المشهد عقب سنة على سقوط الأسد

الجولاني بدد فرصة بناء وطن وأسس مشروع تفخيخ سوريا بالطائفية
هكذا يبدو المشهد عقب سنة من سقوط نظام البعث ـ الأسدي في سوريا، بحصيلة أولية تمكن الجولاني من تحقيقها، غزوتان ضد أهالي الساحل والسويداء، نتيجتها آلاف القتلى والمغتصبات والمغيبات قسراً والمعتقلين، وحجم دمار مهول. استحواذ منفرد وعائلي ضيق على السلطة، وتفكيك المجتمع السوري، وخلق كانتونات طائفية مغلقة، وارغام الناس على التراجع إلى حالة الدولة ما قبل الوطنية، ودفعهم رغماً عنهم إلى الإحتماء بالطائفة بدلاً من المؤسسات، واعتماد العرف العشائري والقبلي بدل القانون.
حديث وهمي وطويل عن استثمارات تعيد للسوري حياته الكريمة، وبدلاً من خلق فرص العمل الجديدة طُرِّد عاملون في القطاع العام ليحل محلهم مؤيدو السلطة الجديدة. تحسن في الكهرباء والهاتف والانترنت والنقل، مقابل المال الذي لاقدرة للسوري على تسديده. كما لا أثر لتحسين المستوى المعيشي، إذ مازال الفقر يخيم، و ال90 بالمئة معدل فقر في سوريا يتعمق أكثر فأكثر. رغبة عارمة في الهجرة مقابل رغبة ضئيلة في عودة المهاجرين الطوعية، وتوق للحصول على فيزا وتأشيرة خروج من سوريا إلى أية بقعة في العالم يسود فيها السلم والأمن وتتوفر فيها الخدمات. وحال البنى التحتية ليس أفضل من حال البنى الفوقية المتشرذمة والمحيدة والمنعزلة، وطفو واضح لقادة جدد متهمون بالقتل والارهاب، فيما صوت الحرية مختنق، باستثناء انفلات فضاءات الحريات على وسائل التواصل الاجتماعي من فيس بوك ومنصة ( إكس) تويتر سابقاً وتيك توك، فيما يغيب هذا الصوت المنتظر عن وسائل الاعلام، وخبرت شخصياً حالة كم الأفواه على الصعيد الشعبي، والرفض المطلق لأي رأي أو موقف لايتلائم مع قناعات جمهور السلطة.
هذا المشهد المؤلم، يكاد يتطابق مع حصيلة 54 سنة من حكم الأسد الأب والابن، ومضت سنة على فرار بشار الأسد، سنة كاملة عقب توافق دولي على رحيل أداتهم في سوريا، لاجئاً انسانياً في روسيا، مع بطانته الفاسدة، وثروة كبيرة منهوبة من خيرات سوريا، وتجارة الكبتاغون، قدرها البعض بنحو 30 مليار دولار، تشبه جائزة ترضية له عقب تنفيذه كل المخططات المطلوبة منه، والتي لم يسعف الوقت والده بتنفيذها. انتهت الصلاحية، لم تعد الدول النافذة بحاجة إلى بيت الأسد في المنطقة، كما فعلت سابقاً مع غيره. فالتاريخ في المنطقة يعيد نفسه، إذ قررت موسكو وواشنطن إبعاد الأسد وأتيتا بمتزعم هيئة تحرير الشام أبو محمد الجولاني إلى قصر الشعب، بعد تأهيله على يد روبرت فورد أخر سفير لأمريكا بدمشق منذ 2011، وتولي جهاز المخابرات البريطاني تدريبه وتحويله إلى أحمد الشرع، برعاية تركيا. وأنهار الجيش السوري بأيام قليلة، ونقص هذا المشهد السوريالي فقط احتفال الاستلام والتسليم بين الأسد الهارب والجولاني القادم على ظهر توافق دولي.
اقرأ أيضاً:
سنة كاملة مضت على الجولاني بدمشق، حقق فيها المطلوب بتهمة الإرهاب دولياً أكثر مما طلب منه، فالأداة التنفيذية - الوظيفية الجديدة في سوريا، قدمت أكثر من الاشتراطات التي سبقت الصفقة، في محاولة واضحة للاستمرار فترة أطول في السلطة. تمكن الجولاني، من تحقيق خرق مهول على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي، إذ حوّل سوريا من قلعة ضد المشروع الصهيوني شعبياً، إلى حاضنة لقبول هذا المشروع، وتهشيم الرفض السوري الحازم لإسرائيل، وتحويله إلى قبول بوجودها على الحدود الجنوبية والجنوبية الغربية.
منذ اللحظات الأولى لوصول فصائل الجولاني لدمشق، كان أحمد الدالاتي ـ محافظ القنيطرة آنذاك ـ يجلس مع المفاوضين الاسرائيليين، يرسمون ليس شكل العلاقة الجديدة بين دمشق وتل أبيب، إنما يرسمون الحدود الجغرافية الفاصلة، والقوات المسموح لسوريا أن تزجها في جنوب البلاد، والتي اتضح لاحقاً أنها منطقة محظورة على الجيش السوري.
تمكن الجولاني من تأسيس مشروع تفخيخ سوريا بالعقدة الطائفية، إذ خلق كانتونات طائفية، شكلها بطريقة غير مباشرة منذ آذار الماضي، غزوة الساحل، والتي استهدفت العلويين، تحت شعار النفير السني. كانت هذه اللحظة الفارقة، والتي تبدى فيها مشروع الجولاني التقسيمي، وإحياء مشروع الاحتلال الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي، مع رتوش تناسب المرحلة القادمة.
بتواطوء مكشوف، أخرج الجولاني الدروز من الحالة الوطنية الجامعة، إذ كانت تعلم إسرائيل يقيناً أن الدروز يشكلون رأس حربة في رفضها كجسم متناسب في المنطقة، بدلالة رفض دروز الجولان المحتل لكل مغريات العطاءات الصهيونية لمجرد قبولهم الانسلاخ عن وطن الديكتاتوريات الدموية، كان الرد الرافض والصارم للدروز صادماً للاسرائيليين، ماذا يريد هؤلاء من العودة إلى وطن يضطهدم، والرضوخ لحكام مستبدين؟
اللعبة كانت سيئة وهزيلة، يهجم الجولاني على السويداء، يقتل ويدمر ويمارس كل صنوف المس بالكرامة من اغتصاب وسرقة وإذلال وخطف، فيتدخل الإسرائيلي منقذاً، في ظل صمت عربي واسلامي كاملين. نجح الجولاني بالمهمة، دفع الدروز للاحتماء بالصهيوني، ماتمناه كل زعماء الصهيونية، وما أراده كل رؤوساء الحكومات الإسرائيلية طوال 75 سنة، حققه لهم الجولاني بشهر واحد، كان تموز الأسود هو الشهر الفاصل بين البقاء على حالة عداء مع إسرائيل، أو أن يصبح العدو التاريخي حامياً ومدافعاً عن الناس. وسجل التاريخ أن الجولاني، هو الذي أنجز هذه المهمة الصعبة، بأسرع وقت، وتنفيذ متقن للغاية.
عزز الجولاني في سنته الأولى بالحكم، حالة إنغلاق داخلي، إذ أنه حظر الأحزاب السياسية، ومضى قدماً في نهج النظام البائد بتعطيل الحياة السياسية، وغابت مفردة الديمقراطية عن كل تصريحاته وبياناته ومقابلاته، هكذا سلطة تخاف من كلمة تستخدم بعفوية في العالم أجمع، تثير التساؤل، حول النهج المتطرف للجولاني؟ لكن لا غرابة في ذلك، إذ أن الجولاني الذي لايندم على تاريخه الدموي، قدم دراسة لأبو بكر البغدادي في 2015، تتركز على سوريا بلا أقليات. وفي منطقة الجزيرة السورية، يبدو الأمر واضحاً، لاتوجد آفاق سياسية للتعاون مع الجولاني، رغم اتفاق العاشر من آذار مع قائد (قسد) مظلوم عبدي.
تقسيم سوريا، والذي كان من الصعب التنبوء به، جعله الجولاني خلال اثنين وخمسين أسبوعاً من وجوده في السلطة حقيقة راسخة، كنتونات طائفية يتم تشكيلها، ومدها بكل أسباب البناء، من خطاب كراهية، وتكفير بشع، وانقسام مذهبي، وتغذية لأفكار ماقبل الدولة الوطنية، وتعويم أزلام من مختلف المناطق يقودون هكذا توجهات، هو نسخة معدلة من النظام البائد، والذي حيّد كل الشرفاء والوطنيين عن مراكز القرار، وعن ممارسة دور في الحياة العامة، وأتى بتركيبة جديدة عمادها صيغة الولاء المطلق والأعمى لرأس النظام.
أساء الجولاني لهوية الثورة السورية وأخلاقها وأهدافها، وها هو ذا يعيد الإساءة ذاتها بحق السوريين، إذ يتعامل مع المواطنين السوريين حسب أغلبيتهم العددية كمكونات، وكأقليات، وكأهل كتاب أو ذميين، هو أول من تخلى عن المواطنة كجامع للسوريين، واعتمد على المظلومية السنية الوهمية، فأنتج سوريا المفككة، الضعيفة، المرتمية على حافة الحرب الأهلية. شكر القاتل والمعتدي السوري ضد السوري غير مرة، مجازر السويداء والساحل أنموذجين يستحقان الدراسة التفصيلية، شجع النعرات الطائفية، غذى الأفكار الحاقدة، وأدار العملية من خلال جمهور غير نخبوي، وشريحة طائفية ضيقة تحيط به، دفعت إلى إسكات جميع الأصوات الوطنية، ولجم كل المحاولات الرافضة لسلوك السلطة الانتقالية في قمع الداخل مقابل الانفتاح الخارجي، وفي استخدام السلاح ضد السوري مقابل التنازلات الخارجية.
أخطر ما يمكن إيجازه، خلال سنة عجفاء، أن الجولاني، والذي دخل إلى البيت الأبيض من الباب الخلفي، فوت الفرصة التاريخية للم شمل السوريين وتوحيدهم حول الوطن وليس حوله "كرئيس" قادم ودائم، حوّل هذه الفرصة الثمينة إلى لحظة انقسام وتطييف، ومملوءة بالكراهية والحقد، لحظة رعب حقيقية، دموية وقاتلة، بدد من خلالها فرصة ولادة وطن الكرامة والحرية، ودولة القانون والمؤسسات والمواطنة المنشودة.