قوة المستضعفين حين تُزال اللافتة… وتبقى الكذبة حاكمة

حين استعار مارك كارني، في منتدى دافوس، فكرة "إزالة اللافتة" من فاكلاف هافل، بدا وكأنه يعترف أخيراً بزيف سردية "النظام الدولي القائم على القواعد". غير أن هذه الاستعارة، مهما بدت متقدمة في السياق الغربي، تبدو فقيرة ومخادعة حين تُسقَط على الحالة السورية اليوم، حيث لم تعد الكذبة خطاباً سياسياً فحسب، بل أصبحت نظام حكم فعلي يدير البلاد منذ أكثر من عام.
في "قوة المستضعفين"، يشرح هافل كيف تقوم الأنظمة الشمولية على الامتثال الصامت، وعلى قبول المجتمع بلعبة الشعارات المفروضة عليه مقابل البقاء. هذا المنطق يصف بدقة ما تعيشه سوريا اليوم تحت حكم أحمد الشرع (الجولاني)، سلطة قائمة، مستقرة، مُعترف بها ضمناً، لا تستمد شرعيتها من الشعب، بل من قدرتها على فرض النظام، وضبط المجتمع، وتقديم نفسها للخارج بوصفها "الخيار الممكن".
الشرع (الجولاني) يحكم سوريا بمعناها السياسي الكامل، القرار، والأمن، وحدود المسموح والممنوع، وسقف السياسة، وتعريف "الوطني" و"الخطر". أما ما تبقى من الجغرافيا أو المؤسسات، فليس سوى تفاصيل إدارية داخل منظومة حكم واحدة، تقوم على القوة، لا على التعاقد، وعلى الطاعة، لا على المشاركة.
اقرأ أيضاً:
ما يسميه كارني "الواقعية القائمة على القيم" يجد في سوريا تطبيقه الأكثر قسوة، واقعية بلا قيم، وقيم بلا إلزام. حقوق الإنسان ليست مرجعية، بل ملف تفاوض. سيادة القانون ليست أساساً، بل أداة انتقائية. السياسة ليست حقاً عاماً، بل تهديداً يجب احتواؤه. أما المجتمع، فيُختزل إلى جمهور مطلوب منه الامتثال مقابل الأمن، والصمت مقابل النجاة.
الأخطر أن هذا الحكم لا يقوم في فراغ، بل داخل بنية دولية تقبل به وتتكيف معه. فالنظام الدولي، الذي يعترف كارني اليوم بنفاقه، لا يتعامل مع سوريا بوصفها قضية عدالة أو حق تقرير مصير، بل بوصفها ملف إدارة مخاطر. السؤال الوحيد المطروح ليس، من يحكم وبأي شرعية؟ بل، هل يستطيع الحاكم ضبط البلاد ومنع انفجارها؟ وكل ما عدا ذلك تفاصيل مؤجلة.
بهذا المعنى، لا يمثل حكم الشرع انحرافاً عن النظام الدولي القائم، بل تجسيداً محلياً له. فهو نتاج منطق عالمي يكافئ من يُحسن إدارة الكذبة، لا من يرفضها، ويمنح الشرعية لمن يضمن الاستقرار، لا لمن يمثل الإرادة الشعبية.
لكن المفارقة أن السوريين أنفسهم كانوا، منذ 2011، المثال الأوضح على "قوة المستضعفين". لم يخرجوا لتحسين شروط الاستبداد، ولا للمطالبة بلافتة أقل قبحاً، بل لكسر المنطق الذي يحوّل المجتمع إلى موضوع للحكم، لا شريك فيه. وما فشلت (الثورة ) في إنجازه بالقوة، لا يُبطل حقيقتها السياسية والأخلاقية، أنها كانت رفضاً جذرياً للعيش داخل الكذبة، أياً كان اسمها أو راعيها.
اليوم، وبعد أكثر من عام على تثبيت حكم الجولاني، يُطلب من السوريين مجدداً التكيّف، القبول بالأمر الواقع، التسليم بمنطق "المرحلة"، وتأجيل السياسة إلى أجل غير مسمى. وهذا هو جوهر الكذبة الجديدة، أن الاستبداد قد يكون حلاً، وأن القمع قد يكون ثمناً مقبولاً للاستقرار، وأن البديل الوحيد عن الطاعة هو الفوضى.
خلاصة القول، إزالة اللافتة ليست إنجازاً بحد ذاتها. فاللافتات تُزال وتُعلَّق بسهولة. الفعل التحرري الحقيقي يبدأ حين يُكسر منطق الحكم القائم على الخوف، وحين تُستعاد السياسة بوصفها حقاً شعبياً، لا امتيازاً تمنحه البنادق ولا شهادة حسن سلوك تصدرها العواصم.
فـ"قوة المستضعفين" لا تظهر حين نتقن التعايش مع الكذبة، بل حين نرفض العيش داخلها، مهما طال الزمن، ومهما ارتفعت كلفة الحقيقة .