طريق دمشق – السويداء: من حوادث القدر إلى صناعة الموت

منذ زمنٍ بعيد، سُمّي طريق دمشق ـ السويداء بـ«طريق الموت» في البداية كان الموت قَدَراً عابراً، تصنعه الجغرافيا وإهمال السلطة لمحافظةٍ مهمشة، أما اليوم فقد صار صناعة منظّمة، تديرها سلطة تتقن فنَّ إدارة الفناء وبثَّ الرعب.
وإن كانت أسباب الموت قد اختلفت بين الأمس واليوم؛ ففي الماضي، كان إهمالُ شقِّ طريقٍ نظاميٍّ متكاتفاً مع يد القدر كافياً لخطف أرواحٍ عديدةٍ في حوادث سيرٍ مروِّعةٍ متفرقة، بمرور الزمن، كثيراً ما تُطوى الصفحاتُ السوداء من تاريخ الشعوب، لا لأنّها طُويت حقّا، بل لأنّ الذاكرة تتعب من حملها الطويل؛ فالمسؤولون ينسون ليخفِّفوا عن ضمائرهم ثِقَلَ الذنب، والشعوب تنسى لتستطيع العيش فوق ركام الخسارات.
غير أنّ هذا الملفّ الذي أُعيد فتحه في السويداء، حيث صار الموتُ عميدَ الحياة، جعل النسيانَ نفسَه ضرباً من المستحيل؛ على الأقل حتى تتبدّل الظروف، ويمرَّ وقتٌ كافٍ لمحو خساراتٍ بهذا القدر من الفداحة.
فالطريق الذي شهد الموت صدفةً، تعلّم الآن كيف يشهده عمداً.
طريق دمشق ــ السويداء في عهد النظام السابق، وأنا أتحدث عن زمن بعيد يزيد على عشرين عاماً. كان طريقاً ضيقاً مليئاً بالمنعطفات القاتلة، لا يليق أن يكون الشريان الأبهر لمحافظةٍ بحجم السويداء، لكنه ظلّ كذلك، كأنّ عزلة المدينة كانت قدراً مقصوداً.
كان سوء الطريق سبباً في حوادث جماعية مروّعة تعجنت فيها سيارات وباصات، راح ضحيتها كل من كان على متنها في معظم الحوادث.
ولا تزال ذكرى فاجعة "بولمان شركة الفرح" أحد أكبر الحوادث، حيّة في الأذهان؛ فقد أودى بحياة كل من كان فيه، وكانوا يومها شباباً من بينهم نخبة متميزة، ولم ينجُ من الركاب إلا شخص واحد أو اثنان حسب ما أذكر. ومنذ ذلك الحين، أُلصِق به اسم "طريق الموت"، ليظل مرتبطاً بالمآسي التي شهدها.
استمرت الحوادث الجماعية التي أثارت الرعب بين الناس، وعلت أصوات المطالبة بتحسين الطريق - إنه أبسط حق للسكان - حتى وسعته الحكومة أخيراً، ومع ذلك لم يكن على المستوى المطلوب ليكون كافياً لمنع الحوادث.
شهدنا بعد ذلك زمن هدوء استمر سنوات، قبل أن تبدأ حوادث من نوع آخر؛ حوادث كانت الشرارة الأولى التي أشعلت حرباً حصدت آلافاً من أبناء السويداء.
اقرأ أيضاً:
منذ بدأت السلطة الجديدة، وفي سياق تمهيد الأرضية للهجوم، صارت تُفتعل حوادث الاختطاف واستهداف السيارات العابرة بالرصاص. معظم هذه الحوادث طالت السيارات العادية، فيما بقيت البولمانات الأكثر أماناً للتنقل. حتى أنهم أصابوا مرة سيارة لتاجر شامي ظنوه من أبناء السويداء، فقط لأنه كان على ذلك الطريق، ولم تكن آخر هذه الحوادث سيارة الخضرة التي كانت السبب المباشر في الهجوم المروّع الذي واجهته السويداء.
فقد كانوا يوقفون السيارات على الحواجز كما اعتاد الناس على التفتيش منذ 14 عاماً، لكن شهادات بعض الناجين من المختطفين من أهالي السويداء، بعد استلام السلطة الحالية، تُبيّن أن هذه الحواجز كانت تتعمد إبقائهم منتظرين فترة طويلة أكثر مما يتطلبه التفتيش.
فيما «يتصادف» خروجهم من الحاجز مع قدوم عصابات من جانب الطريق من جهة "المطلة" التي يسكنها البدو، يوقفون السيارة ويفعلون ما يريدون: إما سرقة السيارة مع بضائعها، أو خطف السائق رهينة ليفتديه أهله بالمال، أو ضربه حتى يقارب الموت، ثم رميه لِقَدَرِه، وكأن هناك تواطؤ بين الحاجز والعصابات.
استمر الحال على هذا النحو بينما بدت السلطة غير مكترثة، حتى وجد أهل السويداء أنهم لا يستطيعون السكوت أكثر.
في شهر تموز (يوليو)، وقعت حادثة اختطاف سائق بسيارته التي كانت تحمل كمية من الخضار لدكان صغير؛ أُجبر على الانحراف عن الطريق، سرقوا السيارة وبضاعتها، وعذّبوه، ثم رموه على مسافة بعيدة عن الطريق، وتركوه يصارع الموت، أعزل من كل شيء. ربما كانت قوة الحياة هي التي ساعدته على الزحف حتى الطريق، حيث وجده أشخاص أسعفوه إلى السويداء.
أشعلت الحادثة الغضب العارم؛ فالسويداء كانت محاصرة تقريباً بجماعات تتربص من جهة درعا منذ شهور، بعد الهجوم الفاشل الذي شنته على المحافظة في شهر نيسان (أبريل)، وكانت العصابات ما زالت توجه ضربات بأسلحة متنوعة في تهديد مبطن بشن هجوم ساحق يقضي على الدروز.
أما هذه المرّة، وبعد اختطاف هذا الرجل وعودته، فقد اختطف أهلُ السويداء عدداً من البدو ليكونوا رهائن. فجاء ردُّ الحكومة المؤقّتة - التي كانت قد هيّأت هذا السيناريو ودرسته بعناية - مختلفاً هذه المرّة؛ خاصةً أنّ محافظ السويداء، مصطفى البكور، كان قد افتعل مواقف عدّة تُظهِر أهلَ السويداء بصورة لا تليق بحقيقتهم، وكأنهم يقابلون معروفه وأخلاقه الكريمة بالنكران.
أمّا في الحقيقة، فقد كانت اجتماعاته مستمرة مع بعض مشايخ البدو الموالين للسلطة لتجهيز الأرضية تماماً للعملية. وحين وقع الهجوم، كانت السويداء بالفعل مُجهَّزة تجهيزاً كاملاً، وكان المتورّطون في الهجوم قد أرسلوا نساءهم وأغنامهم إلى أماكن خارج المحافظة، في غير الموسم المعتاد، واستعدّوا كما يجب بعد الاتفاق على يومٍ محدد للهجوم.
بعد الخطف والخطف المضاد في الفترة التي تلت حادثة سيارة الخضار، تسارعت الأحداث كثيراً وعم الغليان في صفوف الدروز والبدو، بغضب تجاوز السويداء ليهب في صدور بعض العشائر في سوريا.
خاصة أن الحكومة المؤقتة ألبت حاضنتها الشعبية بحملة "لبّت لبّت"، وبعاصفة منشورات على الإنترنت تجرِّد الدروز من كل صفات الإنسان، ولذلك شارك من لم يستطع الهجوم الفعلي في حملة "من جهز غازيًا فقد غزا".
أما الباقون فقد هرعوا بأسلحتهم؛ بكل ما تيسر لهم، مدعومين بمسيّرات ومصفحات الأمن العام، مع أسلحة إضافية - براءة اختراع أضيفت لعتاد الحروب التقليدية - وهي مقصات لشوارب بني معروف. فهم يعلمون ان بني معروف يعتزون بها ويعتبرون قصها وصمة، وليس أكثر من الوصمة ما أراد هذا الجيش أن يفعله.
انتهت هذه الحرب بحصاد آلاف الأرواح من هذه المدينة، واحتلال 33 قرية، مع حرق ثلث بيوتها، وتهجير أهلها، وخطف المئات من سكانها من رجال ونساء وأطفال.
وبدأ بعد ذلك حصار فعلي، لا يزال مستمراً حتى اليوم.
منافذ السويداء التي تربطها بالخارج تتجه باتجاهين: الأول نحو دمشق، وهو الطريق الرئيسي - طريق العاصمة. ومن خلال المراقبة الشخصية لشاهد عيان - أختي التي كانت قبل بداية الاجتياح في دمشق - لم تستطع الوصول إلى بيتها في السويداء إلا بعد مرور نحو ثلاثة أسابيع وبوساطة الهلال الأحمر، لتجد البيت محروقًا.
الاتجاه الثاني نحو درعا، الجارة التي كان يجتمع فيها المهاجمون ويبدؤون منها تنفيذ هجومهم على السويداء. بعد ذلك، صار كلا الطريقين مُقنوصاً وغير آمن، وتتابعت الحوادث، رغم ترويج الحكومة أنّ الطريق آمن، وأنّ أهل السويداء يمتنعون عن استخدامه ليختلقوا قصة حصار غير موجود.
مرت أربعة أشهر، والمدينة تعاني من نهب المساعدات القادمة إليها من الخارج، وانقطاع الطحين للخبز، ووقود السيارات، حتى الدواء يمر بصعوبة. كما تتعرض محطات الكهرباء لهجوم عصابات من درعا، لتخريبها، إذ أن تغذية السويداء تأتي من هناك. والحكومة تستمر بالتأكيد على أن الطريق آمن، مكذبة كل تهمة تخالف ذلك.
امتنع الناس عن الذهاب إلى العاصمة، وروى من اضطر للذهاب أن الحواجز كانت تطلب تقديم مستند يثبت الحاجة لذلك، لكن الاضطرار يجبر الناس على ارتياده رغم كل ما يعرفونه عن المخاطر، فحاجات الحياة تستدعي الذهاب للعاصمة.
مرت فترة هدوء نسبي، قلت فيها الحوادث على هذا الطريق، حتى أعيد من جديد فتح ملف "طريق الموت" بصفعة أعادت إحياء وجع الهجوم والمحنة على السويداء وكانها تحدث اليوم، وبعمق أكبر؛ فالسيارات كانت تُستهدف بالرصاص عادة، أما الباصات فقد ظلّ وضعها مستقراً نسبياً منذ زمن طويل.
بعد مرور ما يقارب أربعة أشهر على الحصار، كان باص نقلٍ سياحيٍّ عائداً من دمشق إلى السويداء، يقلّ مدنيين. في المقعد الأمامي كانت تجلس "آية" إلى جانب صديقتها "نغم".
ويبدو أن هدهدة الباص على الطريق جعلتهما تغطان في غفوةٍ قصيرة، فزعت منها "نغم" على صوت رصاصٍ يخترق الزجاج من الجهة التي كانت "آية" تجلس عندها.
التفتت إليها لتجدها نائمة، هزّتها كثيراً، ونادت اسمها مراراً، واختلط صدى صراخها «آية!» بصوت الرصاص والرعب، لكن "آية" لم تستيقظ. بقيت في نومها الأبدي.
"آية"، أو كما لقبناها "أميرة السويداء"، كانت طالبة في سنتها الأخيرة. كتبت منشوراً حين جاء وقت الامتحانات، وقد مُنعت من تقديمها، فإضافة إلى خطورة الطريق، كانت الجامعات تهدد الدروز من القدوم إليها، تحت تهديدٍ يصل حدّ القتل.
كتبت آية يومها تقول: كان يُفترض أن أتخرّج هذا العام. لو قُدّر لي أن أقدم الامتحانات، لكن الحرب منعتني. أرجـو من الله أن يعوّضني خيراً.
كانت آية تشتاق إلى التخرّج، كما صارت دمشق تشتاق إلى طهرٍ يشبهها. وجاءت الاستجابة سريعاً... بالانتقال إلى عالمٍ أفضل فعلاً، عالمٍ لا ترى فيه الجولاني ولا وحوشه.
تروي "نغم" شهادتها وهي تختنق بدموعها، ترثي صديقتها التي فقدتها في عمرٍ لا يُفترض أن تفكّرا فيه بالموت. كان أمامهما الكثير مما ينتظر، لكنّ رصاص الجولاني أنهى الحكاية هناك، قبل أن تبدأ. وبعد أيامٍ فقط، نشر القتلة مقطع الفيديو، ووضعوا عليه تعليقاً ساخراً: "أضحكني".
أصيب سائق الباص، حسين طحطح، في يده وصدره، لكن شهامته كانت أعظم من ألم تمزق جسده. تابع قيادة الباص بالركاب، بينهم الشهداء والجرحى، بسرعة جنونية حتى وصل إلى أول حاجز في السويداء، حيث اطمأن أن الجميع وصلوا إلى بر الأمان. تواطأت روحه الطاهرة مع جسده، فلم تتخل عنه قبل أن يُكمل مهمته ويؤمن الركاب.
في ذلك اليوم، مات حسين، إلى جانب كمال عبد الباقي، مرافق سائق الباص، و آية سلام، ليخلدوا جميعاً شجاعة هذا الطريق الملعون.
روح حرة قوية هزمت الموت في ذلك اليوم؛ إنها "يارا"، المهندسة التي أصيبت إصابة بالغة أبقتها يومين في العناية المركزة. شهد المحيطون كيف تعاون أهالي السويداء كلهم، ممن هرعوا ليفدوها بدمائهم، حتى استطاعت أن تستيقظ من غيبوبتها، فزفّوها كعروس رفضت الموت عريساً، واختارت أن تُزَف إلى الحياة.
كان كل من على ذلك الباص مشروع قتيل، ولم تُكتب النجاة إلا لمن منحه الله عمراً جديداً، بينما غصّ المستشفى بالجرحى من الأطفال الذين كانت عيونهم تقطر رعباً، ولا يهدئهم احتضان آبائهم المصابين مثلهم.
هذا الهجوم الإرهابي وقع تحت أنظار الأجهزة الأمنية، وصار وصمة على جبين الذين دافعوا أو برروا، أو على الأقل سكتوا عن هذا الإجرام.
أما الدم الطاهر الذي انسكب في ذلك اليوم، فقد عمّد طريق الموت بطهرٍ لا يعرفه هؤلاء المجرمون المهاجمون، وصارت دمشق تشتاق إليه بعد أن لوثتها أقدامهم النجسة وسمحت لهم بتشويه شعار "الله أكبر"، مدّعين أنهم "بنو أمية".
وفتح جرح السويداء من جديد، لكنه فتحه هذه المرة على هوّة لا أحد يدرك قعرها، ولا يعرف متى أو كيف يمكن أن تُردَم من جديد.
الكوارث دائماً تحمل في طياتها تحدياً يستنفر كلَّ من يتعرض لها. وبعد أن انفتح جرح السويداء بهذا الاتساع، ولم تعد أي خياطة تجدي فيه، هبّ أهلها من جديد، هبة الرجل الواحد، فالصدمة أذهبت عنهم ذهول الخذلان، ليصنعوا من ألمهم قوة.
بدأوا مرحلة جديدة من العمل، أشد نشاطاً من أي وقت مضى، نظموا صفوفهم لإعادة بناء مدينتهم، مصممين على ألا يبقى جو السويداء مفتوحاً على الألم، ملتفتين إلى كل مواضع الخلل والفساد، فيحاربوها، ومضيئين كل جوانب القوة والتميز ليعززوها.
اختاروا أن يحولوا هذه الكارثة إلى فانوسٍ ينير الطريق، إلى جسرٍ نحو بلدٍ يشبه حقيقتهم، بلدٍ يعيد لهم حياتهم، ويتيح لهم أن يجسدوا حلمهم بمستقبلٍ يليق بهم، مستقبلٍ يصنعونه بأيديهم.