أتباع ابن تيميّة في حوران!

لفت نظري دائماً ظاهرة أسماها درويش "غطرسة الوضيع". وهي حالة يستعرض فيها أضعف خلق الله "جبروته". أو يتصرّف فيها الإنسان "الضحيّة" "المنكوب" بطريقة ينسخ فيها عُنف قاهره. أو هي ما أشار إليه سومرست موم الذي قال " إن المقهورين عندما يلجأون إلى استخدام العنف فأوّل الضحايا هم أناس مثلهم أو فئة يعتقدونها أضعف منهم". أقول هذا في سياق ما يحصل في جبل حوران من بروز الظاهرة على نحو يُثير حفيظة كلّ إنسان ذي قلب وضمير.
فما الذي حصل حتى يتحوّل بعض ضحايا حملة الإبادة في تموز الماضي إلى شتّامين مُحترفين، إلى "متغطرسين" متخصّصين، إلى "شبّيحة" بروح أولئك الذين كانوا على زمان الأسد والذين جاءوا مع "سلطة الأمر الواقع"؟ كيف حصل أن يخرج من بين الضحايا مَن يمارس التخوين يومياً ضدّ خيرة بنات وأبناء أهله وأشرفهم، كما يخوّن التكفيريّون الدروز في سوريّة على الهواء وفي بثّ حيّ؟ من أين تأتي لهؤلاء هذه الطاقة على التهديد وعلى الاعتداء وعلى اغتيال الأسماء النظيفة والأعراض؟ كيف حصل أن ضحايا الإبادة والتقتيل يشبهون المجرمين في سلوكهم وأخلاقهم و"سياستهم"؟ من أين لهم كل هذا الوقت ليحشدوا كلّ هذه الشتائم بحق أهلهم في حوران وجبل لبنان وفي كلّ مكان؟ كيف استطاعت الشعبويّة أن تفتك بجماعة الحكمة والتفاهة بالعقّال؟
أو مَن أنتم لتشتموا وتخوّنوا؟
أسأل الأخوة الشتّامين دون أن أذكر أسماءهم لأن المسألة تتعدّى الأسماء إلى ظاهرة تفتك بالمجتمع في حوران من داخله. لأنّها تهدد نسيجه وتحدّ من قُدراته على مواجهة محنته الوافدة من "السلطة". أسأل لأن الأمر يتناقض جوهرياً مع روح جماعة عقيديّة من أركانها "حفظ الإخوان" وليس التنكيل بالمختلف، ومن أركانها، أيضا، "التكامل بين الزمنيّ والدينيّ في وحدة واحدة"، ومن أركانها "صدق اللسان"! ومن أركانها "رفض التجبّر والمتجبّرين"، ومن أركانها "العدل أولى الفضائل"! فهل من أحد شبعان من حليب الحكمة يشرح لنا لماذا يجنّ جنون "الشتّامين" كلّما خرج صوت عاقل يبحث عن مخرج من المحنة؟ هل يملك الشتّامون حقيقة لا نعرفها؟ هل اصطفاهم خالقهم كما اصطفى التكفيريين مثلًا؟ كيف استطاعوا أن ينسخوا لغة التكفيريين إلى داخل مجتمع الحِكمة والعقل؟ كيف استطاع كلّ واحد منهم أن يتحوّل إلى ابن تيميّة جديد ـ هذا الذي ينسبون إليه كل فعل مُستنكر؟
اقرأ أيضاً:
لن يخسر دروز الجبل من التشاور وتبادل الآراء بل من التعنّت، لن يضعف من تعدّد وجهات النظر بل سينهار من الاحتكار والتفرّد. لن تختفي المحنة بالإرهاب وتخيير الناس بين الفتنة وبين السكوت، بين الخضوع لـ "سلطة الأمر الواقع" في السويداء أو القمع والبطش والمعتقلات ـ ما الذي تغيّر عن خمسة عقود الأسد؟ ومرتكبي الإبادة؟
نذكّركم، هذا الأداء المُستنكر لم ييسر عودة نازح واحد ولا إعادة مخطوفة واحدة!
هذا الخطاب التخويني الأجوف لم يحلّ مشكلة طالب واحد! هذه الغطرسة التي تيسّرت بالاستقواء بالإسرائيليّ تقول عنكم كلّ شيء وليس عن أهل حوران وعن دروز المشرق.
ولشدّ ما أخشاه أنكم بين فكيّ كماشة ومعكم الدروز ـ الفكّ من الشمال وهي سلطة قمعية تكفيرية أصوليّة في جوهرها (أنظر الإبادة في تموز) وبين الفكّ من الجنوب وهي حكومة إسرائيل الأصولية القمعية الفاشيّة في سلوكها حيال مجتمعها اليهوديّ والضالعة بالإبادة وجرائم الحرب ضد الفلسطينيين. أخشى أنكم صرتم نسخة عن "الفكّيْن" وأراهن أنكم مستعدون مثلهما للبطش بأهلكم!
لست من هواة التاريخ ـ أي تاريخ ـ وإن كان فيه بعض الدروس ـ بل أنا متخصّص بالمستقبل. ولست من هواة الأساطير لا سيّما الدينية منها وإن كنّا نحفظها ـ أنتم ستجلبون "الرِفعة" للدروز كما جلب ابن تيمية الرِفعة للإسلام. وستجلبون "الأمن" للسويداء مثلما جلب نتنياهو "الأمن" للإسرائيليين!
على أي حال أنتم تعيشون الآن وموجودون حيث أنتم بفضل نضالات أجيال من الدروز لم تساوم، لم تبع حالها لأحد ولا أحد استطاع شراءها. هؤلاء صنعوا التاريخ وصورة الدروز وسمعتهم وكرامتهم. أمّا الذي باعوا، فأنتم أدرى بمصيرهم.