القهوة والثورة.. وذاكرة مقهى زكو اليمني

خط زمني رفيع للمقاهي
في بداية القرن السادس عشر الميلادي، أقدم سلاطين المماليك على إغلاق المقاهي وتحريم القهوة في مكّة، بدعوى أنّها تُلهي عن الذِكر، لكنّ السلطان المملوكي قنصوة الغوري (حكم 1501-1516م) تراجع عن المنع الكلّي خشية خسارة تجارة البنّ الرابحة، فبقيت القهوة تحت المُراقبة لا الحظر.
بعد قرن من الزمن، ذهب السلطان العثماني مراد الرابع أبعد من ذلك؛ إذ رأى في مقاهي إسطنبول بؤراً للتمرّد والثورة على حُكمه، فأصدر أوامره بمنع شرب القهوة علناً في المقاهي، وجعلَ تِكرار المخالفة جريمة قد تصلُ عقوبتها إلى الإعدام.
لم يكن السلطان يحارب مشروباً بعينه، وإنّما كان يستهدف أماكن النقاش والمساحات المكشوفة في الشأن العام، والتي تدعو إلى التمرّد والثورة على الظلم والفساد، وفي السويد، تكرّر سيناريو حظر القهوة ومنعها في خمس مراحل؛ ابتداء من حظر القهوة وفرض الضرائب الباهظة عليها بين عامي 1750 و1810.
تعدّدت الحجج بين أضرارها على الصحة والتأثير على الاقتصاد، غير أنّ الخشية كانت من طبقة متوسّطة ومثقفين ينشؤون خارج سلطة البلاط والكنيسة، ويجتمعون في مقاهٍ تقدّم القهوة، ومع ذلك، لم ينجح الحظر، لكنّه على العكس قد أعلى ورفع من مكانة القهوة، حيث ازدادت شعبيتها في أوساط المجتمع السويدي.
في بروسيا وتحديداً في عام 1777، لم يكتفِ الملك فريدريش الأكبر بتفضيل البيرة الوطنية على القهوة الأجنبية، بل أنشأ جهازاً فريداً عُرف باسم "شمّامي القهوة"، وهم موظّفون تجوب أنوفهم شوارع برلين لتعقّب رائحة البنّ المحظور آنذاك ومعاقبة مُتعاطيها.
اقرأ أيضاً:
رُوّاد مقاهي دمشق: من شخصيّات سياسية وأدبية إلى عاطلين عن العمل
ذاكرة الكلام في المقهى
خلف هذه المبرّرات الرسمية جميعها كان هناك خوف وحيد، وهي أن تتحوّل المقاهي إلى أماكن يصعب إخضاعها، فهي ليست كالمساجد أو الكنائس فتخضع لطقوس وخطب موحدة تحت إشراف السلطات الرسمية، ولا مجالس رسمية بضيوف مُنتقين، وإنّما أماكن مفتوحة تلتقي فيها كلّ طبقات المجتمع، وتتداول الأخبار والأفكار غير المرغوب فيها من قبل السلطات الحاكمة.
في عدن باليمن، وتحديداً في خمسينيات القرن العشرين، كان مقهى "زكو" أحد أعرق المقاهي الشعبية في المدينة، وأبرز معالمها الثقافية والاجتماعية آنذاك. أسّسه الحاج زكريا محمد إلياس في حي كريتر (1888–1956 م)، ونُسبت إليه تسمية المقهى "زكو" اختصاراً لطيفاً لاسمه على طريقة أهل عدن، وتعدّ عائلة زكو من الأسر العدنية المعروفة، وينحدر منها رجل الأعمال المعروف إبراهيم زكريا، والصحفي محمد زكريا، والمحامية حميدة زكريا، والمخرجة أمينة زكريا، وغيرهم.
الجلوس في مقهى زكو كان أكثر من عادة يومية لتناول الشاي العدني التقليدي، وإنما كان فضاءً جامعاً لمجتمع متنوّع يضمّ المثقفين والكتّاب والعمّال والطلاب ورواد الحي من مختلف الشرائح العدنية.
تُشير بعض السجلات التجارية والوثائق الإدارية الخاصة بمستعمرة عدن، إلى أنّ المقهى كان يقدّم، إلى جانب القهوة على الطريقة العربية والتركية والإثيوبية، أنواعاً متعدّدة من الشاي، منها "المحوّج" (زايد جوز)، و"العُصمّلي" (ثقيل جداً)، و"الجرو" (خفيف اللبن)، و"شاهي نص نص" (نصف قلص)، و"شاهي دبل" (قلص ممتلئ)*.
ارتبط دور مقهى زكو بفترة تاريخية شهدت فيها مدينة عدن ازدهاراً تجارياً وثقافياً غير مسبوق في المنطقة العربية منذ أوائل القرن العشرين حتى منتصفه، حيث تحوّل المقهى إلى مركز للنقاش السياسي والثقافي العام، إذ كان ملتقى للعمال والطلاب والسياسيين والنقابيين، من عمال الميناء والمصانع إلى جانب بقية أطياف المجتمع العدني.
وشهد تداول أفكار حول القومية العربية، وحركات التحرّر، والاستقلال الوطني، ومناهضة الاستعمار البريطاني في اليمن، وكان ما يُبث عبر راديو المقهى من أخبار "صوت العرب" وراديو "بي بي سي" جزءاً من هذا النقاش والحراك اليومي، وتُظهر بعض السجلات التجارية والوثائق الإدارية الإنجليزية أنّ مقهى زكو لم يكن مكاناً للعزلة عن الواقع أو للاكتفاء بشرب القهوة والشاي فحسب، بل كان جزءاً من النسيج الثقافي والاجتماعي العدني، تمتزج فيه أكواب الشاي بأحاديث السياسة والحرية والفن.
ورغم انتمائه إلى فضاء الاستراحة ولقاء الأصدقاء، إلّا أنّه اضطلع بأدوار مؤثرة في الأحداث السياسية والنقابية، وأسهم في الترويج للأفكار والأيديولوجيات والآداب والفنون المختلفة، وشهد عقد صفقات تجارية مهمة، وارتبط بأحداث وشخصيات ذات أثر في التاريخ العدني بشكل خاص واليمني بشكل عام.
أصبح مقهى زكو أيضاً موضوعاً لإشارات أدبية وفنية، بوصفه نتاجاً لحِراك اجتماعي وتاريخي عاشته مدينة عدن، لا يقدّم الشاي والقهوة فحسب، وإنما يعكس تحوّلات المجتمع العدني ويتأثر بها ويؤثر فيها، حيث أنّ رواده كانوا من ثقافات وجنسيات عديدة، وليس فقط من أبناء مدينة عدن، سواء المارة من التجار والبحارة والفرق الفنية العابرة لعدن أو المستقرين فيها.
*"قَلَص" هو كلمة محلية تُستخدم للدلالة على كأس الشاي الصغير (الكوب الزجاجي التقليدي) الذي يُقدَّم فيه الشاي العدني.