سوريا... عام على الخديعة و نجاح الصفقة

مرّ عامٌ على سوريا من دون نظام الأسد البائد، ومع وصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة. عامٌ لم تُخفِ فيه السلطة الجديدة توجّهاتها في أخذ البلاد نحو منحًى جديد ومغاير، دخلت معه سوريا في حالة فوضى عارمة، وإقصاءٍ كاملٍ لمكوّناتٍ سوريةٍ عقابًا لها على إيمانها وانتماءاتها الدينية أو القومية.
عامٌ مرّ، بمعنى انتهى، لكنه بطعم العَلْقَم؛ تذوّقه السوريون بعد سلسلة المجازر المتنقّلة من الساحل إلى أشرفية صحنايا وجرمانا فالسويداء، وتمّوزها الدامي الإبادي، إلى حمص… والحبل على الجرّار. عنفٌ طائفي، وخطاباتُ تحريض، و"فزعات" عشائر جاهزة وتحت الطلب.
عامٌ انقضى… يحقّ للسلطة القائمة في دمشق أن تحتفل؛ ومن أحقّ منها وجمهورها بالاحتفال؟ فهي قد تكون الوحيدة في العالم المحميّة من الخمسة الكبار؛ تُحقِّق في الجرائم، وتمنح صكوك البراءة، وتُحمِّل الضحايا المسؤولية الكاملة. سلطةٌ لا تخجل من سؤال الضحايا: ما دينكم؟ ولا تخجل من ماضيها الدموي، ولا من المجازر التي ارتكبتها بحق السوريين قبل عام ٢٠٢٤ وبعده.
من هو أحقّ من هذه السلطة وجمهورها بالاحتفال، بعد زيارة البيت الأبيض، وعواصم الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن؟ سلطةٌ فوق القوانين الدولية، تعمل بلا حسيب أو رقيب؛ قانونها: "من يحرّر يقرّر"، وبوصلتها: "أحمدنا، أو نُحرق البلد". وقد تكون السلطة الوحيدة في العالم التي تفعل ما يحلو لها، وهي في حلٍّ من أيّ التزامات أخلاقية أو قانونية.
ما أنجزته في زمنٍ قياسيٍّ لم تستطع فعله سلطةٌ سابقة. فسلطةُ الشرع سجّلت حضوراً غير مسبوق في سجلات موسوعة غينيس: القتلُ في زمنٍ قياسيّ.فمنذ اليوم الأول للوصول إلى سدّة الحكم، بدأت فصول الانتهاكات؛ لأن بنيتها العقائدية والإيديولوجية تعتمد على العنف والقتل والمجازر، ومع كل مجزرةٍ يكون الاحتضان، وكأن دماء الأقليات قد نُذِرت لبقاء هذه السلطة.
عامٌ مرّ، سيبقى كلّ ما رافق هذا "النصر" أو "الفتح"، بكلّ مفرداته، حملاً كاذباً ومسخاً مشوَّهاً لا يليق بسوريا وشعبها، حتى لو كان العالم كلّه مؤيّداً له. فدماء السوريين الأبرياء وأرواحهم غير خاضعة لأيّ مناقشة أو بازار. فالشعوب لن تنسى ولن تسامح.
ثمّة أمرٌ لا يصدّقه عاقل: كيف يحلو الاحتفال بذكرى الانتصار، وعلى المقلب الآخر ثمّة حزنٌ بحجم جغرافيا لم تنتهِ.
اقرأ أيضاً:
عامٌ مرّ، كلّ ما نعرفه عنه أنّنا فقدنا أهلَنا في مجازر وهم عُزّلٌ في قراهم وأحيائهم؛ دمُنا سُفِك على حين خدعة في الساحات والشوارع والمضافات وعلى الشرفات. جثثُ أهلِنا بقيت في العراء عدّة أشهر. مقابرُ جماعيةٌ لأهلِنا في إزرع وعذراء ونجها. وما بين ناجٍ أو معتقل، يوجد مئاتُ المختطفين، ومثلُهم من المُغتَصَبات.
هذا ما نعرفه عن سلطة الجولاني، وهذا ما نُكاشفها به في عامها الأول. لم يمضِ على وجودها في القصر، كما يُقال، سوى أمسِ العصر، وقد ارتكبت ما ارتكبت وهي بصفةٍ مؤقّتة؛ فكيف سيكون الحال وقد استتبّ لها الحكم، وأكملت الإجهاز وتطييف الأجهزة؟
عامٌ مرّ، ثلثُه والسويداء تحت الحصار، ومسارُ موتٍ إجباريٍّ وحيد؛ لا جامعات ولا تعليم، لا انتخابات ولا تعيين، لا تواصل ولا ضامنين… قرىً محتلةٌ ومنهوبة و190 ألف درزيّ خارج بيوتهم.
عامٌ مرّ باتت فيه الهويةُ الوطنيةُ السوريةُ في قاعٍ سحيق
ولم يسبق أن شهدت سوريا هذا الانحدار في كلّ مراحل تاريخها. وهنا تستطيع سلطةُ الشرع أن تُسجِّل باسمها هذا "الإنجاز"، وسيذكر السوريون، بعد فوات الأوان، أنهم وأدوا هويتهم التي ترسّخت عبر عقود، ولم يستطع نظامُ البعث إلغاءها رغم كلّ ما فعل. فجاءت سلطةُ "الانتصار" الحالية، ولديها وصفةٌ سحرية "من السماء" لتبديد وقتل كلّ ما استعصى هدمه طيلة أربعة عشر عامًا، والذهاب بالبلاد نحو المجهول.
الانتكاساتُ واضحةٌ ولا تُخفي نفسها؛ انتكاسةٌ مفجِعةٌ في مفهوم الوطن، وانتكاسةٌ مُجلجلةٌ في مبدأ المواطنة. كوارثُ بالجملة في الإعلام والمنابر الدولية. إنّ النقاش بالمفاهيم الحداثوية والحوار المنطقي في البُنى الفكرية المعاصرة محضُ مهاترةٍ واستنزافُ طاقةٍ لا طائل منه ولا جدوى.
عامٌ مرّ، وكلّ المؤشرات العملية الميدانية - "مؤتمر النصر"، الحوار الوطني، مجلس الشعب، إعلان دستوري يناسب وضع "الشرع" وزمرته في السلطة - تشير إلى ما يشبه تعديل الدستور السوري عندما تم تعيين بشار الأسد خلفاً لوالده. فلم يُدع إلى مشاركة باقي المكونات السورية في إعداد ذلك الدستور، بل اقتصر على مشاركة بطانته وبعض الشخصيات من جماعة الإخوان المسلمين، وذلك بضغطٍ وإشرافٍ تركيٍّ بالدرجة الأولى. وعلى الفور، بدأ بتشكيل ما تُسمّى الحكومة، والتي مثلت لونًا واحداً، اقتصر على تعيين قياداته السابقة في "هيئة تحرير الشام"، كما ضمّت إليها شخصياتٍ مشوّهة ومنبوذة من المجتمع السوري، فيما غاب تمثيل المرأة فيها. ولم يُدعِ ممثلو الشعب الكردي للمشاركة في الحوار وإعداد الدستور، كما غاب العلويون والدروز "السنة" المعتدلون.
ظهر الوجه الحقيقي لـ"الشرع" وحكومته في المجازر التي اُرتكبت في الساحل السوري خلال شهر مارس/ آذار، واقتحمت عناصره الإرهابية جميع مناطق العلويين وأبادت عوائل بأكملها، ولم تفرق بين طفل أو امرأة أو كبير في السن، والعديد من الشبان قتلوا أمام ذويهم، دون إبداء أي نوع من الرحمة أو الإنسانية. وتكرر هذا ابان غزو السويداء ؛ عمدوا إلى توثيق معظم عمليات القتل ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لم يكتفوا بكل ذلك، بل عمدوا إلى خطف النساء والفتيات، في امتهان واضح لكرامة الإنسان والمرأة خصوصاً. وما تزال عمليات قتل العلويين بسبب انتمائهم الطائفي وبجريرة النظام السابق مستمرة في مناطق الساحل السوري وفي حمص وريف حماه الغربي .
احتكار السلطات، الهيمنة الإسلامية السياسية على الدوائر الرسمية وغير الرسمية، المجازر الطائفية المتنقلة، الخطف الفئوي المنهجي، حملات الوفاء إلخ.
المشكلة الكبرى أنّ الغالبية العظمى من نخب المثقفين والمتنورين في الحاضنة ما زالوا ينظرون إلى الخلل البنيوي باعتباره أخطاءً فردية أو استثنائية عابرة.
لقد تجلّى التعامل مع السوريين على أساس طائفي في مجازر الساحل، التي ارتُكبت على خلفية طائفية بعد تحميل طائفةٍ بأكملها مسؤولية أفعال النظام السابق وأتباعه.
صحيح أن السلطة السورية لم تعلن هذا الاتهام صراحة، إلا أنها لم تتصد له بالقدر الكافي لحماية المدنيين في الساحل من الهجوم العنيف الذي تعرّضوا له في آذار، والذي دفعوا ثمنه بأرواحهم وإصاباتهم. وتكرّر السيناريو في "جرمانا" و"أشرفية صحنايا" والسويداء.
عامٌ مرّ، غابت فيه الدولة وحضر المشايخ، وتزايد دور رجال الدين والطوائف في التحدث باسم "أبناء الطائفة"، واعتبارهم الجهة المخوّلة للتواصل مع السلطة، وكأن العلاقة قائمة بين طرفين: دولة المشايخ من جهة، ومشايخ الطوائف من جهة أخرى، دون الأخذ في الاعتبار أنّ الدولة مسؤولة عن جميع مواطنيها دون استثناء أو تمييز، وأنه يجب التعامل معهم على قدم المساواة، دون تفضيل طائفة على أخرى أو التقليل من شأن مذهب على حساب آخر.
كثيرون من مؤيدي الجولاني اليوم يصرّون على أنّه "نعمة" من السماء لهذه البلاد لتطهيرها من رجس النظام السابق الكافر، أعلم أنّ الشرع أضعف من الأسد ولم يحنّ له الوقت ليكرّس نظاماً يحميه كنظامي الأسدين الأب والابن، لكن أرى أنّه يسير نحو هدفه بخطى ثابتة: هدف الحفاظ على الحكم، وربما تحويل سوريا إلى مزرعة أو ملكية. مصلحة سوريا والشعب السوري ليست في حساباته؛ فسوريا بالنسبة له ولحاشيته ليست إلا غنيمة حرب، ومن أجل هدفه، يقدّم التنازلات للجميع: إسرائيل، روسيا، تركيا، أمريكا، فرنسا، وبريطانيا.
لا يهمني كيف استقبله ترامب ومن أي باب وصل، بل يهمني أنّه استقبله وأعطاه شرعية أميركية. وأُدرك أنّ الشرع كان محظوظاً بتزامن تسلّمه السلطة مع وجود شخصية مثل ترامب، رجل الصفقات والرشاوى في البيت الأبيض. ومن أجل هدفه بتكريس حكمه، وافق الشرع أن يكون خادماً لأميركا وترامب، وترامب يروق لهؤلاء السياسيين على شاكلة الجولاني. ولهذا، لا تفاجئني الألفة بين هذين الرجلين، ولا رشة العطر على رقاب "رجال القاعدة"، أو المهوسين بالسلطة، أو المستجدين بها.
عامٌ مرّ، بتنا خلاله على قناعة أكثر بأوهام ضغط المجتمع الدولي؛ فكل دولة تبني مواقفها على مصالحها، وحقوق الإنسان ليست إلا ورقة يستخدمونها إذا استدعت مصلحتهم ذلك.
يؤلمنا الحصار والجوع والخذلان والخديعة؛ يؤلمنا هذا الانحطاط والجهل. أن تُقتل في معركة فهذا مفهوم، لكن أن تُقتل وأنت في بيتك لأنك درزيّ، وأن تُختطف النساء ويُستغللن من قبل الحكومة، فهذه سوابق ستُسجَّل لحكومة الشرع كبراءات اختراع.
عامٌ مرّ، وربما اثنان أو أكثر، ولا نعرف ما هي مدة الاعتماد لساكن القصر. لا نعول على أحد، ولا نعلم إن كنا سننتصر يومًا بتحقيق حلمنا في الوصول إلى سوريا حرة، ديمقراطية، علمانية، عادلة، تحترم جميع مواطنيها ومواطناتها. لكني أعلم أنّي، كغيري الكثيرين، لن نستسلم وسنبقى نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية. لا يهمنا من يكون الحاكم لتلك البلاد طالما سيحكم بالدستور والقانون؛ فهذه هي سوريا التي نطمح لبنائها.