترمي بنصف مليون طالب إلى الهاوية

سياسة تعليميّة جديدة شمالي سوريا ترمي بنصف مليون طالب إلى الهاوية
Whatsapp
Facebook Share

 

 

بخطواتٍ صغيرة تُسابق رنا بسنواتها العشر الزمن لتصلَ إلى منزل زميلتها ريم كي تحضرَ الدروس المقررة لهم. فور وصولها تتوجّه أنظارها إلى شاشة هاتفٍ صغيرٍ لتسمع صوت مدرّس الرياضيات الذي يظهر على شاشة، وهو يقف أمام السُّبُّورة التي يكتب عليها، وتحاول رنا بجهد كبير تطبيق ما تتعلَّمه على الكِتاب الذي بين يديها.

 

مع انتشار وباء كورونا في معظم دول العالم، ومن بينها سوريا، واتّخاذ جميع الدول خطواتٍ عدّة لمنع تفشي هذا الفايروس الخطير، ومن بينها سياسة التباعد الاجتماعي التي أثَّرت على التعليم بشكل كبيرٍ في مناطق شمالي سوريا، وبهدف الحفاظ على استمرار العملية التعليمية ضمن مسارها، اعتمدت مديريات التربية والجامعات، نظام التعليم عن بعض بواسطة الإنترنت كبديل عن المقاعد الدراسية. وكخطوة احترازية لضمان سلامة وحماية الطلاب من فايروس covid_19، تم اعتماد تطبيق رقمي يدعى ZOOM  في معظم المدارس شمالي سوريا لإلقاء الدروس من خلاله.

 

يضطر أكثر من نصف مليون طالب في محافظتي إدلب وحلب إلى التعلّم عبر الشاشات بعد قرارات اتّخذتها السلطات المحلية في تلك المناطق لإكمال عملية التعليم.

 

 

مع هذا النوع الجديد من التعليم بدأ التلاميذ يجبرون أنفسهم على التأقلم معه بالتزامن مع انتشار وباء كورونا في العالم، فأصبح بمثابة إجراء احترازي لمنع تفشي المرض.

 

تحمل هذه القرارات بين طياتها العديد من المشاكل التي تعيق عملية التعليم في خطوة على ما يبدو أنها غير مدروسة بشكل جيد ومن كافة الجوانب، وذلك لوجود آلاف العائلات النازحة والفقيرة، ذات الدخل المعدوم التي تصارع من أجل لقمة العيش، ولا تمتلك مقومات إنجاح عملية التعليم بهذا الشكل، حيث الاعتماد الأساسي على توفر الحواسيب والأجهزة اللوحية والهواتف، فضلاً عن المشاكل التقنية من انقطاع للإنترنت، وعدم المعرفة الجيدة لدى المدرسين بهذا النوع من البرامج، واتخاذ أسلوب جديد في إعطاء الدروس، وعوامل أخرى تجعل العملية التعليمية ككل في مهب الريح. 

 

عوائق التعليم عن بعد

 

مع استمرار العمليات العسكرية في الشمال السوري، وتدمير وتهجير عشرات القرى والبلدات في محافظة إدلب تأثر التعليم سلباً، حيث دُمِّرت أكثر من نصف المدارس في إدلب والبالغ عددها 1062 مدرسة، أو أصبح الوصول إليها بالغ الصعوبة. بالإضافة إلى عشرات المدراس التي يتم استخدامها كمراكز لإيواء النازحين.

 

يَعتبر الأستاذ صهيب العمر أن عملية التعليم عن بعد خطوة لا بأس بها للمدرسين لمواصلة عملهم، لكنها تعد "كارثة حقيقية للطلاب سيّما طلاب المراحل الابتدائية، كون هذا النوع من الطلاب يحتاج طرق تعليمية خاصة، فكيف ستتم عملية تعليمه مسك القلم بيده؟ وهذا أمر مستحيل تحقيقه في مثل هذا النوع من طرائق التدريس. لذلك نحن اليوم في مواجهة تحدٍّ صعب يهدّد جيلاً كاملاً في حال استمرار تطبيق هذا النظام، فضلاً عن عدم معرفة أسئلة الطلاب، وانقطاع الإنترنت لدى معظمهم بشكل شبه دائم، وصعوبة شحن الهواتف بسبب انقطاع الكهرباء، أو انعدامها في مناطق مختلفة".

 

يوضح العمر الطرق التي يمكن أن تساعد في التعليم وفق النظام الجديد بقوله "نلجأ إلى تسجيل الدروس عبر أجهزة الموبايل بدلاً عن الدروس الجماعية، وننشرها على وسائل التواصل الاجتماعي حتى يتابعها الطلاب من منازلهم، إلا أن الغالبية العظمى من أطفال المخيمات لا تستطيع الاستماع إلى الدروس لعدم توفر أجهزة حاسوب أو هواتف، ما يعني حرمان هؤلاء من التعليم، ونعمل وفق الخطة الأسبوعية التي حددتها وزارة التربية والتعليم، ونرسل صوراً ومقاطع مصورة، وتسجيلات صوتية ونصوص".

 

 

التسرّب من التعليم والتوجه للعمل

 

العملية التعليمية التي اعتمدت على نظام التعليم عن بعد، أثّرت بشكل كبير في الطلاب وذويهم نظراً لضعف الإمكانيات المادية، حيث يضطر الطالب إلى استخدام هاتف والده أو والدته وإلى الانصراف عن التعلّم في حال عدم توفر الهواتف ضمن العائلة بسبب تردّي الأحوال الاقتصادية، ما يدفع أولياء الأمور إلى توجيه أطفالهم إلى سوق العمل لكسب الدخل، ومساعدة أُسَرهم في تأمين لقمة عيشهم.

 

طلاب الجامعات ليسوا بأفضل حال من طلاب المدراس، حيث أثّر نظام التعليم الجديد بشكل كبير على تحصيلهم الجامعي، فيرى الطالب خالد معروف الذي يدرس في المعهد الطبي بجامعة إدلب أن معظم الطلاب لا يلتزمون بحضور الدروس نظراً لعدم جدواها، ويلجؤون إلى العمل لتغطية نفقات الدراسة من محاضرات وأجور تنقّل وأجور منازل.

 

 يعتبر معروف أن هذا النظام أدّى لتسيب بعض دكاترة الجامعة، وتقاعسهم عن أداء واجبهم بتقديم كل ما لديهم للطلاب، بل وعدم التزامهم بأوقات المحاضرات وتغيّبهم المستمر عن الدروس، معتبراً أن هناك العديد من المواد لا يمكن فهمها عن طريق الإنترنت مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء، وبعض المواد التي يجب تطبيقها عملياً، وخاصة المواد المتعلقة بقسم الطب نظراً لحساسية الأمر، فهو متعلّق بصحة البشر.

 

كما يرى أبو أحمد، نازحٌ من سكان ريف إدلب الجنوبي، وهو أب لثلاثة أولاد أن الاكتظاظ السكاني في المناطق الحدودية مع تركيا نتيجة نزوح ما يقارب مليون إنسان أدى لظروف اقتصادية سيئة، وعدم توفّر فرص العمل، وانقطاع الدعم عن معظم المدراس التي احتلها النظام، ما أدى لفقدان عشرات المدرسين لوظائفهم.

 

يقول أبو أحمد "لدي ثلاثة أطفال، كل منهم في صف مختلف، أي أنني أحتاج إلى ثلاثة هواتف ليتمكّن أطفالي من الدراسة. أقل سعر هاتف يبلغ 75 دولار أمريكي، أي ما يعادل 150 ألف ليرة سورية، وهذا حمل ثقيل لا تستطيع معظم العائلات تحمله". ويضيف "اضطررت مرغماً إلى ترك أطفالي بدون دراسة، وجعلهم يعملون لمساعدتي في تأمين مستلزمات المنزل ريثما ينتهي وباء كورونا، وتعود المدارس من جديد، فأي أسرة مهما بلغ صغيرها تحتاج إلى أكثر من 250 دولار شهرياً لتغطية نفقاتها".

 

الخطة التعليميّة في مناطق النظام


كان وزير التربية في حكومة النظام السوري، عماد العزب، تحدث عن تفاصيل ما أسماها "خطة الاستجابة التعليمية" لتعويض الطلاب عن النقص الذي حصل جرّاء قرار حكومة النظام تعليق الدوام المدرسي بالتزامن مع انتشار فيروس كورونا في سوريا.

 

تتمثل الخطة بتسجيل موضوعات الدروس التعليمية لجميع الدروس الأساسية، التي لم تُعطَ في فترة التعليق، إضافة إلى تفعيل عمل القناة التربوية لبث الدروس التعليمية المسجلة، بمعدل سبع ساعات يومياً، وتخصيص ساعة ونصف صباحاً ليتلقى الاختصاصيون أسئلة الطلاب ويجيبوا عنها، ووضعها على موقع وزارة التربية، وموقع القناة التربوية، للاستفادة منها لاحقاً.

 

وبحسب تصريحات العزب، بدأ تطبيق الخطة في 2 من نيسان الحالي بمتابعة المنهاج الدراسي من تاريخ التعليق، في 15 من آذار الماضي، وتكثيف الدروس، واختصار الحصّة الدرسية من 45 إلى 40 دقيقة، وزيادة ساعات دوام مدارس التعليم المهني، وتكثيف جلسات المراجعة للامتحانات على الفضائية التربوية والمنصّات الأخرى، قبل فترة امتحان الشهادتين.

 

لم تدع الحرب مجالاً للطلاب السوريين بأن يتلقّوا التعليم بشكل طبيعي كباقي الأطفال في دول العالم المستقرّة، ليأتي فيروس كورونا ويزيد من العوائق التي تمنعهم من الوصول إلى حقهم الإنسانيّ، وتَصْرِفهم عن الرغبة بالتعلّم، خصوصاً مع الخطط التعليمية البديلة التي اتضح مما سبق عدم نجاعتها وملاءمتها لجميع الطلاب، وبما أن تقدم الدول مرهون بالمستوى التعليمي للأجيال، كيف سيكون مستقبل السوريين دون أجيال متعلّمة؟

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard