"حزب الله".. حمار العرس

في الحروب الحديثة، لم تعد الجبهات تُرسم فقط بين دول متقابلة، بل بين دولٍ وأطرافٍ تقاتل بالنيابة عنها أو معها.. هنا، في هذه المنطقة الرمادية، تولد أكثر العلاقات التباساً:
ـ تحالفات لا تقوم على التكافؤ، بل على الحاجة.. دولة تبحث عن نفوذٍ بلا كلفة مباشرة، وقوة "ما دون الدولة" تبحث عن سندٍ يمنحها القدرة على الاستمرار.
بين الطرفين، تنشأ علاقة تبدو صلبة في زمن الحرب، لكنها في حقيقتها مؤقتة، مشروطة، وقابلة للتفكك في اللحظة التي تتغير فيها المصالح.
التاريخ لا يقدّم لنا أمثلة استثنائية بقدر ما يقدّم نمطاً متكرراً، فخلال الحرب السوفيتية في أفغانستان، بدا التحالف بين الولايات المتحدة والمجاهدين وكأنه تحالف مصير.. المال والسلاح والتدريب تدفقت، والعدو كان واضحاً، لكن ما إن انتهت الحرب حتى انكفأت الدولة الراعية، تاركة خلفها قوى مسلحة بلا مشروع جامع، لتدخل البلاد في دوامة اقتتال أهلي.. لم يكن هناك "خيانة" بالمعنى الأخلاقي، بل نهاية وظيفة.
ـ حين انتهت الحاجة، انتهى الالتزام.
في مكان آخر، وبصورة أكثر تعقيداً، وقفت وحدات حماية الشعب الكردي إلى جانب الولايات المتحدة في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، كان التحالف فعّالاً إلى حد بعيد، بل حاسماً، لكن ما إن تبدلت أولويات واشنطن، حتى تراجع الغطاء، ووجد الحليف نفسه في مواجهة تهديدات لم يكن مستعداً لها وحده.
ـ مرة أخرى، لم يكن الأمر انقلاباً مفاجئاً، بل انسحاباً تدريجياً من التزام لم يعد يخدم الهدف ذاته.
اقرأ أيضاً:
العلاقة بين إيران وحزب الله تبدو للوهلة الأولى مختلفة، فهي ليست علاقة ظرفية بالكامل، بل ممتدة، متجذرة، ومبنية على عقيدة وسنوات من التراكم العسكري والسياسي، ومع ذلك، فإن هذا العمق لا يلغي القاعدة العامة، بل يعيد صياغتها فقط، فإيران، كدولة، لا ترى في الحزب مجرد حليف، بل ذراعاً استراتيجية متقدمة، لكنها، في النهاية، تظل دولة لها مركز يجب حمايته أولاً.
السؤال الحقيقي ليس: هل يمكن أن تترك إيران حزب الله؟
بل: متى، وكيف، وتحت أي شروط يمكن أن تعيد تعريف هذا الالتزام؟
الدول، في لحظات الخطر الوجودي، تعود إلى منطقها الأولي: البقاء.
في تلك اللحظة، تصبح كل التحالفات قابلة للمراجعة، ليس بالضرورة عبر التخلي الكامل، بل عبر إعادة ترتيب الأولويات:
ـ تخفيض الدعم، فرض قيود، أو حتى القبول بتسويات تضع الحليف في موقع أكثر هشاشة.
هذا ما حدث بدرجات مختلفة مع منظمة التحرير الفلسطينية في محطات متعددة، حين تغيّرت حسابات الدول التي دعمتها، فانتقلت من الاحتضان إلى الضغط، ومن الدعم إلى إعادة التموضع.
ـ لكن ما الذي يحدد مصير هذه القوى حين تتبدل الرياح؟
ـ أولاً، قدرتها على أن تكون أكثر من مجرد أداة: القوى التي تمتلك قاعدة اجتماعية، وبنية تنظيمية مستقلة، وشرعية محلية، تستطيع أن تصمد حتى مع تراجع الدعم الخارجي، لهذا يبدو حزب الله أقل هشاشة من نماذج أخرى؛ لأنه لم يُبنَ فقط كأداة، بل ككيان متداخل مع بيئته.
ثانياً، موقعها في الاستراتيجية الكبرى للدولة الراعية: كلما كانت هذه القوة جزءاً من "عقيدة الردع"، وليس مجرد ورقة تكتيكية، أصبح التخلي عنها أكثر كلفة.
ثالثاً، شكل التسوية نفسها: فليست كل التسويات تعني التخلي، بل قد تعني إعادة تعريف الدور، من فاعل هجومي إلى قوة ردع، أو من لاعب إقليمي إلى فاعل محلي مضبوط.
ومع ذلك، يبقى هناك بُعد لا يمكن تجاهله، وهو البعد الإنساني.. المقاتل الذي يقف في الخندق، لا يقاتل وفق نظريات العلاقات الدولية، بل وفق يقين داخلي بأن هناك من يقف خلفه، هذا اليقين هو ما يجعل هذه التحالفات خطيرة ومأساوية في آنٍ معاً، فهي تمنح القوة، لكنها تبني أيضاً وهماً بالاستمرارية.
في النهاية، يمكن القول إن التحالف بين دولة وقوة "ما دون الدولة" يشبه عقداً غير مكتوب، بندُه الأهم مخفي: نحن معك… حتى تتغير مصلحتنا.
وهذه الجملة، التي لا تُقال، هي ما يحدد مصائر الحروب الصامتة، ومصائر أولئك الذين يقاتلون وهم يعتقدون أنهم جزء من معركة أكبر، بينما هم، في لحظة ما، قد يصبحون تفصيلاً يمكن تجاوزه.
هذا ما لم يُدركه "حزب الله"، وهذا ما قد يقوده لحظة انتهاء دوره إلى "حمار العرس".
أما عن "حمار العرس في الذاكرة الشعبية، فهو ذلك الكائن الذي يُزيَّن، يُحمَّل، يُستَخدم في الزفّة، يُضرب عليه الطبل، ويبدو كأنه جزء من الاحتفال… لكنه في الحقيقة ليس شريكاً في الفرح، بل وسيلة له.. وحين ينتهي العرس، يُنزَع عنه الزينة، ويُعاد إلى مكانه الأول أو أسوأ.
قوة "ما دون الدولة" تُستدعى في لحظة الصراع، تُمنح السلاح، تُرفع مكانتها، يُقال لها إنها في قلب المعركة الكبرى، بل ربما تُصوَّر لنفسها كأنها صانعة التاريخ، لكنها، في نظر الدولة الراعية، كثيراً ما تكون أداة وظيفية: ـ تُستخدم حين تكون الحاجة قائمة، وتُترك أو يُعاد تعريف دورها حين تنتهي الحاجة أو تتبدل.
الفرق المؤلم هنا أن "حمار العرس" لا يملك وعياً بذاته، أما المقاتل فيملك ومع ذلك، قد يجد نفسه في الموقع ذاته، ولهذا يصبح المثل أكثر إيلاماً في لحظة متاخرة من الوعي، لحظة يدرك أنه لم يكن في قلب العرس، بل على هامشه، مهما بدا المشهد صاخباً حوله.
يُدرك ذلك بعد أن دمّر بيئته، وألقى بأهله على أرصفة المدينة وفي الموقع المضاد من أهله.