حرب الاستنزاف، لماذا لا يُحسم الصراع بين الولايات المتحدة وإيران عسكرياً؟

تشير التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط إلى دخول المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، تجاوزت نمط الاشتباكات غير المباشرة إلى شكل أقرب للحرب المفتوحة ذات الطابع المركّب.
من الناحية العسكرية التقليدية، تميل موازين القوة بوضوح لصالح الولايات المتحدة، سواء من حيث التفوق الجوي أو القدرات التكنولوجية أو حجم الإنفاق العسكري. وقد انعكس ذلك في الضربات المكثفة التي استهدفت بنى عسكرية وقيادية داخل إيران، بما في ذلك اغتيال شخصيات رفيعة المستوى، وعلى رأسها علي خامنئي، وهو حدث، يمثل نقطة تحوّل تاريخية في بنية النظام الإيراني.
ومع ذلك، فإن هذا التفوق العسكري لم يؤدِ إلى حسم سريع للصراع، بل على العكس، فتح الباب أمام نمط مختلف من المواجهة. إذ تعتمد إيران على استراتيجيات الحرب غير المتكافئة، القائمة على الاستنزاف، وتوسيع نطاق الصراع جغرافياً، واستخدام أدوات متعددة تشمل الصواريخ، والشبكات الإقليمية، والضغط على الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز.
في هذا السياق، تتحول الحرب من معركة حسم عسكري إلى معادلة كلفة وقدرة على التحمّل. فكلما طال أمد الصراع، ارتفعت الكلفة الاقتصادية على جميع الأطراف، بما في ذلك الاقتصاد العالمي، خاصة في ما يتعلق بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. وهذا ما يفسر التصريحات المتزايدة من دونالد ترامب حول إمكانية تقليص مدة العمليات العسكرية والبحث عن مخرج.
اقرأ أيضاً:
يمكن تصور عدة سيناريوهات محتملة لنهاية هذه المواجهة:
السيناريو الأول يتمثل في احتواء التصعيد عبر تسوية غير مباشرة، حيث يتم التوصل إلى اتفاق بوساطة دولية أو إقليمية، يتيح لكل طرف إعلان تحقيق جزء من أهدافه، دون الوصول إلى نصر حاسم. هذا السيناريو هو الأكثر شيوعاً في الحروب الحديثة التي تتسم بتوازن الردع.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على استمرار حرب الاستنزاف لفترة أطول، مع بقاء الضربات المتبادلة دون توسع إلى حرب برية شاملة. في هذا الوضع، تراهن إيران على رفع كلفة المواجهة، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على تفوقها مع تقليل خسائرها، ما يؤدي إلى حالة "لا غالب ولا مغلوب" على المدى المتوسط.
السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالاً لكنه الأكثر خطورة، يتمثل في توسع الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة، تشمل أطرافاً إضافية، وتؤدي إلى اضطرابات كبيرة في الاقتصاد العالمي. هذا المسار قد يفرض في النهاية تدخلاً دولياً واسعاً لفرض وقف إطلاق نار.
في النهاية، لا تبدو هذه المواجهة مرشحة لأن تنتهي بانتصار تقليدي واضح لأي طرف. فالتفوق العسكري الذي تمتلكه الولايات المتحدة يمنحها القدرة على توجيه ضربات مؤلمة وسريعة، لكنه لا يضمن فرض استقرار دائم أو إنهاء الصراع بشكل جذري. في المقابل، تعتمد إيران على استراتيجية الصمود ورفع الكلفة، وهو ما يجعل استمرار الحرب عبئاً متزايداً على جميع الأطراف.
أما إسرائيل، فهي تجد نفسها في قلب هذا الصراع، مستفيدة من إضعاف خصمها الإقليمي، لكنها في الوقت ذاته عرضة لارتدادات أمنية واستراتيجية طويلة الأمد.
سياسياً، يمكن القول إن دونالد ترامب يواجه تحدياً كبيراً في تسويق نتائج هذه الحرب داخلياً. فغياب الحسم الواضح، وارتفاع الكلفة، وتحول المواجهة إلى حالة استنزاف، كلها عوامل قد تُفسَّر داخل الولايات المتحدة على أنها إخفاق سياسي أكثر منها إنجازاً استراتيجياً. وهذا قد ينعكس بشكل مباشر على صورة الإدارة أمام الناخبين.
وفي هذا السياق، قد يتحمل الحزب الجمهوري جزءاً من هذا التأثير، خصوصاً في الانتخابات النصفية، حيث يميل الناخب الأمريكي تاريخياً إلى معاقبة الحزب الحاكم في حال الحروب الطويلة غير الحاسمة أو المكلفة اقتصادياً.
وعليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا لا يتمثل في "نصر" بقدر ما يتمثل في تعب متبادل يدفع الأطراف نحو تسوية غير مباشرة. هذه التسوية لن تعني نهاية الصراع، بل إعادة تشكيله في صورة جديدة أقل حدّة، لكنها تحمل بذور جولات قادمة.
بعبارة أخرى، ما يجري ليس نهاية صراع، بل مرحلة انتقالية في صراع أطول، حيث تتغير الأدوات والأساليب، بينما تبقى جذور التوتر قائمة. وفي عالم تحكمه المصالح والتوازنات، غالباً ما تكون نهاية الحروب الكبرى مجرد بداية لمرحلة أكثر تعقيداً ، لا أقل.