info@suwar-magazine.org

طرد الضيوف وإعلام الفاشست.. إقصاء الآخر بالوقاحة الإعلامية

طرد الضيوف وإعلام الفاشست.. إقصاء الآخر بالوقاحة الإعلامية
Whatsapp
Facebook Share

 

طرد الضيوف من على شاشات التلفزيونات، أو التهديد بطردهم، هي حالة إقصائية بامتياز، ووقاحة إعلامية غير مسبوقة، يستخدمها بعض المذيعين لإسكات أصوات معارضة لمواقفهم، أو لاتتسق مع التوجه العام للقنوات العاملين فيها. والواضح أن هذه الظاهرة تتدحرج ككرة ثلج في عدد من وسائل الإعلام المرئية، وأصبحت سيفاً مسلطاً على رقبة الرأي الحر، وسكين يقطع أشلاء ما تبقى من حق الإختلاف، واسدال للستار على مفهوم الرأي الآخر الذي تزعم هكذا تلفزيونات أنها تفسح مجالاً له في بثها.

 

 

ظهر مؤخراً نموذجان متورّمان في الوسط التلفزيوني السوري: مذيعة منصة "المشهد" آسيا هشام، ومذيع "الإخبارية السورية" معاذ محارب؛ إذ يرفعان الكرت الأحمر في وجه المختلف معهما في الرأي، ويحاولان السخرية من ضيوف يظهرون على الشاشة. بل ابتدع هشام ومحارب صيغاً جديدة في فنّ الطرد اللامعقول، واستخدما عبارات لا يفضَّل توجيهها إلى ضيف، من قبيل: "طولة لسان"، و"لا تعلّمنا شغلنا".
ورغم أنه ليس من مهامهما إلقاء التعاليم الكهنوتية على المشاهد في حبّ الوطن، ولسنا مرغمين على سماع آرائهما في الطائفية، كما لسنا مضطرين إلى التصفيق لموقفهما.

 

 

تجاوزت المذيعة هشام حدود المهنية، وانزلقت إلى شخصنة القضية مع ضيفها علي عبود؛ إذ تخلّت عن ثالوث عملها المقدّسة: الحرية والمسؤولية والأخلاق، وقفزت إلى الهجوم الطائفي، مهددةً ضيفها بالانصياع القسري والإجابة عن تساؤلها غير الموضوعي والطائفي، أو مواجهة الطرد .وطرد الضيف قلة أدب غير معهودة، يصبح خياراً مشروعاً عندما يتجاوز الضيف واجباته، ويتخلى عن التزامه الأخلاقي كضيف؛ كأن يشتم، أو يتلفظ بكلمات تخدش الحياء العام، أو يبثّ سموم الطائفية، أو يتحدث بخطاب حقدٍ وكراهية.
وما عدا ذلك، يُعد طرد الضيف عملاً غير لائق إنسانياً، قبل أن يكون مرفوضاً إعلامياً قطعاً. فالمحطة التي تتصل بضيفٍ ما ليظهر على شاشتها، يجب أن تحترم رأيه وموقفه، وأن تحاصره بالأسئلة لنبش مكنوناته، لا أن تحاسبه كمحكمة. وكما أن لدى المحطة رسالةً تريد إيصالها، فإن لدى الضيف أيضاً رسالةً تدفعه إلى قبول الدعوة.

 

اقرأ أيضاً:

     

              حرق البيوت في السويداء عنوان مستجد على المقتلة السورية

       

 

من المستغرب أن يتهم مذيع ضيفه "بطولة اللسان" كما حدث مع الكاتب هوشنك أوسي على الإخبارية، أو أن تستخدم مذيعة عبارة "بلافزلكة" وفعل "انصرف"، فعل أمر لايحبذ استخدامه بالإعلام، والذي يسعى للحوار وسماع الآراء. هذه العبارات التي هي جزء من خطاب الكراهية وعدم تقبل الآخر، تعني الطرد، أن تقبل برأيي أو تغرب عن وجهي، هي عقيلة استبدادية بحتة، عقلية القمع الممنهج السائدة. وحده مدرب الفتوة بالمدرسة، والقائد العسكري، كانا يستخدمان كلمة "انصراف" ويزجران من يقف أمامهما، للضيف تستخدم عبارات الشكر أولاً. يُسأل الضيف عادة بسابقة "لوسمحت"، أو "لوتكرمت"، ويُنهى معه بلاحقة شكراً. إن لم يعجبك ـ كمذيع ـ الضيف تعتذر منه بألف حجة متاحة، لكن من أنت حتى تطرده؟ ماهؤلاء الذين يطردون الضيف لأنه شكك بمقدمة برنامج، أو بعدم حيادية القناة؟ هذا إعلام اللون الواحد والاتجاه الوحيد. صرخت المذيعة بضيفها بقسوة:"لاتعلمنا شغلنا". عبارة لاتقال لضيف بهذه الفضاضة، هناك بدائل كثيرة في اللغة العربية، أبرزها، إحراج الضيف بسؤال من صلب المقدمة، وليس قمعه. أو كما فعل مذيع الإخبارية محاب مع الكاتب أوسي"اقطعوا عنه"، في إشارة لفريق العمل أن يقطع التواصل مع ضيفه، ألهذا الحد وصل الأمر بعدم إمكانية المناقشة بدلاً من شخصنة الحوار؟ العبارة هنا تعني لا أريد سماعه أو رؤيته، وجوده صار فائضاً، هي عبارة مسيئة تتنافى مع أحقية الضيف بالبقاء والتعبير عن رأيه، والمذيع هنا ذهب إلى أقصى حالات القمع الاعلامي، وأغلق بدون وجه حق فرصة الحوار، وهذا تشبيح غير معهود بكل هذه القسوة.

 

 

قاعدة لا حياد في الإعلام قاعدة صحيحة، لكن ما يقلص حضورها هو الموضوعية والدقة في نقل المعلومات والآراء، ليس مطلوباً أن يكون المقدم حيادياً، ولايوجد في علوم التقديم التلفزيوني تحديداً قاعدة أن تكون حيادياً بشكل مطلق، لكن هناك صرامة كبيرة في الموضوعية. لايمكن أن تكون حيادياً في نقل أخبار الكوارث والقتلى، لكن ليس من واجبك كناقل للمعلومة أن تكون قاضياً تصدر الأحكام النهائية. بكى كثيرون من المراسلين وهم (لايف)، عند مشاهد الدمار والقتل، هذا لم يكن اصطفافاً أو وقوفاً مع أحد ضد الآخر، هنا كان الوقوف انسانياً إلى جانب ضحية متفق على أنها ضحية فعلاً، ومع ذلك اعتذر المهنيون منهم فوراً على سلوكهم هذا، لأنه يتنافى مع قواعد العمل الإعلامي وأخلاقياته، أي لايحق لهم أن يؤثروا بدموعهم على متلقي الرسالة الإعلامية، بل أن يقدموا له المشهد الحقيقي والموضوعي المدعم بالمعلومات.

 

 

الاستماع إلى الضيف مهارة، كما طرح التساؤل هو مهارة المذيع الأولى. لا أحد يريد سماع موقف المذيع، هذا ليس حقاً مكتسباً له. إذ لايهمني كمشاهد موقف المذيع الشخصي من أي قضية، ما يهمني المعلومات التي يقدمها، رأي الضيوف الذين تختارهم الوسيلة الإعلامية بعناية، صياغة أسئلة ملحة، بلورة مواقف ما سواء كانت ضد قناعاتي أو تتفق معها.

 

 

يحاسب الإعلاميون العاملون في وسائل إعلام محترمة، ولديها مدونات سلوك، وتطبق معايير المهنة الأخلاقية، على كل رأي يقولونه علناً، سواء في حساباتهم الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، أو في تصريحات أو مقالات..الخ. وكنت اعتبر هذا جزءاً من تقييد حرية التعبير ـ وما زلت عند رأيي ـ ففتح الفضاءات أفضل من اغلاقها وتحجيمها. إذ أننا لانريد العيش في قوقعة، نريد الانفتاح، وسماع الآخر الذي نجهله. ومع ذلك الإلتزام هنا سيد الموقف، ولايمكن لإعلامي تجاوز القيود التي تفرضها المؤسسات، لكن يمكنه أن يناضل من أجل تغييرها. لكن المستغرب، أن يتجاوز مثل هؤلاء المذيعين كل تلك الشروط، وتلتزم القنوات المشغلة بالصمت. صمت مطبق، أشد لعنة من الأخطاء الكبيرة التي يرتكبها المذيعون والمعدون، بمعنى أدق هي قنوات تهدف إلى ترسيخ نموذج الكره والحقد من خلال الخطاب الإعلامي، واستخدام سلاح الطرد المنظم لضيوف من غير اللون الفكري أو السياسي لممول القناة. 

 

 

هذه النماذج المتورمة في الإعلام، تبدو كنماذج إعلام فاشستي، إعلام "صبحية النسوان"، مجرد ثرثرة بلا دليل، ودون معلومة، وغياب الموقف الفكري الانساني، بل مجرد آراء، وتلطي خلف مظلومية مقيتة. لكنه في الواقع يعكس المشهد السياسي السوري المأزوم، والذي يسير في نفق خطاب الكراهية والحقد، بدلاً من الارتقاء إلى فضاءات الحرية والديمقراطية.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard