info@suwar-magazine.org

وائل السواح في قراءة ما بين كتابين "استمع أيها الصغير" و "الجمهور القاتل"

وائل السواح في قراءة ما بين كتابين "استمع أيها الصغير" و "الجمهور القاتل"
Whatsapp
Facebook Share

 

                    إذا كنت تحب النصوص القصيرة واللاذعة أو الفكاهية، فلا تتوقف هنا.

 

        وائل السواح في قراءة ما بين كتابين "استمع أيها الصغير" لـ "فلهلم رايش"، و "الجمهور القاتل" لـ "نبيل الملحم".

 

 

يخلق الله، أو من يحل محله، الناس لغايات متباينة.. خُلق ليستفز تفكيرنا، يتحدانا، يحرضنا على العمل والتأمل معا.

قرأت لـ نبيل الملحم، بمتعة وغضب كتابه "الجمهور القاتل"..  

يأخذنا نبيل في رحلة فكرية ناقدة في معنى الجمهور، السلطة، والحقيقة، يبيّن أن السلطة لا تُمارس فقط من أعلى عبر الدولة، بل تُعاد إنتاجها في تفاصيل الحياة اليومية عبر التربية والدين والإعلام، ويطرح سؤالاً جوهريًا:

ـ هل يظل الجمهور كتلة خانعة تُقاد بالخطاب والرمز، أم يمكن أن يتحول إلى قوة مقاومة فاعلة؟

وفي خلفية كل ذلك يظل الصراع على تعريف الحقيقة حاضرًا: من يملكها، وكيف تُصنع، وأي دور للأخلاق في مواجهة منظومات السيطرة؟

 

 

نبيل – كعادته – يحب الأسئلة ويكره الإجابات.. هو يحرّض القارئ على التفكير النقدي، ويضعه أمام مسؤوليته الفردية كجزء من الجمهور.

إنه عمل أقرب إلى مرآة فكرية تواجهنا بأسئلتنا نحن، أكثر مما تعطي حلولًا نهائية.

 

 

ذكرني كتابه بكتاب فِلهِلم رايش "استمع أيها الصغير"،  كلاهما من طينة واحدة: تملك بك من الناصية، ولا تتركك حتى تنهي الكتاب.. لا يسليك الكتاب بل يجعلك تغضب، من نفسك ومجتمعك وعالمك القطيعي البهيمي.

 

 كلا الكتابين يعتمد على نبرة مباشرة وصادمة، لا تكتفي بالعرض الأكاديمي الهادئ، بل تسعى إلى هزّ القارئ من سباته ودفعه إلى مواجهة نفسه.. رايش يفعل ذلك من خلال مخاطبة القارئ بنداءات حادّة مثل: "استمع!" و "أيها الصغير!"، بينما يضع نبيل الإنسان أمام صور رمزية جارحة، مثل تحوله إلى كائن قطيعي أو انغماسه في عالم يشبه رواية 1984 لأورويل.

 

 

ما يجمع النصين أيضًا هو الغضب الأخلاقي.. عند رايش، هذا الغضب موجّه ضد "الإنسان الخانع" الذي يسمح للطغيان أن يستشري بخضوعه وتردده، أما في كتاب "الجمهور القاتل"، فإن الغضب يتخذ لغة أكثر فلسفية، إذ يُظهر كيف تُنتَج السلطة والحقيقة داخل المجتمع، وكيف يشارك الفرد نفسه، عن وعي أو عن غير وعي، في إعادة إنتاج خضوعه، ومع أن المصطلحات مختلفة، إلا أن كليهما يحمّل الفرد المسؤولية الأخلاقية المباشرة عن وضعه:

ـ لا يمكنك أن تلوم السلطة وحدها، بل عليك أن تواجه تواطؤك أنت.

اقرأ أيضاً:

 

                          "الجمهور القاتل".. ذاك الحشد الذي لايُرى

 

                        خلود شرف تُعيد البريق إلى أدب الرّحلة واليوميّات

 

 

اللغة عند رايش مباشرة وفجة، مليئة بالاتهام والشتيمة أحيانًا، بينما يختار نبيل رمزية أكثر تجريدًا وفلسفية، ومع ذلك فإن كلاهما يستخدم صورًا قوية ومقلقة ليدفع القارئ إلى الاستفاقة:

ـ في الحالتين، الرسالة واحدة تقريبًا، وهي أن الإنسان إذا لم يواجه ذاته وينهض بحريته، فسوف يذوب في الجماعة ويعيش عبداً للسلطة.

 

 

النقطة المشتركة بين النصين أن كليهما يحمّل الإنسان مسؤولية مصيره، الاستبداد ليس قوة خارجية وحسب، بل يجد تربة خصبة في الطاعة الطوعية والتنازل عن الحرية.. الاختلاف أن رايش يكتب بروح الطبيب والمعالج النفسي، محاولًا صفع الفرد ليوقظه من سباته، بينما الكتاب الآخر يكتب بروح الفيلسوف الاجتماعي الذي يفكك البنى التي تجعل الطاعة ممكنة، ويربطها بالخطاب والإيديولوجيا.

 

 

ومع ذلك، يلتقي الاثنان عند الرسالة الأساسية:

ـ  الحرية ليست هبة تُمنح، بل مسؤولية تُمارس، ومن لا يجرؤ على ممارسة فرديته يذوب في القطيع، فيفتح الباب لكل سلطة متعطشة للهيمنة.

 

بعبارة أخرى، إذا كان رايش يتحدث بلسان الطبيب الغاضب الذي يضع مريضه أمام تشخيص لا رحمة فيه، فإن نبيل يتحدث بلسان الفيلسوف الناقد الذي يكشف شبكة السلطة والخطاب التي تحيط بالفرد، غير أن الهدف النهائي عند الاثنين واحد:

ـ إيقاظ الإنسان، تحريضه على استعادة فرديته، وتذكيره بأن الحرية ليست منحة، بل مسؤولية يومية وشجاعة شخصية.

 

 

 

سأتوقف هنا عند فقرة واحدة من الكتاب، لأعطيكم مثالا عن أهميته:

 

الفقرة المعنونة "كيف يتحول الإنسان إلى كائن قطيعي" تقدّم تصورًا عميقًا لمسار بطيء، لكنه حتمي في ظل شروط معينة، يتحوّل فيه الفرد من كائن حرّ إلى تابع ذائب في الجماعة.. لا يحدث هذا التحوّل دفعة واحدة، بل يتراكم عبر الخوف من العقاب أو العزلة، وعبر التنشئة الاجتماعية التي تبدأ من المدرسة والعائلة وتستمر في فضاءات الدين والإعلام.. شيئاً فشيئاً يصبح الانصياع أكثر أماناً من التفكير الحر، ويتحوّل ترديد ما تقوله الجماعة إلى بديل عن القناعة الفردية.

 

 

نبيل يستعين هنا بتجربة جورج أورويل في رواية 1984، حيث الرقابة الشاملة لا تفرض الطاعة فحسب، بل تعيد تشكيل الوعي من الداخل. الحرية لا تُسلب بالقوة وحدها، بل تمحى تدريجياً بخطاب يومي يصنع وهماً بالطمأنينة ويخفي الخوف العميق الذي يسكن الأفراد.

 

 

النتيجة ليست مجرد إنسان مسلوب الإرادة، بل كائن أعيد تشكيله ليصبح جزءاً من آلة جماعية، يردّد ما يُقال له، ويجد راحته في الامتثال بدلاً من المغامرة بالتفكير المختلف.

 

ههنا، يصبح الانتماء إلى القطيع نوعًا من الحماية، وإن كان ثمنه التخلي عن المسؤولية الفردية وعن القدرة على النقد والمساءلة، وهكذا، فإن الفقرة لا تكتفي بتشخيص آلية الخضوع، بل تكشف أن أخطر ما في هذا التحوّل أنه يخلق حالة من الرضا المزيّف، حيث يفضّل الإنسان الطمأنينة على الحرية، حتى وإن كان ثمنها أن يفقد ذاته.

 

لقراءة كتاب "الجمهور القاتل" كاملاً وتحميله بصيغة ملف PDF يرجى الضغط هنا

 

* عن صفحة وائل السواح في الفيس بوك.

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard