info@suwar-magazine.org

المشاريع المتعارضة... تُحوّل سوريا إلى مشاع سياسي (1 )

المشاريع المتعارضة... تُحوّل سوريا إلى مشاع سياسي (1 )
Whatsapp
Facebook Share

 

 

(1)  تركيا

تركيا التي دخلت على خط الصراع السوري، ودعمت فصائل المعارضة تحت شعار الثورة السورية، حوّلت هذا الدعم لأداة نفوذ استخباراتية، وسياسية من خلال منظومة ولاءات محلية، وها هي اليوم تعود للتكيّف مع المعطيات الجيوسياسية الجديدة بعد سقوط نظام الأسد وبعد أن فشل الجولاني الذي وافقت على اختياره دولياً، ثم تحوّل إلى عبءٍ استراتيجي بعد ارتكاباته.

 

 

لم يعد المجال الجيوسياسي السوري مفتوحاً أمام مشروعها بالكامل، فاسرائيل وغيرها يقفون لها بالمرصاد؛ تتجه تركيا إلى صيغة جديدة تلاءم غاية مشروعها "الاستراتيجي" من خلال دعم شخصيات تراها معتدلة ومقبولة دولياً يمكنها السيطرة على المشهد الأمني دون أي عراقيل أمريكية أو اسرائيلية.

 

 

مشروعها للسيطرة الذي بدأ بالتحالف مع الجولاني في سوريا بات اليوم مجرّد إدارة أزمة، يمكن أن تدفع تركيا ضريبتها بشكل مباشر، فلن تكون بعيدة عن تداعيات النزاع المحتمل بين الجولاني الذي سيعلن الحرب على رفاق دربه من الجهاديين القدامى بأوامر أمريكية. لكن؛ هل تركيا متأكدة من أن الولايات المتحدة ستدعم الجولاني عسكرياً في حربه ضد الجهاديين؟

 

 

ربما يعلم أردوغان جيداً أن لا صداقته مع ترامب ولا زمالته  في حلف النيتو سيشفع له لدى أمريكا؛ وقد يجد الجولاني نفسه يستنجد بمن شرب معه الشاي على قاسيون عشية التحرير إذا ما فقد السيطرة على تيارات الجهاديين والأجانب والمرتزقة في سوريا. عندها، ستكون فاتورة الأتراك كبيرة جداً، إذا ما اصطفوا إلى جانبه، وستكون كبيرة أيضاً إذا ما تخلّوا عنه.  بالمختصر؛ الجار الشمالي سيكون أكبر الخاسرين؛ والأسباب واضحة.

 

اقرأ أيضاً:

 

                        معادلتان رئيسيتان للبقاء في سوريا

 

     مفارقة جديدة في مأساة الثورة السورية المسلوبة: الجولاني في موسكو

 

 

 (2)  الإسرائيلي

اسرائيل، من جانبها، لم تكن مساهمتها الأكبر في إخراج إيران من سوريا لتستبدلها بما هو "أخطر" على أمنها. وهذا الأمر ينطبق على كل مشروع لنظام أيديولوجي في المنطقة؛ فاسرائيل التي تتلقى التنازلات اليومية من "الجولاني" لا يمكن أن تمنحه الثقة، خصوصاً وأنه لا يمتلك قدرة حقيقية على السيطرة؛ وهو يدرك أيضاً أن أي تنازل يمكن أن يقدّمه لن يجعله موثوقاً لديها.

 

 

  الجولاني؛ الذي أُزيلت صورته من بين القادة المرشحين لإتمام الاتفاقات الابراهيمية بات اليوم مستعداً لتقديم أي تنازل بهدف تحصيل الرضى الإسرائيلي؛ فهذا الرضى عملياً هو مفتاح الدعم الأمريكي له، ولا يمكن لأية أموال خليجية أن ترسّخ بقاءه عندما يتعارض نهجه مع الأمن الاستراتيجي الاسرائيلي.

 

 

 

بالنسبة لاسرائيل، كان سقوط الأسدية التي بقيت وفيّةً لها لآخر لحظة فرصة تاريخية نادرة لا تتكرر؛ ويمكن تعريف هذه اللحظة بالغارات الألف التي شنتها على مواقع الجيش السوري ودمّرتها بشكل كامل. جميع الأطراف والقوى الدولية والإقليمية تدرك تماماً أن هذا اللاعب الإقليمي يتحرك بدون ضجيج، ووفق حساباته الخاصة، التي قد تتجاوز أية اتفاقات مبرمة. وعندما يصرّح الاسرائيلي بأن سوريا تقبع تحت حكم أيديولوجي جهادي، فهو يريد القول إن كامل الساحة مفتوحة له لتنفيذ ما يشاء، وساعة يشاء لحماية أمنه.

 

 

 

بات واضحا أن 40 سنة شكّلت محاربة اسرائيل المزعومة وسيلة لدى نظام الأسد لإبقاء حدود اسرائيل آمنة. ولم تعد هذه السردية قابلة للاستمرار في ظل حكم الجولاني؛ فهي محرجة له إذا ما عاد لاستعمالها، وهي غير مجدية فعلياً بعد أن تحوّلت سوريا إلى مركز جذب عالمي للتيارات الجهادية التي تهيء لأجيال قائمة على الفكر الجهادي المتطرف.  لذلك، لايمكن للجولاني أن يكون بالنسبة لاسرائيل سوى أداة مؤقتة للفوضى التي يُعاد من خلالها تشكيل الجيوسياسة في المنطقة لصالح الأمن الاسرائيلي المستدام..

 

 

السؤال الأساس في هذا السياق: هل جوهر المشروع الاسرائيلي في سوريا مرتبط بإبقائها دولة مفككة وضعيفة؟ ربما يعتقد البعض أن سياسة السيطرة الاسرائيلية قائمة على تقسيم سوريا إلى كنتونات طائفية متناحرة تضمن لها دولة جارة ضعيفة، لكن هذا الأمر قد لا يكون دقيقاً؛ والسبب هو أن بقاء حالة الفوضى في سوريا كحالة مستدامة هو بحد ذاته خطر استراتيجي على اسرائيل نفسها، لكن صيغة الاستقرار المنشود في سوريا هي جوهر المشروع الاسرائيلي الذي لم يعد يعتمد على تطويع النظم السياسية للسيطرة على الشعوب، بل تفكيك القيم التي تجمع تلك الشعوب بذاتها.

 

 

 

(3) أمريكا

لا يمكن قياس سياسة الولايات المتحدة بخطواتها المعلنة، ففهم هذه السياسة مرتبط بالمنهج الأمريكي في إدارة الصراعات وليس حسمها. بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، هنالك جملة خصائص لسوريا تحدد استراتيجية أمريكا تجاهها، أهمها موقعها الجيوسياسي كجارة لاسرائيل التي يشكّل أمنها معياراً رئيسياً لأية سياسة أمريكية في المنطقة. يلي هذا الأمر مايتعلق باعتبار الملف السوري أحد أوراق المزاد السياسي الدولي المفتوح بين أمريكا والصين وروسيا، فبعد عقود من الشراكة بين نظام الأسد والشرق، بات الأمريكيون على قناعة بضرورة كسب هذه الفرصة للتموضع بقوة في الشرق الأوسط وبسلاسة وبدون تكاليف تُذكَر.

 

 

الوجود الأمريكي في سوريا و الشراكة مع قوات سوريا الديموقراطية لا يمكن التخلي عنها بسهولة بالنظر إلى الامتيازات الجيوسياسية والاقتصادية التي تحققها الولايات المتحدة من هذا الأمر. ولم تكن أمريكا قادرة على توسيع نفوذها العسكري سابقاً قبل سقوط النظام نتيجة الانتشار الإيراني والروسي. أما حالياً، و بعد سقوط النظام، فلا تزال مسألة توسيع الانتشار محكومة بعوامل ومعايير متعددة أبرزها عدم موثوقية الشراكة مع جهات فاعلة محلية، خصوصاً في ظل انتشار التيارات الجهادية في سوريا على نطاق واسع. هذا الأمر، وضع الولايات المتحدة أمام خيار دعم الجولاني مقابل السيطرة على التيارات الجهادية، وتقديم نفسه كشريك للولايات المتحدة، بما يمكنّه من تثبيت سلطته التي ستعود بالنفع على مؤيديه مقابل أي تيارات أخرى معارضة. لكن ما لم يدركه الجولاني هو أن البراغماتية التي أعلن عنها كنهج للحصول على الدعم الأمريكي قد قُوبلت ببراغماتية أمريكية تستعمله كأداة لتحقيق مصالح استراتيجية.

 

 

الأمريكيون ليسوا بهذه السذاجة لرفع اسم الجولاني عن قائمة الإرهابيين وشطب العقوبات عنه، ولا نتكلم هنا عن المستوى السياسي الأمريكي الذي قد يقرأه البعض من خلال تصريحات المبعوثين الأمريكيين، بل نتكلم عن المستوى الاستخباراتي الذي يحدد معايير الاستراتيجية العملية وأنماط التدخل. وفعلياً، هنالك العديد من الوسائل التي يمكن استعمالها لحصاره مجدداً وفتح ملف جرائمه الإرهابية. لكن حسابات المرحلة الحالية تقتضي أن يكون وكيلاً لإبعاد خطر التيارات الجهادية في سوريا عن أية استراتيجيات أمريكية مستقبلية.

 

 

ربما يعتقد البعض أن زيارة الجولاني لموسكو ناتجة عن تغيّر في الموقف الأمريكي تجاهه بعد المجازر التي ارتكبها في الساحل والسويداء، لكن الهدف منها هو طمأنة أمريكية للروس مؤقتاً من خلال الجولاني لضمان عدم إحداث تغييرات في المشهد السوري وعودتهم إليه بما يضر المصالح الأمريكية التي تحتاج إلى تحجيم أي دور روسي أو صيني في سوريا مستقبلاً.

 

 

أما بخصوص العقوبات، فبالنسبة لواشنطن، لم تشكل هذه العقوبات مسألة أخلاقية أبداً؛ إنها فقط أداة للنفوذ والإدارة؛ فرفْعها أو فرْصها لايتعلق بطبيعة النظام، بل بمقدار تلبيته للمصالح الاستراتيجية الأمريكية. وأي نظام قادم في سوريا، أياً كانت هويته، يدرك تماماً أن إدارة البلاد دون التنسيق مع واشنطن تعني الفشل الحتمي. ولو افترضنا أن السلطة الحالية في سوريا هي سلطة وطنية قادرة على توحيد البلاد والمكونات، فستكون واشنطن مجبرة على الانسحاب من سوريا، ورفع العقوبات التي لن يكون لها أي مبرر بعد الآن. أما باستمرار وجود الجولاني، فالمبرر موجود لاستمرار العقوبات، و لاستمرار الوجود الأمريكي.

 

 

في هذا السياق بالذات، هناك مجموعة ثغرات قد تعول عليها روسيا للعودة إلى المشهد السوري، أبرزها ما سينتج عن انضمام الجولاني للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، والذي يشكل مأزقاً حقيقياً بالنسبة له. وبغض النظر عن التصريحات الداعمة له من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، لن يكون هنالك تدخل فاعل عسكرياً لجانبه، فالولايات المتحدة الأمريكية تخلت عن سياسة التدخل العسكري المباشر؛ وتعتمد منهج عبر(proxy war) الحرب بالوكالة؛ لذا فإن إعلان الحرب من قبل الجولاني على التيارات الجهادية من الممكن أن يؤدي إلى انهيار سريع في قواته العسكرية، و بالتالي، من الممكن أن يلجأ إلى الروس لتحصيل الدعم؛ إلا أن هذا الأمر لن يكون متوافقاً مع السياسة الأمريكية الحالية التي تسعى لمنع روسيا من الاستفادة من الملف السوري كورقة ضغط بخصوص حربها مع أوكرانيا، كما حدث في مرحلة ما قبل سقوط نظام الأسد.

 

 

 

 

(4)  ماذا عن المشروع السوري؟

حل القضية السورية الذي تم تحديد معاييره بدقة ضمن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 لعام 2015، مرتبط بأصل هذه القضية، وهو الصراع بين إرادة الحياة الحرة والكريمة، والطغيان المتجدد. لكن هذا الحل يبدو اليوم جزءاً من الذاكرة السياسية للقوى الوطنية السورية المغيّبة، التي تم تحييدها بشكل مطلق عن المشهد السياسي، والسبب في ذلك أن مشروع الاستقرار الوطني السوري يتعارض مع جملة مشاريع خارجية دخلت مرحلتها التنفيذية في سوريا.

 

 

للمفارقة؛ يُعاد اليوم التأكيد على تلك المعايير ضمن ما ورد في قرار شطب اسم "أحمد الشرع" و "أنس خطاب" من قوائم الإرهاب؛ حيث يشمل القرار التأكيد على ضرورة مكافحة التنظيمات الإرهابية بما في ذلك تنظيم "داعش"و"القاعدة" و "المقاتلين الأجانب". هذا القرار المتناقض بنيوياً ينسف أي مسار للحل السياسي المستدام في سوريا بما يتوافق مع طموح الشعب السوري في إنشاء دولة مدنية، ونظام حكم ديموقراطي تعددي قائم على التشاركية الحقيقية؛ وللأسف يبدو مجلس الأمن الذي يعمل بموجب القانون الدولي، كشريك في تغييب أي فرص حقيقية للاستقرار في سوريا.

 

 

المفارقة الأكبر ان هذا القرار يتضمن التأكيد على مبدأ "وحدة سوريا و سلامة أراضيها و استقرارها"، و لكنه يعود لينفي ما سبق بتعويله على سلطة إرهابية ترتكب يومياً الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وينسف مبدأ عدم سقوط جرائم الإرهاب بالتقادم ليساهم في ترسيخ الأيديولوجية الجهادية كشريك وفاعل سياسي.

 

 

 

الجدير بالذكر ها هنا ان المشروع الوطني السوري هو تأصيل للقضية السورية، وهو مشروع تحرر إرادة مرتبط بحق السوريين في تقرير مصيرهم دون وصاية. السوريون دفعوا ثمناً باهظاً في مواجهة الاستبداد والإرهاب؛ وهم اليوم يقبعون تحت أمرة سلطة فاقدة للشرعية مهما تبدلت تسمياتها أو شطب قادتها من قوائم الإرهاب؛ فالإرهاب لا يُمحى بتغيير السلوك.

 

 

* بعض التفصيلات في وقت لاحق 

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard