info@suwar-magazine.org

تكلفة الانهيار الوطني الشامل بعد سنة من الفوضى

تكلفة الانهيار الوطني الشامل بعد سنة من الفوضى
Whatsapp
Facebook Share

 

في الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام بشار الأسد، لا تبدو سوريا وكأنها خرجت من نفق الاستبداد المظلم إلى فضاء الحرية المنشود، بل انزلقت إلى هاوية أعمق: هاوية انهيار الدولة والمجتمع معاً. فما كان يُفترض أن يكون بدايةً لمرحلة جديدة من الكرامة والعدالة، تحوّل خلال اثني عشر شهراً فقط إلى مشهد من التفكك الشامل الذي أصاب البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية للدولة السورية، لم يكن سقوط النظام مجرد تغيير في القيادة، بل لحظة انكشاف هشاشة العقد الاجتماعي الذي كان يربط بين مكونات المجتمع السوري، وبدلاً من أن تفتح هذه اللحظة الباب أمام نظام ديمقراطي تعددي، تحولت إلى انتقال مرعب من استبداد الدولة إلى استبداد الميليشيات، ومن حكم الفرد الواحد إلى حكم الجماعات المسلحة المتصارعة.

 

 

 

التحول الديموغرافي.. من التنوع إلى الإقصاء

خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، شهدت سوريا واحدة من أسرع وأقسى عمليات إعادة الهندسة الديموغرافية القسرية في التاريخ الحديث، فوفقاً لمفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين (UNHCR)، نزح داخلياً نحو 4.8 مليون سوري خلال عام واحد فقط، فيما فرّ أكثر من 2.3 مليون إلى دول الجوار، بزيادة بلغت 40% مقارنة بما قبل سقوط النظام، وتشير تقارير منظمة الهجرة الدولية (IOM) إلى أن 93% من هذا النزوح كان قسرياً وليس طوعياً، ما يعكس حجم المأساة الإنسانية.

 

 

الأقليات الدينية والمذهبية كانت الأكثر تضرراً، فالمسيحيون انخفض عددهم من 1.8 مليون إلى 450 ألفاً فقط، وتعرضت 85% من الكنائس والأديرة للتدمير أو الإغلاق، فيما واجه 94% منهم في مناطق سيطرة الجماعات المتطرفة تهديدات مباشرة بالقتل أو التحويل القسري.

 

 

العلويون فقدوا حضورهم في مناطق المعارضة بنسبة 72%، مع إفراغ 150 قرية بالكامل وتدمير 67% من مراكزهم الثقافية والاجتماعية.

 

 

أما الدروز، فقد نزح منهم 55% من مناطقهم التقليدية، وفقدت 13 بلدة أكثر من نصف سكانها، فيما تعرضت 40 مزاراً دينياً للتدنيس أو التدمير المتعمد، والشيعة هُجّر 78% منهم من حلب وحمص وحماة، وأُفرغت 22 حياً شيعياً تاريخياً بالكامل، إضافة إلى تدمير 15 حسينية ومركزاً دينياً.

 

 

هذا التغيير الجذري انعكس على التركيبة السكانية في معظم المحافظات، حيث شهدت 11 محافظة من أصل 14 تحولات ديموغرافية عميقة، وفقدت 68 مدينة وبلدة تنوعها التاريخي لتتحول إلى كيانات طائفية متجانسة، كما اختفى نحو 43% من الأحياء المختلطة التي كانت سمة مميزة للمدن السورية، ما أدى إلى انهيار النموذج الاجتماعي القائم على التعايش.

 

اقرأ أيضاً:

 

                             حين يُكافأ الإرهاب وتُغتال العدالة

 

 

من اقتصاد الدولة إلى اقتصاد الميليشيات

لقد تجاوزت أزمة الاقتصاد السوري حدود الانهيار التقليدي لتصل إلى مرحلة أشبه بالتحلل الهيكلي، فبعد انكماش يقارب 70% وتضخم تخطى 340% خلال عام واحد، لم يعد النظام الاقتصادي يعمل بمنطق السوق أو الدولة، بل بمنطق البقاء في ظل حرب مستمرة، الليرة السورية فقدت أكثر من 90% من قيمتها، ما أفقد المدخرات والأجور معناها، وحوّل الحياة اليومية إلى صراع من أجل البقاء.

 

 

المأساة لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في التحول النوعي الذي أصاب البنية الاقتصادية، شبكات التهريب والميليشيات حلّت محل المؤسسات المالية، فيما أصبحت المساعدات الإنسانية – التي تصل عبر قنوات سياسية – بديلاً عن الإنتاج الوطني، أكثر من 90% من السكان باتوا يعتمدون على هذه المساعدات، بينما تتحكم مجموعات مسلحة في المعابر والموارد، ما جعل الاقتصاد أداة للسيطرة السياسية والاجتماعية بدلاً من كونه أداة للتنمية.

 

 

الأخطر أن الشركات الكبرى لم تسلم من هذا الانهيار، إذ جرى الاستيلاء عليها من قبل شخصيات مرتبطة بزعيم هيئة تحرير الشام أبو محمد الجولاني «أحمد الشرع لاحقاً»، وبمباركة مباشرة منه، فشركة «سيريتل» للاتصالات تحولت إلى أداة للنهب والابتزاز بعد أن منح الشرع تفويضات لعدد من المقربين للسيطرة عليها، ومن بين هؤلاء برز اسم الإرهابي أبو مريم الأسترالي الذي تولى إدارة شبكات مالية غير شرعية، إلى جانب حازم الشرع «شقيق» الرئيس، الذي أصبح عملياً المتحكم الأول بكل مفاصل الاقتصاد السوري، واضعاً موارد الدولة تحت رحمته وشبكته الخاصة.

 

 

كما أن الصناعة والزراعة، وهما الركيزتان التاريخيتان للاقتصاد السوري، توقفتا تقريباً، لتحل محلهما «اقتصاديات النهب» المؤقتة، لتكون النتيجة دولة بلا إنتاج حقيقي، وشعب يعيش على فتات المساعدات، في واحدة من أسرع وأشمل الانهيارات الاقتصادية في العصر الحديث.

 

 

 

الأمن والإنسان والانهيار الشامل

الانهيار الأمني تحوّل إلى نسيج يومي من الرعب. فبعد فقدان أكثر من 75% من القدرات العسكرية التقليدية، لم تعد الدولة قادرة على احتكار العنف أو فرض النظام. وثّقت منظمات حقوقية أكثر من 60 ألف انتهاك جسيم خلال عام واحد، تراوحت بين اختطاف واعتقال تعسفي وقتل طائفي، نفذتها نحو 40 ميليشيا مسلحة مختلفة.

 

 

الخارطة الأمنية انقسمت إلى سبع مناطق نفوذ متنافسة، يسيطر كل منها على معابر وموارد حيوية، ما جعل حركة المدنيين أشبه بمقامرة يومية، مفهوم المواطنة انهار مع تحوّل الحماية إلى سلعة طائفية أو عائلية، تُباع وتُشترى بحسب الولاءات، أما السيادة الوطنية فتحولت إلى وهم، في ظل سيطرة الميليشيات على 60% من الحدود البرية، فيما أصبحت مؤسسات الدولة مجرد واجهات خاوية تغذي فوضى لا تستثني أحداً.

 

 

 

التفكك السياسي.. من الدولة إلى الكانتونات

تشير بيانات «مشروع تقييم الصراع السوري» إلى أن الحكومة المركزية فقدت السيطرة الفعلية على 53% من مساحة البلاد لصالح خمس كيانات مسلحة رئيسية، تتحكم كل منها بمناطق حدودية حيوية، وتعمل بأنظمة قضائية وجبائية منفصلة، بل وتدير علاقات خارجية مستقلة مع دول راعية.

 

 

هذا التفكك لم يقتصر على الجغرافيا، بل طال المؤسسات نفسها، حيث حولت المحاصصة الطائفية 68% من المؤسسات الحكومية المتبقية إلى هياكل فارغة بلا وظيفة حقيقية، فيما تسيطر الميليشيات على 70% من المعابر البرية و85% من المنافذ النفطية، النتيجة أن سوريا تحولت إلى دويلات غير معترف بها، تعمل بمنطق اقتصاد الحرب والولاءات الخارجية أكثر مما تعمل بمنطق السيادة الوطنية. لم يعد هناك مركز سياسي واحد، بل سلطات متنازعة تتقاسم الأرض والموارد، لتجعل من الدولة مجرد اسم بلا مضمون.

 

 

 

سوريا في قبضة الآخرين

على الصعيد الدولي، لم تعد سوريا دولة ذات قرار مستقل، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ بين قوى إقليمية ودولية، المساعدات الخارجية أصبحت شريان الحياة الوحيد للاقتصاد، لكنها تُستخدم كأداة ضغط سياسي أكثر من كونها دعماً إنسانياً. في الداخل، تهيمن الميليشيات على الموارد المحلية وتربطها بشبكات تمويل خارجية، ما جعل الاقتصاد السوري رهينة مزدوجة بين الخارج المانح والداخل المسلح.

 

 

هذا الوضع أفقد سوريا دورها التقليدي كفاعل إقليمي، وحوّلها إلى مجرد موضوع للصراع بين الآخرين، الحدود والمعابر تُدار وفق تفاهمات خارجية، ومناطق النفوذ تُقسم بحسب مصالح القوى الكبرى، فيما السيادة الوطنية لم تعد سوى واجهة شكلية تخفي واقعاً من التبعية والانقسام.

 

 

 

درس في مخاطر الانهيار الوطني

بعد عام واحد من سقوط النظام، لم تولد الدولة الجديدة، بل انهارت الدولة القديمة. التجربة السورية تكشف أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الشعوب ليس الاستبداد وحده، بل الفراغ الذي يخلّفه سقوط الدولة. فالاستبداد، مهما كان قاسياً، يبقى شكلاً من أشكال السلطة، أما انهيار الدولة فهو غياب كامل للسلطة، وتحول المجتمع إلى كانتونات متصارعة بلا عقد اجتماعي ولا هوية جامعة.

 

 

بالنهاية لم يكن هناك تحرير بل مجرد تغير، فقد تغيّر شكل الطغيان، لكن جوهره بقي كما هو، من دكتاتور واحد إلى أمراء حرب متعددين، من فساد مركزي إلى شبكات نهب موزعة، ومن قمع الدولة إلى عنف الميليشيات، بهذا المعنى، لم يكن سقوط النظام بدايةً للحرية، بل بدايةً لفوضى مقنّعة بعباءة التحرير.

 

 

الدرس القاسي الذي تقدمه سوريا اليوم هو أن الإصلاح السياسي الحقيقي وحده قادر على إنقاذ المجتمعات، أما إسقاط الأنظمة دون بديل وطني جامع فهو وصفة مؤكدة للانهيار، وما بين الإصلاح والانهيار يكمن الفرق بين أمة قادرة على الحياة وأمة محكومة بالموت البطيء.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard