تفكيك سردية سلطة دمشق تجاه قسد والكورد

في خضم التصعيد العسكري والسياسي الأخير ضد المناطق الكردية في سوريا (روجآفا)، أعادت حكومة أحمد الشررع (الجولاني) وحلفاؤها إنتاج سردية بالية مفادها أن "قسد لا تمثل الكرد"، وأن العنف الممنهج ضد المناطق الكردية يُقدَّم بوصفه خطوة ضرورية لإعادة دمج الكرد ضمن ما يُسمّى "المشروع الوطني".
هذه السردية لا تعكس جهلاً سياسياً فحسب، بل تعبّر عن إنكار متعمّد للواقع، وتجاهل فاضح للتاريخ القريب، وللنتائج الملموسة التي أنتجتها سياسات الإقصاء، والقمع، والتطبيع مع العنف ضد الكرد خلال السنوات الماضية.
الأخطر في هذا الخطاب أنه يصدر عن سلطة لم تُنتخب، ولم تحظَ بأي تفويض شعبي حقيقي، وتحاول تعويض عجزها السياسي عبر إنتاج عدو داخلي دائم، واستخدام الكرد كأداة لإعادة إنتاج شرعيتها المهترئة.
أولاً: قسد بين الواقع السياسي وخطاب التشويه المتعمّد
من الخطأ التحليلي - ومن التضليل السياسي المتعمّد - اختزال قسد بوصفها "مشروعاً كردياً انفصالياً" أو "تمثيلاً أحادياً للكرد". فقسد نشأت ضمن سياق مشروع أمريكي لإدارة الصراع مع تنظيم داعش، وكان عمودها الفقري وحدات حماية الشعب (YPG).
هذا المشروع لم يُعرض في بداياته على الكرد وحدهم، بل طُرح على فصائل من "الجيش الحر" ضمن شروط واضحة. بعض تلك الفصائل رفض المشروع، بينما رفض الجانب الأمريكي التعامل مع فصائل أخرى بسبب سجلها المعروف في:
- الفساد المنهجي
- سرقة السلاح
- بيع السلاح لتنظيمات مثل جبهة النصرة وداعش
بل إن قسماً من هذه الفصائل رفض أصلاً الدخول في مواجهة مع النصرة وداعش. هذه الوقائع لا يمكن محوها بخطاب شعبوي، وهي حقائق موثقة ستتكشف تفاصيلها بصورة أوسع مع مرور الوقت.
اقرأ أيضاً:
ثانياً: المجتمع الكردي والتعددية السياسية
يفضح الخطاب الصادر عن حكومة الشرع (الجولاني) عجزاً بنيوياً عن فهم المجتمع الكردي. فالمجتمع الكردي في سوريا يُعد من أكثر المجتمعات اعتياداً على التعددية السياسية، إذ يضم أكثر من سبعين حزباً وتنظيماً سياسياً، مع اختلافات أيديولوجية وصراعات داخلية واضحة، ودون أي حالة انسجام حزبي مصطنع.
لكن، ورغم هذا التعدد، هناك ثابت لا يخضع للمساومة: "حقوق الشعب الكردي وقضية كردستان". هذا الثابت يتحول إلى مرجعية جامعة عندما يتعرض الكرد لخطر خارجي. في مثل هذه اللحظات، تتراجع الانقسامات الداخلية، ويظهر اصطفاف جماعي دفاعي حول الوجود والحقوق، لا حول حزب أو تنظيم بعينه.أما الأصوات التي تراهن على العنف الخارجي أو تبرّره، فهي تبقى هامشية، ومعزولة اجتماعياً، ولا تمتلك أي شرعية تمثيلية.
ثالثاً: ماذا حقق الهجوم الأخير على الكرد؟
تطرح حكومة الشرع (الجولاني) وحلفاؤها سؤالاً ضمنياً: هل يؤدي الضغط العسكري إلى إعادة الكرد نحو دمشق، وإنهاء تمثيلهم السياسي والعسكري؟ الواقع السياسي يقدّم إجابة معاكسة تماماً.
الهجوم الأخير لم يُضعف الموقف الكردي، بل أسهم في توحيده بصورة غير مسبوقة منذ خمسة عشر عاماً من الصراع السوري. هذا التوحّد لم يقتصر على كورد سوريا، بل امتد إلى الكرد في الأجزاء الأربعة، مع تحركات عابرة للحدود تعكس إدراكاً جمعياً بأن ما يجري يتجاوز كونه صراعاً محلياً، ليأخذ طابعاً وجودياً.
كما هو الحال دائماً في لحظات التهديد الوجودي، اصطف المجتمع الكردي بكافة مكوناته - نساء، رجال، أطفال- ضمن حالة دفاع جماعي أعادت ترتيب الأولويات حول مسألة واحدة " البقاء وحماية الذات".
رابعا: الحدود، الذاكرة، وإعادة تفعيل القضية الكردية
أحد أهم نتائج هذا الهجوم أنه أعاد تنشيط الذاكرة التاريخية الكردية المتعلقة بطبيعة الحدود القائمة في المنطقة. فقد عزّز القناعة بأن هذه الحدود ليست سوى نتاج ترتيبات سياسية استعمارية، مثل اتفاقية سايكس- بيكو، ولا تعبّر عن واقع اجتماعي أو تاريخي.
وبدل أن تؤدي سياسات القمع إلى إذابة الهوية الكردية ضمن "هوية وطنية" قسرية، أعادت ربط الكرد بقضيتهم الكبرى، وعمّقت الشعور بالانتماء القومي، وأعادت تعريف الصراع بوصفه صراعاً على الوجود، لا على السلطة.
خامسا: سردية «قسد الإرهابية» بوصفها أداة إقليمية
السردية التي تصف قسد بأنها "منظمة إرهابية" بسبب وجود وحدات حماية الشعب (YPG)، ليست سردية سورية، بل امتداد مباشر للرؤية التركية. فقسد ليست مدرجة على قوائم الإرهاب أصلا في أي دولة وحتى في تركيا، كما أن حزب العمال الكردستاني أيضا ليست مدرجة على قوائم الإرهاب الدولية، رغم إدراجها من قبل تركيا وبعض الدول الغربية في سياقات سياسية محددة.
هذا النوع من التصنيفات يخضع لمعادلات المصالح الدولية، تماماً كما حدث لـ (هيئة تحرير الشام والجولاني) ويحدث مع تنظيمات أخرى، حيث تقوم دول بإدراجها أو رفعها أو دعمها وفقاً لحساباتها الخاصة.
لكن بالنسبة للشعب الكردي، هذا النقاش يفقد معناه. فالتمثيل السياسي لا يُقاس بتوصيفات قانونية مسيّسة، بل بقدرة الفاعل على:
- توفير الحماية
- تأمين المجتمعات المحلية
- الدفاع عن الأرض
سادساً: وحدات حماية الشعب كحقيقة اجتماعية
وبالعودة إلى وحدات حماية الشعب التي تُعدّ البنية الأساسية لقسد، ليست كياناً معزولاً عن المجتمع الكردي، بل هي نتاجه المباشر. مقاتلوها هم أبناء هذا المجتمع، من خلفيات سياسية وفكرية متعددة. قد يختلف الكرد حول المشروع السياسي أو الرؤية الأيديولوجية، لكنهم يتفقون على حقيقة جوهرية: هؤلاء يقاتلون دفاعاً عن قضية شعب، لا دفاعاً عن سلطة، ولا عن مشروع إقصائي.
خاتمة
إن محاولة حكومة الجولاني اختزال القضية الكردية في توصيف أمني أو تنظيمي فشلت فشلاً ذريعاً. ما أثبته الهجوم الأخير هو أن سياسات العنف، والإقصاء، وإنكار الحقوق لا تنتج اندماجاً وطنياً، بل تعيد إنتاج الهويات الجمعية، وتغذّي منطق الدفاع الذاتي.
القضية، في جوهرها، ليست قضية حزب أو تنظيم، بل "قضية شعب يريد أن يعيش على أرضه التاريخية بكرامة وأمان". وأي سلطة تتجاهل هذه الحقيقة، أو تحاول سحقها بالقوة، إنما تحكم على نفسها بالعزلة السياسية والفشل التاريخي، مهما امتلكت من أدوات قمع أو غطاء دعائي.