info@suwar-magazine.org

عرائس للعب… أم عرائس للجنّة؟

عرائس للعب… أم عرائس للجنّة؟
Whatsapp
Facebook Share

 

كنا أمس في رحلةٍ إلى الجبال الصحراوية. ابنة أختي، ذات السبع سنوات وبضعة أشهر، كانت معنا. في العام الماضي، في المكان نفسه، شاركتِ الشبابَ مغامرتهم بسيارات الدفع الرباعي عبر الكثبان الرملية. كانت الفكرة مفعمةً بالحماسة بالنسبة لها فأرادت التجربة، لكن ما إن بدأت الجولة حتى تحوّل الحماس إلى خوفٍ متصاعد ثم رعبٍ وصراخ، عندما وصلت السيارة إلى قمة الكثيب بعد سلسلة من التموجات بفعل انزلاق الرمل. بدا لها الزمن طويلًا وهي تنتظر أن يعودوا إلى أرضٍ ثابتة كي تتمكن من النزول. بقي المشهد منقوشًا في ذاكرتها عامًا كاملًا.

 

 

احتضنتها، وحاولت أن أحتوي خوفها. ورأيتها بعينين مختلفتين: هشة صغيرة، تخاف وترفض الألم، وتتمسّك بفرحها البريء. رأيتها هكذا لأن صورةً أخرى ارتسمت في ذهني… صورة طفلة أخرى من السويداء، في العمر نفسه، لكنها لم تُمنح رفاهية الخوف البريء من اللعب الخشن؛ طفلة كان يفترض أن تختار عروساً تلعب بها لتتسلى، فإذا بهم يجعلونها هي نفسها "العروس" في مسرحٍ أرادوا له أن يكون حقل خراب.

 

 

فالذين هجموا على السويداء لم يكن في رؤوسهم سوى تعليمات الخراب الشامل. مغول العصر الحديث: خليط من عناصر أمنٍ وجماعات منفلتة، بلا أخلاق ولا وازع، يتحركون كقطيع خنازير برية، لا يشعرون بألم ولا رحمة، بما يؤكّد تعاطيهم الممنوعات.

 

اقرأ أيضاً:

  

                           شهادة شيخ من "عُقّال" السويداء

     

                         من ينشر الموت يغتال من يستحق الحياة

   

 

تحكي لي ناديا ما رأته من نافذة بيتها الملاصق للمقام الديني "عين الزمان". شاهدت أبشع المشاهد داخله وبجواره، في حارةٍ لم يتركوا فيها فظاعة لم يرتكبوها. النساء احتمين بالمقام، يمسكن بكتب الحكمة المقدسة، معتقداتٍ أن من يدّعون الإسلام ويصرخون "الله أكبر" سيتوقفون أمام كتابٍ مقدّس، أيًّا كان. لكن لا شيء أوقفهم. كانت الجرائم تُرتكب في كل مكان، وخصّوا الأماكن المقدسة بالحرق والتدمير لأنها بالنسبة لهم رموز "ردّة" يجب نسفها.

 

 

كما خطفوا صبية من منزل الجيران، وبدأوا يتناوبون على اغتصابها. كان صراخها يقطع نياط القلب؛ لا يُعرف إن كان الألم من العنف أو لأنها كانت ما تزال عذراء لا تستوعب ما يجري. كان صوتها زئيراً يملأ الفضاء. ذاك المشهد الذي تخبّئه الفتيات ليهدينه لعريسٍ محبّ في غرفة زوجية، صار استباحةً على الطرقات؛ دون مراعاة، دون طقوس سوى الوحشية، ودون أثر للإنسانية.

 

 

ناديا، وقد جُمّدت اللغة في فمها، لم تعرف ماذا تقول. لم ترَ في حياتها ما يشبه هذا المشهد، وهي التي تربّت في بيئةٍ يعفّ الناس فيها عن أبسط التلميحات الجنسية. قالت فقط: "يا بلا أدب… عيب عليكم… اتركوها." لم تجد كلمة توازي خزي ما رأت. كان الرجال يصطفون، ينتظر كل منهم دوره.فصرخ بها أحدهم: "روحي… ولا تطلعي علينا"، مهدداً إياها بالسلاح. وأكملوا ما بدأوه "باستمتاع".

 

 

أما رنا، في الطابق الثاني من بيتٍ بحارةٍ جانبية، فقد ظنّت في البداية أن ما يُنشر على الفيسبوك مبالغة. لم يكن أحد في السويداء يتخيّل أن بيوتهم قد تطالها يدُ الحكومة نفسها. بقيت في البيت. لكن حين ارتفع صوت القذائف، هرعت إلى الدرج، فصرخت بلا وعي. تزامن صراخها مع انفجار قنبلة قريبة. وعندما لجأت لجارتها، رأت جسدين لأبناء الجارة: الأول ملقى على الأرض، كاملاً، مضرجاً بدمائه؛ والجسد الآخر لم يبقَ منه إلا نصفه السفلي، بينما التصق نصفه العلوي أشلاء على سقف الغرفة… ورأسٌ يتدحرج.

 

 

وحين رأت الرعب مضاعفاً عادت إلى البيت بكل ذهولها.لتحتمي تحت السقف الإسمنتي أسفل منور الدرج. ورأت ماءً يتسرب تحتها؛ اكتشفت أنها بلّلت ثيابها من شدة الخوف، وهي امرأة في الخمسين.

لكن المشهد الذي ينهش قلبي، والذي غيّر نظرتي لابنة أختي، هو ما روته لي أختي عن رفيقةٍ قديمة رأتها بعد سنوات. كانت تعيش بالقرب من المشفى. لم يغادروا بيتهم رغم أن المنطقة تشتعل والدبابات تملأ الشوارع. وهديرٌ يهزّ الأرض مع كل دبابةٍ تمرّ، فترتجّ البيوت على حواف الطريق. بيتها قبوٌ جانبي، يصعب رؤيته، ومع ذلك حضرت جرة غاز ووضعتها أمام الباب، لتفجّر نفسها معهم إذا اقتربوا.

 

سمعت أصوات اقتحام الطابق العلوي، إطلاق النار، وتكسير الأغراض. ثم أصوات جيرانهم يصرخون بلا توقف من الصباح إلى المساء. لم تتجرأ على الخروج رغم قرب المسافة. وبعد يومين، حين تأكدوا من انسحاب القوات، عرفت الحقيقة: كانوا عدة أسرٍ مجتمعة، حين دخلوا عليهم. أخذوا ابنتهم ذات الثماني سنوات واغتصبوها جماعياً أمام أهلها. ثم غادروا. لكن البنت ظلت تتعذّب ساعات في حضن أمها… حتى خرجت روحها.

 

 

لم أعرف في حياتي أن رجلاً إلا إن كان من آكلي لحوم البشر—يفعل هذا بطفلة في حجم طفلتنا التي خافت من انزلاق سيارة فوق الرمل.

طفلة أراد الله لها اللعب… وأراد لها البشر الذبح.
 أرادت عرائس للعب… فجعلوها "عروساً" تُزفّ إلى الجنّة التي وعدوا أنفسهم بها، ومفتاحها هؤلاء الحوريات.

وهكذا اكتمل المشهد: طفلة تبكي من خوفٍ بسيط فوق كثيبٍ رملي، وطفلة أخرى تبكي من ألمٍ لا يطيقه بشر. وبينهما وطنٌ حوّلوه إلى مسرح دمى للرعب بدل التسلية؛ فيما نحن نحاول، بما تبقى من إنسانيتنا، أن نحتضن أطفالنا ونمنحهم ما يستحقونه: حياة بلا رعب.

 

 

وما يزال السؤال يلاحق الناس: ما الرسالة التي أرادوا إيصالها عبر جرائم كهذه، والأنكى عبر تصويرها ونشرها؟
 أهل هذه المدينة البسيطة الفقيرة لم يطمعوا إلا بترابها ومحبتها. عاشوا في أمنٍ وسلام، لا معتدين ولا طامعين، أرادوا فقط الحفاظ على عرضهم وكرامتهم.

فما الذي فعلوه كي يُردّ عليهم بكل هذا العنف؟
 وكيف يتساءل البعض بعد كل ذلك عن "حقد" يمنعنا من العودة إلى "حاضنة" الوطن الأم؟

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard