امتحانات الطلاب السوريين يظللها خوف الأهل على أولادهم

بعد سقوط النظام في سوريا دخلت البلاد في حال من الفوضى وانعدام الأمان والقتل والخطف، ومن خلال متابعة ما يتم تداوله عبر السوشال ميديا يمكن القول إن حالات الخطف والقتل في سوريا عموماً، والساحل السوري بشكل خاص لم تتوقف حتى الآن.
بالطبع عمليات الخطف تستهدف الإناث بنسبة أعلى بكثير من الذكور، بينما القتل يستهدف الذكور أكثر، ومعظم حالات القتل سببها طائفيٌّ، وبعضها ثأرٌ شخصيٌّ أو بهدف السرقة وماشابه..
خطف النساء والفتيات لا يحدث فقط بقوة السلاح، فهناك حالات خطف حدثت في وضح النهار من دون استخدام قوة السلاح معتمدة على الخديعة والتضليل، فقد حذر عددٌ من الأشخاص عبر حساباتهم على فيسبوك من وجود عصابات تقوم بالخطف مستخدمة واسطة نقل عامة "سرفيس" وهو ماشابه أيَّ سرفيس آخر ولاشي مريب فيه. ركاب هذا السرفيس مؤلفون من نساء ورجال هم أفراد العصابة، لايقف هذا السرفيس إلا للنساء والفتيات، وبالطبع أي أنثى يقف بقربها لن تشك بشيء وستصعد فيه إن كان سيوصلها إلى وجهتها، بعد صعودها ينطلق مباشرة ولا يقف بعدها لأيِّ راكبٍ آخر، وبعد دقائق يقول السائق للركاب إنه مضطرٌ لتغيير خط سيره متذرعاً بحجةٍ ما، وبما أن كل الركاب سيقولون له لا مشكلة في ذلك لن تعترض الأنثى التي صعدت
ولن تشك بأنهم سيخطفونها. يدخل السرفيس إلى شارعٍ فرعيٍّ شبه خالٍ من حركة السيارات والمارة وفي اللحظة المناسبة يتعاون الجميع على خطف تلك الأنثى.
في معظم حالات الخطف يقوم الخاطف بالتواصل مع أهل الضحية ويطلب مبلغاً من المال مقابل أن يطلق سراحها، وفي حال قام الأهل بدفع المال لا يعني ذلك أن الضحية قد تعود. بمعنى آخر ليس هناك ضمانات على أن الخاطف بعد استلامه المال لن يقوم بقتل الضحية بدل إطلاق سراحها.
اللص الحقيقي يقتسم ما يسرقه بالعدل مع شركائه، وهذا يعتبر من أخلاقيات اللصوص بغض النظر عن كون فعل السرقة غير أخلاقي وإجرامي. بهذا المعنى غالبية الخاطفين لا يتمتعون بأخلاقيات هذا العمل الإجرامي لأنهم بعد أخذ المال لا يلتزمون بتسليم المخطوف/ة.
اقرأ أيضاً:
خلال الامتحانات الدراسية في سوريا والتي بدأت في 14 حزيران/ يونيو لطلاب الصف التاسع، وفي 12 تموز / يوليو لطلاب البكالوريا، وكما هو معتاد يرافق الأهل أبناءهم إلى مراكز الامتحانات بهدف مساندتهم وتقديم الدعم لهم كي يخففوا عنهم التوتر والقلق الذي يسببه الامتحان. لكن هذه السنة كانت نسبة الأهل الذين رافقوا أبناءهم وخاصة الإناث أعلى بكثير من السنوات الماضية، والسبب هو الخوف عليهم من الخطف أو التعرض لأذية ما.
التقت مجلة صور بعددٍ من الأهالي الذين تحدثوا بشكل عام عن أسباب مرافقتهم لأبنائهم:
تقول إحدى الأمهات التي ترافق ابنتها: مرافقة الأهل لأبنائهم كانت موجودة فيما مضى؛ فأنا على سبيل المثال رافقني والدي في اليوم الأول فقط للامتحان في الصف التاسع والبكالوريا كنوع من الدعم النفسي، فالامتحان له رهبةٌ، ويجعل الطالب خائفاً ومتوتراً ووجود الأهل يخفف من ذلك إلى حدٍّ كبير.
اليوم أرافق ابنتي في كل أيام الامتحان بالرغم من أن مركز الامتحان ليس بعيداً عن منزلنا، والهدف الجوهري والأساسي لذهابي معها هو خوفي عليها من أن تتعرض للخطف أو للأذية بشكل ما، وأيضاً بهدف تقديم الدعم لها. مع العلم أنه توجد أمام باب المركز دوريةٌ لحفظ الأمن وهذا يدعو للاطمئنان إلى حدٍّ ما، لكن طريق العودة إلى المنزل قد لا تكون أمنة. صمتت قليلاً ثم أكملت: الخطف مرعبٌ ومدمر للأنثى ولأهلها على الصعيدين النفسي والاجتماعي.
من جهة أخرى، يقول أحد الآباء إن ذهابه مع ابنته إلى مركز الامتحان يؤثر سلباً على كل أفراد عائلته من الناحية الاقتصادية، لأنه بعد أن فقد وظيفته نتيجة عمليات التسريح التي طالت كثيراً من الموظفين أصبح يعمل عند أناسٍ آخرين بأجر يومي بالكاد يكفي لإطعام عائلته، وفي حال تغيب عن العمل لن ينال أجره، رغم ذلك لا يمكنه أن يتركها تذهب لوحدها في ظل هذه الظروف. وحين سألته: لماذا لا ترسل زوجتك بالنيابة عنك؟ قال: لا أريد أن أندم طوال حياتي في حال تعرضت زوجتي للخطر أو الأذية، لذلك من الأفضل والمريح بالنسبة إليّ أن أذهب مع ابنتي وأستغني عن أجري اليومي رغم حاجتي الماسة له.
إحدى الأمهات قالت: منذ حوالي شهرين وأنا أحاول إقناع ابنتي التي ستقدم امتحان البكالوريا بالتوقف عن الدراسة؛ لأنني لا أريدها أن تذهب إلى الامتحان، شارحةً لها المخاطر التي قد تتعرض لها، لكنها رفضت وأصرّت على الذهاب. فقلت لها: أنا ووالدك لن نرافقك إلى مركز الامتحان، فأجابت: بروح لحالي شو رح يصير يعني؟! ليش بدك ياني ضيّع تعب كل هالأيام يلي درست فيها؟ وبدأت في البكاء. ولشدة خوفي عليها كنت أفكر أن أجبرها على البقاء في المنزل وعدم الذهاب للامتحان، لكنني تراجعت حين قال لي زوجي إنني أبالغ في خوفي، ويجب عليّ ألا أجعلها تدفع ثمن خوفي عليها.
السؤال الذي تم توجيهه لعشرات الأهالي الذين ينتظرون أبناءهم على أبواب مراكز الامتحانات هو: هل كنتم ستذهبون مع أبنائكم إلى الامتحان لولا الأحداث التي شهدتها البلاد بعد سقوط النظام السابق؟ الغالبية قالوا سنذهب في أول يوم فقط بهدف تقديم الدعم والتشجيع، وبعضهم الآخر قالوا: إنه لا ضرورة لذهابنا فلدينا أعمال يجب القيام بها من أجل تأمين لقمة العيش، بينما هناك قلة من الأهل أكدوا أنهم سيذهبون معهم في كل يوم امتحاني لأن هذا أمرٌ ضروريٌّ وينعكس بشكل إيجابي على أبنائهم.
من جهة أخرى التقت مجلة صور مع أخصائي علم الاجتماع ماهر راعي ووجه له بضعة أسئلة:
1- هل يمكن اعتبار الأهل الذين يذهبون مع أولادهم إلى مراكز الامتحان مبالغين بخوفهم وحرصهم على أولادهم. وإلى أي حد يمكن أن يشعر الطلاب بالأمان والطمأنينة حين يرافقهم أهلهم إلى مراكز الامتحان؟
في علم النفس الاجتماعي، ثمة مصطلحٌ يشرح هذه الحالة، ويحاول فهمها وتفسيرها، وهو تشارك القلق أو ما يعرف بالقلق المشترك؛ لأن القلق حمل ثقيل نحتاج أن يتشاركه الآخرون معنا، وخصوصاً من هم في دائرتنا الضيقة مثل الأهل والأصدقاء. ومسألة التشاركية مهمة ونحتاجها في حالات لا علاقة لها بأي مشاعر ضاغطة ومؤلمة كالقلق أو الخوف، مثلاً نحن نحتاج لشريكٍ ضحكٍ لحظة نشاهد فيلما كوميدياً، أو ربما نتصل بصديق فقط
لنروي له نكتةً جديدةً أو موقفاً طريفاً حدث معنا، فما بالنا في لحظات القسوة والقلق والخوف؟ هنا يصبح التشارك ضرورة، إن ظاهرة مرافقة أحد الأبوين أو كليهما لأولادهم إلى أبواب الامتحانات وانتظارهم إلى أن يخرج أبناؤهم ظاهرةٌ ليست جديدة في المجتمع السوري، وفي السابق كنت أستهجنها وأعتبر أن ذلك مبالغة في الحماية، لكنني لاحقاً اكتشفت أن انتشار هذه الظاهرة يعود أساساً إلى غياب الأمن الحقيقي والعدالة والمسؤولية التي يجب أن تكون على عاتق الجهات المسؤولة عن سير العملية الامتحانية للطلاب بشكل صحيح، وإلى كثرة حالات خرق القوانين بالغش الامتحاني أو العنف عند أبواب المراكز أو غيرها من الحوادث التي تقلق الأهل وتجعل مصير أولادهم عرضة للمصادفة.
يعتقد الأهل أن قربهم المكاني وعملية مرافقة الأولاد تعطي الدعم النفسي لهم، وتخفف مظاهر القلق للطلاب وللأهل أنفسهم، وقد تعطي إمكانية التدخل السريع في حال حصل طارئ ما في أثناء الامتحان. رغم ذلك ربما تكون هناك نتائج عكسيّة في هذا الفعل، فقد ينقلب الدعم إلى عدوى تضخيم للقلق إن لم يحسن الأهل الأساليب والطرق في الدعم وهذا ما يحصل في بعض الأحيان، لذلك ينصح علم النفس باستخدام أسلوب الدعم الصامت، واستخدام كلام فيه صيغة الإثبات بدل صيغ النفي، مثل لا تخاف لا تقلق.
اليوم ازداد الخوف عن السابق وصار متعلّقاً بالواقع الخطير والمخيف وخاصة في الساحل السوري، فالمشهد بالعموم أشبه بحقل ألغامٍ وأنت مجبرٌ على التنقل فيه من أجل لقمة عيشك وقضاء حاجاتك المتنوعة؛ وهذا ما يجعل تشارك القلق خياراً طبيعياً، وأعتقد أن الأولاد أصبحوا يشعرون بالحاجة لهذا القرب والملازمة من قبل الأهل، ففي الخوف والقلق ينكص الإنسان إلى ردّات فعلٍ واستجابات طفولية مبررة أحياناً.
2- هناك نسبة من النساء موظفات وعاملات بأجر يومي، برأيك في حال تصاعدت عمليات الخطف ولم تتوقف، هل سيجدنَ أنفسهن مجبرات على التخلي عن عملهن أم أن الحاجة ستدفع بهن للمغامرة بحياتهن وأمانهن؟
بخصوص النساء وعملهن، أعتقد أن ضغط الحاجات الأساسية والضغط المعيشي الشديد الذي عايشه السوريون طويلاً وبشكل حادٍّ في آخر خمس سنوات، سيرغم الذكور والإناث على الاستمرار بالمقامرة بحياتهم من أجل لقمة العيش، فليس من السهل أن تترك عملك الذي بالكاد يسدّ جزءاً بسيطاً من معيشة الأسرة واحتياجاتها.
3- في حال عادت المخطوفة إلى أهلها بعد دفع المال، هل تعتبر ناجية؟ وكيف يمكن أن تتعافى من العطب النفسي الذي أصابها بسبب ما تعرضت له؟
قطعاً ليست ناجية إلا كما نجا كل سوري خلال هذه الحرب الطويلة، الجميع معطوبٌ نفسياً حتى من يتوهم النجاة، لكنْ ثمة رضوضٌ وكسورٌ نفسيّةٌ تتخذ شدة أعلى لدى بعضهم لاختبارهم تجربة قاسية واستثنائية، ثمة فروق في شدة الحالة ليس أكثر.
4- برأيك هل المجتمع المتعاطف مع المخطوفة سيرحمها إن عادت ويغض النظر عن فكرة أنه تم اغتصابها من قبل خاطفيها حتى لو لم يحدث الاغتصاب؟
أرجّح أن المجتمع سيكون أكثر رحمةً في مثل هذه الحالات، على خلفية التكتل الذي حصل ويحصل، واعتبار الخطف إساءةً للجماعة ككل، وأحد أشكال الاستهداف، بناءً على ذلك سيتمُّ تفهّم حالة الضحية التي تنتمي لهذا الكل المستهدف.
5-إلى حدٍّ ما أصبحت حرية النساء مقيدةً بسبب عمليات الخطف التي حدثت ولازالت تحدث، فهل لديك نصائح وتدابير يمكن أن تساعد على حماية النساء؟
بل قل: حريةُ الجميع مقيدة، وليست الإناث فقط، لن أطرح هنا تدابير تبدو كدروس في الرياضات القتالية والدفاع عن النفس، فالحلّ ليس في اتخاذ تدابير خاصة، بل في البحث عن حلٍّ عامٍ، والوصول إلى مجتمعٍ مبنيٍّ على منطق الدولة وسيادة القانون والمؤسسات المتخصصة، فالحماية واجب الدولة بالمقام الأول، بعد ذلك يأتي الحذر الشخصي، لا يمكن أن تستمر الحياة بشكلٍ طبيعيٍّ في ظل الخوف وانعدام الأمن والأمان.