كوباني تحت الحصار: كارثة إنسانية متسارعة ووفاة الأطفال

مصدر الصورة: المرصد السوري لحقوق الإنسان
في ظلّ التطورات المتسارعة في شمال شرق سوريا، التي جاءت على خلفية اندلاع الاشتباكات بين الفصائل التابعة لوزارة الدفاع في حكومة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تشهد مدينة كوباني الكردية في ريف حلب الشرقي تدهوراً متسارعاً في الوضع الإنساني، بعد أن فُرض حصار عليها من قبل قوات الحكومة السورية الانتقالية، وعُزلت بالكامل عن محيطها الخارجي، مع إغلاق جميع الطرق المؤدية إليها.
أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بأن مدينة كوباني معزولة وسط تهديدات بنقص الإمدادات للسكان المدنيين، مؤكداً أن جميع الطرق المؤدية إلى المدينة مغلقة حالياً.
كما أكد المكتب أن انقطاع الكهرباء والمياه وخدمات الإنترنت يعيق وصول السكان إلى الخدمات الأساسية، بالتزامن مع ورود تقارير عن نقص في المواد الغذائية وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
وفي السياق ذاته، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان ، اليوم، إن سكان مدينة كوباني يعيشون مأساة إنسانية غير مسبوقة، في ظل استمرار الحصار الخانق الذي تفرضه قوات الحكومة الانتقالية. وأشار المرصد إلى أن المدينة تواجه أزمة حادة في الخدمات الأساسية، مع تصاعد المخاطر على حياة المدنيين، ولا سيما الأطفال، واصفاً الوضع الإنساني في كوباني بأنه "خطير ويُشكّل جريمة حرب مكتملة الأركان".
أعلن الهلال الأحمر الكردي، اليوم السبت 24 كانون الثاني/يناير، وفاة خمسة أطفال في مدينة كوباني نتيجة الحصار المفروض عليها، مشيراً إلى أن من بين الضحايا طفلاً رضيعاً.
وأوضح الهلال الأحمر، في بيان رسمي، أن السبب الرئيسي لوفاة الأطفال يعود إلى الانخفاض الحاد في درجات الحرارة، وانعدام وقود التدفئة، إضافة إلى النقص الحاد في المستلزمات الطبية.
وأكد البيان أن استمرار الحصار يشكّل خطراً مباشراً وجسيماً على حياة الأطفال والمرضى وكبار السن، محذّراً من تفاقم الكارثة الإنسانية في حال استمرار الأوضاع على ما هي عليه.
ودعا الهلال الأحمر الكردي المجتمع الدولي، والمنظمات الإنسانية والحقوقية، إلى التدخل العاجل لكسر الحصار، وتأمين الوقود ومواد الإغاثة والمستلزمات الطبية، قبل فقدان المزيد من الأرواح.
وفي ذات السياق، قدّمت رابطة تآزر للضحايا إحاطة حول الوضع الإنساني بعنوان: "كوباني تحت الحصار: تدهور إنساني متسارع في ظل إغلاق الطرق وتقييد الوصول"، اليوم السبت 23 كانون الثاني/يناير 2026. وأشارت الإحاطة إلى أن العزل المفروض على كوباني لم يعد إجراءً أمنياً مؤقتاً، بل تحوّل عملياً إلى حصار شامل ينعكس مباشرة على حياة المدنيين ويقوّض قدرتهم على البقاء.
وأكدت رابطة تآزر أن هذا الوضع يتزامن مع موجات نزوح واسعة من القرى المحيطة بالمدينة، إضافة إلى نازحين ونازحات قدموا من مناطق الرقة والطبقة وعين عيسى هرباً من القتال وتدهور الأوضاع الأمنية، ما فاقم الضغط على مدينة تعاني أصلاً من محدودية الموارد والخدمات.
كما رصدت رابطة تآزر للضحايا العديد من جوانب الوضع الإنساني في إحاطتها، وقدمت مجموعة من التوصيات الضرورية للاستجابة العاجلة.
الوضع الإنساني والخدمات الأساسية
- الخبز والغذاء: سُجّل نقص متزايد في المواد الغذائية الأساسية، مع بداية نفاد المخزون لدى المحال والأسر، في ظل ضغط سكاني كبير ناتج عن موجات النزوح، فاق قدرة الأسواق المحلية المحدودة أصلاً. وقد اضطرت العديد من الأسر، المقيمة والنازحة على حد سواء، إلى اللجوء إلى آليات تكيّف سلبية، مثل تقليل عدد الوجبات اليومية أو تقاسم الغذاء بين عدة عائلات.
- المياه: تعاني المدينة من انقطاع المياه منذ نحو أسبوع، نتيجة غياب الكهرباء اللازمة لضخها. وفي ظل هذا الانقطاع، لجأ السكان إلى جمع الثلوج وتذويبها وتخزينها في خزانات منزلية لاستخدامها كمصدر للمياه، في ممارسة قسرية تنطوي على مخاطر صحية جسيمة، خصوصاً على الأطفال وكبار السن.
- الكهرباء: مقطوعة بشكل كامل منذ اندلاع الاشتباكات، ولم تتمكن حتى المنازل التي تعتمد على الطاقة الشمسية من الاستفادة منها بسبب العاصفة الثلجية وكثافة الغيوم، ما أدى إلى توقف شبه تام لمصادر الطاقة، وانعكس مباشرة على التدفئة، وضخ المياه، وتشغيل المرافق الصحية.
- الإنترنت والاتصالات: مقطوعة كلياً عن المدينة، نتيجة قصف وتخريب أبراج اتصالات Rcell في منطقة صرّين، بما في ذلك البطاريات والمولدات الخاصة بالشبكة، إضافةً إلى تعرّضها للسرقة والنهب. هذا الانقطاع يفاقم عزلة المدينة ويقيّد إمكانيات التوثيق، وطلب المساعدة، والتنسيق الإنساني.
- الوقود والتدفئة: تعاني كوباني من شح حاد في الوقود ومواد التدفئة، نتيجة حصارها وعزلها عن مناطق الإمداد في الجزيرة السورية، ما فاقم الأزمة الإنسانية بالتزامن مع الانخفاض الحاد في درجات الحرارة، خاصةً بين الأطفال وكبار السن.
الوضع الصحي
لا تزال المرافق الصحية القليلة المتبقية في المدينة تعمل، ولكن بقدرات محدودة جداً، في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية. وأفادت الأمم المتحدة بوجود احتياجات طبية متزايدة، في وقت تعمل فيه منظمة الصحة العالمية وشركاؤها على توفير إمدادات طبية طارئة، وخدمات تغذية متنقلة، ورعاية منقذة للحياة للمصابين، والأطفال، والنساء الحوامل.
تشمل الاحتياجات الصحية العاجلة أدوية الأمراض المزمنة، وحليب الأطفال، ومستلزمات التدفئة داخل المرافق الصحية، إضافة إلى الوقود اللازم لتشغيل المولدات الطبية، ودعم كوادر الإسعاف والإحالة الطبية.
النزوح وظروف النازحين
تستقبل كوباني حالياً عشرات الآلاف من النازحين/ات من القرى المحيطة، إضافةً إلى نازحين ونازحات من الرقة والطبقة وعين عيسى هرباً من القتال وتدهور الأوضاع الأمنية. وصلت العديد من العائلات سيراً على الأقدام، وبعضها برفقة مواشيه، فيما اضطر آخرون إلى المبيت في المدارس والمباني العامة، أو في الشوارع وداخل جرارات زراعية، وسط ظروف جوية قاسية وتساقط الثلوج.
في المقابل، تكاد المساعدات الإنسانية تكون غائبة، فيما تبقى الملاجئ غير كافية، ومستويات الحماية منخفضة، مع نقص حاد في وسائل التدفئة والملابس الشتوية. كما أُبلغ عن حالات نهب لمنازل النازحين، ما يعمّق شعور الخوف وانعدام الأمان ويضاعف هشاشة الفئات الأشد ضعفاً، ولا سيّما الأطفال والنساء.
مخاوف عميقة وانعدام ثقة متجذّر
تتصاعد مخاوف سكان مدينة كوباني، ومعظمهم من الكُرد، إزاء دخول القوات الحكومية إلى المنطقة في ظل غياب أي ضمانات فعلية لحمايتهم. ويعود هذا القلق إلى سجل طويل من الانتهاكات السابقة التي ما تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية، وإلى تجارب موثقة في عفرين، ورأس العين/سري كانيه، إضافة إلى حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وصولاً إلى الواقع القائم في شمال شرق سوريا.
تؤكد هذه الوقائع أن الثقة لا يمكن أن تُبنى على التصريحات وحدها، بل تتطلب وقتًا وخطوات ملموسة تضمن حماية الحقوق دون تمييز، وتوفّر آليات واضحة للمساءلة ومنع الانتهاكات.
وتتفاقم هذه المخاوف رغم الإعلان عن تمديد اتفاق وقف إطلاق النار لمدة 15 يوماً، اعتباراً من مساء يوم 24 كانون الثاني/يناير 2026، إذ تشير المعطيات الميدانية والمؤشرات المتراكمة إلى هشاشة هذا الاتفاق واحتمالات انهياره، لا سيما في ظل غياب آليات واضحة وملزمة لحماية المدنيين، ما يحدّ من قدرته على منع تجدد العنف أو توفير حماية فعلية للسكان.
البعد الحقوقي والمسؤولية القانونية
إن ما تتعرض له مدينة كوباني يشكّل انتهاكاً واضحاً لالتزامات القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، ولا سيما تلك المتعلقة بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ومنع استخدام الحصار كوسيلة للإضرار بالسكان المدنيين.
تقع المسؤولية القانونية المباشرة عن حماية المدنيين وضمان وصولهم إلى الخدمات الأساسية على عاتق الحكومة السورية الانتقالية، بما في ذلك ضمان حرية التنقل وفتح الطرقات، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وحماية الحق في الحياة، والصحة، والمياه، والغذاء، ومنع الانتهاكات، والتحقيق فيها، ومحاسبة المسؤولين عنها.
إن وفاة الأطفال بسبب البرد، واستمرار انقطاع الخدمات الأساسية، وعدم فتح ممرات إنسانية آمنة، تمثل إخفاقاً خطيراً في الوفاء بهذه الالتزامات، وقد ترقى إلى مسؤولية قانونية تستوجب المساءلة.
توصيات عملية وعاجلة
في ضوء ما سبق، تُقدَّم التوصيات التالية بوصفها الحد الأدنى المطلوب للاستجابة العاجلة:
- الوقف الفوري للتصعيد العسكري داخل مدينة كوباني ومحيطها، وضمان تحييد المدنيين والبنية التحتية المدنية.
- الفتح العاجل لجميع الطرق المؤدية إلى المدينة، وتأمين ممرات إنسانية آمنة ودائمة بإشراف أممي.
- إعادة الخدمات الأساسية بشكل فوري، بما في ذلك الكهرباء والمياه والاتصالات، وضمان حماية البنية التحتية من الاستهداف أو التخريب.
- إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية، وحليب الأطفال، ومواد التدفئة بشكل عاجل، ودعم المرافق الصحية بالوقود والمستلزمات الضرورية.
- توفير استجابة إنسانية شاملة للنازحين، تشمل المأوى اللائق، والمواد الشتوية، والغذاء، وخدمات الحماية، مع إيلاء اهتمام خاص بالأطفال.
- تمكين المنظمات الإنسانية المستقلة من الوصول الكامل وغير المشروط إلى المدينة، وضمان سلامة كوادرها.
- فتح تحقيقات شفافة ومستقلة في جميع الانتهاكات، بما في ذلك وفيات الأطفال، ومحاسبة المسؤولين عنها.