info@suwar-magazine.org

من شكيب أرسلان إلى عبد الرحمن الكواكبي: الطائفة، الخوف، والمأزق السوري

من شكيب أرسلان إلى عبد الرحمن الكواكبي: الطائفة، الخوف، والمأزق السوري
Whatsapp
Facebook Share

 

أتساءل، باستنكار بالغ، يكاد يلامس الغضب:

ـ كيف لبلاد قدّمت واحداً من أكثر العقول العربية–الإسلامية انفتاحاً ووحدوية، أن تُختزل اليوم في خطاب عصبي، يُفاخر بمفردة "القبيلة" كأنها إنجاز، لا سقوط؟

 

 

ليست "القبيلة" هنا توصيفاً أنثروبولوجياً بريئاً، بل إعلان انكفاء، وتراجع عن التاريخ، وانسحاب من المجال الوطني إلى ما قبل الدولة، الأخطر من ذلك أن هذه المفردة لا تأتي من هامش جاهل، بل تتكرر على ألسنة زعامات راهنة، زعامات بلا جذور حقيقية، لا في التاريخ الاجتماعي للبلاد، ولا في مسارها الوطني.

 

 

زعامات لم تولد من صراع الأفكار، ولا من تمثيل الناس، بل صُنعت حين استبدلت السياسة بالولاء، والزعامة بالخدمة،  فباتت مقدمات خطاباتها لاتخلو من تكرار:

ـ أنا أحمي قبيلتي.

 

حين تُستدعى "القبيلة" في هذا السياق، لا تُستدعى لحماية الناس، بل لإبقائهم أسرى الخوف.. تُستدعى لتبرير الصمت، وتقديس الحذر، وتحويل الذريعة  السياسية إلى ذريعة للشلل الأخلاقي، وهي في جوهرها، ليست سوى اللغة التي يستخدمها الاستبداد حين يريد جماعة بلا مواطنين، وطائفة بلا أسئلة، بما يعني:

ـ قبيلة وشيخ قبيلة.

 

هنا لا يكون السؤال عن طائفة، أو مجموعة بعينها، بل عن المعنى الذي جرى اغتياله.. عن المسافة الهائلة بين شكيب أرسلان، الذي رأى في الطائفة انتماءً ثقافياً داخل أفق أمة، وبين خطاب اليوم الذي يراها قطيعاً يحتاج إلى راعٍ.. بين فكرٍ كان يخشى التفكك، وخطابٍ لا يرى في التفكك سوى وسيلة للبقاء.

 

 

ولكن التحول من طائفة إلى قبيلة وفق أرسلان ليس قدراً، بل خيار سياسي فُرض من فوق، ودُفع ثمنه من كرامة الناس وحقهم في أن يكونوا أكثر من أرقام في معادلة أمنية.. ما يُنتج السؤال الحقيقي.

 

السؤال الحقيقي ليس:

ـ لماذا يحدث ذلك؟

بل:

 لماذا يُسمح بحدوثه وقد بات اللغة المُعتَمَدَة  للطوائف؟

الآن، بات ضرورياً (أقلّه بالنسبة لي)، استعادة ما يمكن استعادته من شكيب أرسلان، أمير الكلمة، إجابة عن هذا السؤال، والآن، أعيد السؤال ثانية:

ـ لماذا يُسمح لأن يحدث هذا باسم الطوائف، وفي الذاكرة، مفكّرون من وزن الأمير شكيب أرسلان، ذاك الرجل الذي يحق وصفه بـ :

ـ ساعي ضمير الحرية ، لا يهادن الانقسام ولا يخشى الانتصار للإنسان يوماً.

 

 

فما الذي كان يراه أرسلان، انطلاقاً من رؤيته ؟

لم يكن شكيب أرسلان مفكراً يكتب عن الطائفة من داخل أسوارها، بل عقلاً قلقاً كتب ضد انغلاقها قبل أن يتحول الانغلاق إلى سياسة عامة، ما يدهش في تجربة أرسلان ليس فقط أنه انحدر من بيئة درزية ذات خصوصية عقدية، بل أنه رفض مبكراً تحويل هذه الخصوصية إلى هوية سياسية، أو إلى مشروع حماية، أو إلى ذريعة خوف.. رأى في الطائفة معطى تاريخياً وثقافياً، لا كياناً سياسياً مستقلاً، واعتبر أن لحظة خروجها من الصيغة الوطنية هي لحظة سقوطها الأخلاقي، لا لحظة نجاتها.

 

 

كتب أرسلان في زمن كانت فيه السلطنة العثمانية تتفكك، وتُعاد صياغة المشرق على يد القوى الاستعمارية، وكان يدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس سقوط دولة، بل تحول الجماعات إلى بدائل عن الدول، من هنا جاء موقفه الحاد من فكرة "حماية الأقليات"، التي رآها باباً واسعاً لتحويل الطوائف إلى أدوات، وإدخالها في علاقة تبعية دائمة مع الخارج.

 

 بالنسبة له، لم تكن الطائفة مهددة لأنها أقلية، بل لأنها قد تُغرى بالخروج من المجال الوطني إلى مجال الخوف.

 

بهذا المعنى، استبق شكيب أرسلان اللحظة السورية–اللبنانية الراهنة بدقة مقلقة.. أدرك أن الصيغة الطائفية، سواء جاءت معلنة كما في لبنان، أو مستترة كما في سوريا، لا تنتج استقراراً، بل تؤسس لحروب مؤجلة.. كان يرى أن الطائفة، حين تُستدعى بوصفها فاعلاً سياسياً، تفقد وظيفتها الاجتماعية والروحية، وتتحول إلى كيان تفاوضي، يعيش على توازنات القوة لا على فكرة المواطنة.. الطائفة، في نظره، لا تحمي أبناءها حين تنعزل، بل حين تصبح غير ضرورية سياسياً؛ حين يشعر الفرد أن حقوقه لا تمر عبر زعيم، ولا تُشترى بالخوف، بل تُستمد من كونه مواطناً.

 

 

اليوم، في سوريا ولبنان، حيث تحولت الطوائف إلى ملاذات قسرية، والخوف إلى خطاب، تعود أفكار شكيب أرسلان لا بوصفها تراثاً فكرياً، بل بوصفها سؤالاً حياً.
كيف يمكن لجماعات متعددة أن تعيش داخل وطن واحد دون أن تتحول إلى قبائل؟
وكيف يمكن للطائفة أن تنجو من نفسها، لا من الآخرين؟

 

هذا المقال محاولة لقراءة شكيب أرسلان لا من موقع التاريخ، بل من موقع الراهن؛ لا بوصفه أميراً درزياً، بل بوصفه مفكراً أدرك باكراً أن أخطر ما يواجه الطوائف ليس الاضطهاد، بل فقدان الفكرة التي تجعلها جزءاً من وطن، لا بديلاً عنه.

 

 

الأمير شكيب أرسلان (الدرزي)، لم يتعامل مع الدروز بوصفهم مسألة فقهية أو عقدية،  بل بوصفهم جماعة تاريخية/ سياسية تشكّلت داخل الفضاء الإسلامي، وتفاعلت معه، وأسهمت في صراعاته، ودفعت أثماناً باهظة نتيجة موقعها الجغرافي والسياسي، ومن هنا، فإن فلسفته في تحديد علاقة الدروز بالمحيط الإسلامي، لم تكن دفاعاً مذهبياً ضيقاً، بل رؤية وحدوية تستند إلى التاريخ، والمصير المشترك، والضرورة السياسية.

 

 

كان أرسلان، وهو الدرزي المولد، واعياً تماماً للإشكالية التي تحيط بالطائفة الدرزية، فهي طائفة ذات عقيدة باطنية مغلقة، لكنها في الوقت ذاته نشأت تاريخياً داخل الإسلام الفاطمي، وتكلمت لغته، وعاشت في جغرافيته، وشاركت في حروبه وسلطناته، لذلك رفض الأمير اختزال الدروز في تعريف عقدي يُقصيهم عن محيطهم، ورأى أن هذا الإقصاء لم يكن يوماً سوى أداة سياسية استخدمها الاستعمار، أو بعض التيارات المتعصبة، لتفكيك المجتمعات المشرقية.

 

 

في كتاباته ومواقفه السياسية، أكّد شكيب أرسلان أن الدروز جزء من الأمة الإسلامية بالمعنى الحضاري والسياسي، حتى وإن اختلفوا مذهبياً عن التيار السني الغالب، وهو هنا يستعيد تعريفاً واسعاً للإسلام، لا يقوم على الانتماء الفقهي الصارم، بل على الانتماء إلى دار الإسلام، وتاريخه، وثقافته، ومعاركه الكبرى، وبهذا المعنى، كان يرى أن إخراج الدروز من المحيط الإسلامي هو تزوير للتاريخ، ومقصلة لهم، فكان شديد الحساسية تجاه محاولات تصوير الدروز كجسم غريب أو كحليف طبيعي للغرب.

 

 

كان يعتبر أن هذه الصورة صنيعة استعمارية، غذّاها جهل متبادل، واستثمرت في سرّية العقيدة الدرزية لتكريس القطيعة، لذلك دافع في أكثر من موضع عن الدروز بوصفهم جماعة عربية، إسلامية الانتماء الحضاري، شاركت في مقاومة الاستعمار، ولا سيما في جبل العرب وسوريا الكبرى.

 

في فلسفته السياسية، ربط شكيب أرسلان مصير الدروز بمصير العالم الإسلامي الأوسع.. لم يكن يؤمن بإمكانية نجاة الأقليات عبر الانعزال، بل رأى أن الاحتماء بالمحيط الإسلامي هو الضمانة الحقيقية لبقائها، ولهذا انتقد بشدة أي نزعة انفصالية أو خصوصية سياسية مغلقة، سواء عند الدروز أو غيرهم من الأقليات، معتبراً أن هذه النزعات لا تؤدي إلا إلى تحويل الجماعات الصغيرة إلى أدوات في يد القوى الكبرى.

 

 

لم يطالب الدروز بالتخلي عن خصوصيتهم المذهبية، ولم يسعَ إلى تذويبهم عقدياً، بل دعا إلى صيغة تعايش داخل وحدة أكبر:

 ـ وحدة الأمة في مواجهة الاستعمار، ووحدة العرب في مشروع النهضة، ووحدة المسلمين في الدفاع عن كيانهم التاريخي.

 بهذا المعنى، كان تصوره أقرب إلى الاندماج الحضاري لا الذوبان، وإلى الشراكة لا الإلغاء.

 

فلسفته حول علاقة الدروز بالمحيط الإسلامي قامت على ثلاث ركائز أساسية:
ـ أولاً، اعتبار الدروز جزءاً أصيلاً من التاريخ الإسلامي السياسي والثقافي.

ـ ثانياً، رفض استخدام الاختلاف المذهبي كأداة للإقصاء أو التخوين.
ـ ثالثاً، التأكيد على أن وحدة المصير تفرض وحدة الموقف في مواجهة الاستعمار والتفكك.

 

 

بهذا التصور، لم يكن شكيب أرسلان "مدافعاً عن الدروز" بقدر ما كان مدافعاً عن فكرة الأمة، وكان يرى في إنصاف الدروز داخل المحيط الإسلامي اختباراً أخلاقياً وفكرياً لقدرة هذا المحيط على تجاوز انغلاقه، وبناء وحدة تتسع للتعدد، لا تُقصيه.

 

اقرأ أيضاً: 

  

 

                        سوريا التي يمتطيها الخوف... كلام لايرضي أحداً

 

                 الدولة الدينية.. العدو شرط بقاء، باسم الله ودون علم الله

  

 

ـ بعض من سيرة الأمير:

 

عاش شكيب أرسلان لحظة تاريخية استثنائية، يمكن وصفها بأنها زمن انهيار المرجعيات الكبرى:
. ـ انهيار السلطنة العثمانية
. ـ صعود القوميات الأوروبية
. ـ بداية الانتدابات الاستعمارية على العالم العربي

 ـ تفكك مفهوم "الأمة" لصالح الهويات الجزئية والطائفية

شهد الحرب العالمية الأولى، وسقوط الخلافة سنة 1924، وتقسيم المشرق العربي باتفاقيات سايكس- بيكو، وفرض الانتدابين الفرنسي والبريطاني.

هذه الوقائع لم تكن بالنسبة له أحداثاً سياسية عابرة، بل زلزالاً حضارياً يهدد وجود المسلمين كقوة تاريخية.

 

 

بعد الحرب، تنقّل بين أوروبا (خصوصاً سويسرا وألمانيا وفرنسا وشمال أفريقيا)، وأقام فترة طويلة في جنيف، حيث تحوّل منزله إلى ما يشبه مركز اتصال فكري وسياسي لزعماء الحركات الوطنية العربية والإسلامية.. هناك لعب دور الوسيط، والمحرّض، والناصح، والكاتب الذي يخاطب الرأي العام الإسلامي بلغته، ويجادل الغرب بلغته.

 

 

أما انتماؤه الدرزي، فلم يكن بالنسبة له عبئاً أو تناقضاً، بل تجربة شخصية جعلته أكثر حساسية لمسألة الأقليات داخل الأمة، وأكثر رفضاً لتحويل الاختلاف الديني إلى أداة تفتيت.

 

 توفي الأمير شكيب أرسلان 1946 قبل عامين فقط من نكبة فلسطين، وكأنه غادر العالم عند لحظة اكتمال الانكسار الذي حذّر منه طويلاً، ومع ذلك، بقي أثره حاضراً بوصفه ضميراً فكرياً لمرحلة الانتقال من عالم إسلامي متداعٍ إلى عالم عربي ممزق، فكان رجل السؤال الكبير:


ـ كيف يمكن لأمة مهزومة سياسياً ألا تُهزم روحياً؟
وكيف يمكن للاختلاف أن يكون عنصر غنى لا ذريعة للإلغاء؟

 

 

بين شكيب أرسلان وعبد الرحمن الكواكبي:

لم يكن سؤال الأقليات في الفكر العربي- الإسلامي الحديث سؤالاً هامشياً، بل وُلد في قلب الصدمة التاريخية التي أحدثها الاحتكاك بالغرب، وسقوط السلطنة العثمانية، وصعود الدولة الحديثة بوصفها كياناً يقوم على المواطنة لا  الطوائف والملل، وقد مثّل كل من شكيب أرسلان وعبد الرحمن الكواكبي  استجابات مختلفة لهذا السؤال، تعكس اختلاف مواقعهم النفسية والفكرية داخل المشروع النهضوي.

انطلق شكيب أرسلان من موقع إشكالي وفريد:

ـ هو من أقلية دينية درزية، لكنه في الوقت ذاته من أشد المدافعين عن

 وحدة المسلمين.

هذا الموقع جعله ينظر إلى الأقليات لا كـ"مشكلة"، بل كاختبار أخلاقي لقدرة الأمة على استيعاب التعدد.

 

 

في تصور أرسلان، لا تُحلّ مسألة الأقليات عبر الاعتراف بها ككيانات مستقلة، ولا عبر صهرها القسري، بل عبر دمجها في الفضاء الإسلامي–الحضاري بوصفه فضاء تاريخياً وسياسياً مشتركاً.. كان يرى أن أي محاولة لفصل الأقليات عن هذا الفضاء، سواء باسم الحماية الغربية أو الخصوصية الدينية، تؤدي حتماً إلى تحويلها إلى أدوات في يد الاستعمار، لهذا دافع عن الدروز، والمسيحيين العرب، وغيرهم، بوصفهم شركاء في المصير، لا ضيوفاً مؤقتين في دار الإسلام.

 

 

لم يكن خطابه فقهياً، بل سياسياً/حضارياً، يرفض تحويل العقيدة إلى حدود سياسية، ويمكن القول إن أرسلان قدّم تصوراً براغماتياً وحدوياً.. وحدة لا تلغي التعدد، لكنها تضعه داخل أفق أكبر.

 

 

لم يكن بمفرده منشغلاً بالسؤال:

ـ سؤال الأقليات.

عبد الرحمن الكواكبي، كان كذلك منشغلاً بالسؤال، وإن من زاوية نظر أخرى، فقد اقترب الكواكبي من سؤال الأقليات عبر مدخل مختلف تماماً.

لم ينطلق من الهوية الدينية، بل من نقد الاستبداد بوصفه العلّة المركزية.

انطلق من "طبائع الاستبداد"، التي تنتج الطائفية والانقسام، ففي كتابه الأشهر وأعني "طبائع الاستبداد"، لا تظهر الأقليات بوصفها خطراً على الامّة، بل بوصفها "ضحايا مضاعفين":

ـ ضحايا السلطة المستبدة، وضحايا المجتمع الذي يُستثار ضدها (أليس هذا حال علويو سوريا اليوم؟).

 

 

الكواكبي رأى أن الاستبداد السياسي يحتاج دائماً إلى تفكيك المجتمع إلى طوائف ومذاهب، وأنه يستثمر الخوف المتبادل بين الجماعات ليضمن بقاءه.. من هنا، فإن حل مسألة الأقليات عنده لا يكون عبر خطاب ديني توحيدي، ولا عبر حماية خارجية، بل عبر تحرير المجتمع كله من الاستبداد وبناء دولة عادلة تقوم على الحرية والمساواة.

 

 

شكيب أرسلان رأى في الأقليات امتحاناً لوحدة الأمة، وخطراً فقط حين تُعزل عن محيطها.

 

ولو أردنا تلخيص الفارق بينهما، لقلنا إن:

ـ أرسلان فكّر من منطلق الخوف على الأمة من التفكك.

ـ الكواكبي فكّر من منطلق الخوف على الإنسان من الاستبداد.

وهنا، ربما تتجلى أهمية شكيب أرسلان اليوم:

 لا لأنه كان الأجرأ نظرياً، بل لأنه كان الأكثر وعياً بأن الأقليات ليست مشكلة في ذاتها، بل تتحول إلى مشكلة حين تفشل الفكرة الجامعة.

 

 

الأقليات في سوريا ولبنان.. الامتحان المؤجل:

إذا كان شكيب أرسلان والكواكبي قد كتبا عن الأقليات وهما يواجهان انهيار السلطنة العثمانية، فإن سوريا ولبنان عاشتا، منذ نشأتهما الحديثة، ترجمة سياسية دائمة لهذا السؤال:

 ـ هل يمكن لمجتمع متعدّد أن يعيش دون فكرة جامعة؟ أم أن التعدد، حين يُدار خطأ، يتحول إلى لعنة تاريخية؟

 

 

لبنان : انتصار الصيغة على الفكرة.

في لبنان، انتصرت الصيغة الطائفية مبكراً على أي مشروع وحدوي، قام الكيان منذ البداية على مبدأ تقاسم الطوائف للسلطة، لا على اندماجها في أفق وطني جامع.. بهذا المعنى، تحققت نبوءة شكيب أرسلان السلبية:

ـ حين تُعزل الجماعات عن محيطها الأوسع، وتُمنح حماية سياسية خاصة، تتحول من شركاء في المصير إلى كيانات تفاوضية دائمة.

 

لبنان، من زاوية أرسلان، هو مثال حيّ على فشل فكرة "حماية الأقليات" إذ لم يحم الغرب الأقليات في لبنان، بل حبسها داخل خوف دائم، وجعل وجودها مرهوناً بتوازنات خارجية، في حين كان الكواكبي سيقول إن المشكلة ليست في الطوائف، بل في نظام سياسي يمنع ولادة مواطن حر خارج الطائفة.

 

 

أرسلان والكواكبي كليهما على حق، كما لو أنهما البرتقالة وسرتها.

الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990) جاءت كتتويج لهذا المسار:

ـ حين تفشل الصيغة في إنتاج معنى، تعود الطوائف إلى سلاحها، ويصبح الخارج هو الحكم الأخير.

 

 

وهذه سوريا اليوم:

في سوريا، حدث العكس تقريباً، لم تُبنَ الدولة على صيغة طائفية معلنة، بل على خطاب قومي–وطني جامع، أخفى التعدد بدل أن يديره، ومعه أخفى أوساخه تحت السجادة.. هنا يمكن استحضار الكواكبي بوضوح:

ـ دولة تدّعي الوحدة، لكنها تقوم على استبداد مركزي، فتنتج طائفية صامتة، كامنة، تنتظر لحظة الانفجار (وهذا ماحدث).

 

 

من منظور شكيب أرسلان، أخفقت سوريا في بناء وحدة اندماجية حقيقية، لأن الوحدة فُرضت بالقوة، لا بالشراكة، فغابت الثقة بين الجماعات، وحلّ محلها خوف متبادل (وهذا ماحدث).

 

مع اندلاع الثورة السورية، انفجرت هذه التناقضات دفعة واحدة.. تحولت الأقليات إلى رهائن للخوف، والأكثرية إلى كتلة غضب بلا أفق جامع، وتحقق أسوأ السيناريوهات:

ـ طائفية مسلّحة، واستدعاء الخارج، وانهيار فكرة الدولة نفسها.

 

 

بين لبنان وسوريا – غياب الكواكبي وحضور شبحه:

يمكن القول إن لبنان اختار الطائفة بدل الدولة، بينما اختارت سوريا الدولة بدل المجتمع.

 ما الذي حدث في الحالتين؟

 غاب مشروع الكواكبي: الحرية بوصفها شرط الوحدة، فلا الطائفية اللبنانية حمت الجماعات، ولا القومية السورية دمجتها.

أما شكيب أرسلان، فكان سيجد في التجربتين دليلاً إضافياً على فكرته المركزية:

ـ لا حماية للأقليات خارج الفضاء الأوسع، ولا وحدة دون عدالة.

 

 

سؤال لم يُحسم:

سوريا ولبنان لم يفشلا لأنهما متعددان، بل لأنهما لم يملكا فكرة قادرة على تحويل التعدد إلى معنى، لا صيغة لبنان نجحت، ولا فكرة سوريا صمدت. وبينهما، ظل سؤال الأقليات معلّقاً، يتأرجح بين الخوف والحماية والاستبداد.

 

ربما كان الكواكبي هو الأكثر راهنية اليوم، لا لأنه امتلك حلاً جاهزاً، بل لأنه أشار إلى العطب الحقيقي:

ـ لا تُحلّ مسألة الأقليات قبل حل مسألة الحرية.

 

 

 

ـ الطائفة التي لاتحمي:

في سوريا اليوم، ليس بوسعك أن ترى الأقليات ككتل متماسكة، بل كأفراد محاصرين بخطابات الخوف.. الخوف من الأكثرية، الخوف من الانتقام، الخوف من المستقبل، والخوف  (وهو الأخطر) من الحرية نفسها.
وحين تُختزل الجماعة في هاجس البقاء، تصبح مستعدة للتنازل عن كل شيء آخر:

ـ العدالة، الكرامة، وحتى الحقيقة.

هنا، لا أستطيع أن أرى في الطائفة ملجأً.. الطائفة، حين تُسيّس، لا تحمي أبناءها، بل تضعهم في الواجهة، تجعلهم موضوعاً للشك، ووقوداً للصراعات، وتحوّلهم من مواطنين إلى أوراق تفاوض.

 

 

هذا ما فهمه شكيب أرسلان مبكرا، حين رفض منطق "الحماية الخاصة"، واعتبره بداية النهاية لأي جماعة.

من جهتي، لا أرى الخلاص في خطاب إنكاري يقول للأقليات: "انسوا خوفكم".. الخوف واقعي، ومبرَّر، ومتجذّر في تاريخ طويل من الخيبات.

والسؤال ليس:

ـ هل تخاف الأقليات؟

 بل:

 ـ ماذا نفعل بهذا الخوف؟
هل نحوّله إلى سياسة؟ أم نحوّله إلى وعي بهذا الخوف؟ بما ينتجه ويراكمه؟

 

 

بين أرسلان والكواكبي: أين تقف؟

أتكلم عن نفسي، دون أن أقترح على القارئ أين سيقف، أما عني، فأنا أقف بوعي وربما بتردد، في المسافة بين شكيب أرسلان وعبد الرحمن الكواكبي.
من أرسلان أخذتُ رفض العزلة، ورفض تحويل الاختلاف إلى مشروع سياسي، ومن الكواكبي أخذتُ قناعتي بأن الاستبداد هو الذي يصنع الطوائف السياسية، لا العكس.

 

أعرف، من داخل تجربتي (على تواضعها واعوجاجاتها)، أن الحديث عن "الأمة" لم يعد كافياً، كما أن الحديث عن "الدولة" حديث فارغ إن لم تكن دولة الحريات.

ما أبحث عنه  (وما أظن أن سوريا تحتاجه ) ليس حماية الأقليات، بل تحريرها من دور الضحية الدائم، ومن وهم أن السلامة تكون بالانكفاء.

 

 

كلمة أخيرة من موقع الشخصي:

لا أكتب هذا دفاعاً عن الدروز، ولا نقداً لهم، بل دفاعاً عن حق الفرد في أن يكون أكثر من طائفته، وحق الطائفة في ألا تُختزل في دور سياسي لم تختَره، وحين أستعيد شكيب أرسلان، أفعل ذلك لا بوصفه سلفاً فكرياً، بل شاهداً على أن الخروج من الاصطفاف ليس خيانة، بل محاولة إنقاذ متأخرة.

 

ربما لن ننجح في الإجابة عن سؤال الأقليات في سوريا الآن، لكننا نستطيع (على الأقل) أن نمنع السؤال من أن يتحول إلى متراس.
وهذا، بالنسبة لي، هو المعنى الوحيد المتبقي للكتابة.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard