قرطاجة وروما — البحر كروح والبرّ كقدر

فصل من كتاب "الأرض ليست لك.. الماء هو وطنك" للروائي نبيل الملحم.
لم يكن الصراع بين قرطاجة وروما صراعاً على مساحات الأرض، بل كان صراعاً بين صورتين للعالم:
ـ قرطاجة كانت تنظر إلى المتوسط بوصفه بحيرة واسعة للتبادل والتجوال.
ـ أما روما فكانت تنظر إليه بوصفه مركزاً يجب إخضاعه وتنظيمه.
لقد كانت المواجهة بينهما مواجهة نموذجين حضاريين:
ـ قرطاجة، مدينة وُلدت من السفن، وتمدّدت عبر المرافئ، وتتنفّس بالمغامرة.
ـ روما، مدينة وُلدت من الأرض، وتمدّدت عبر الفتح، وتتنفّس بالنظام والانضباط.
ـ لم تكن قرطاجة تريد أن تملك البحر، كانت تريد أن تبقى فيه، أما روما فكانت تريد أن يتحوّل البحر إلى ظلّ لجدرانها.
لم تكن لقرطاجة "أرض" بالمعنى العميق للكلمة، كانت أراضيها مجرد نقاط رسوّ وعبور.
قرطاجة ليست مدينة في المركز، بل شبكة تمتد على السواحل.. روحها ليست في القلاع، بل في الأمواج.. القوّة عندها موزعة، والثروة فيها متنقلة، والهوية عندها مرنة.
ـ إنها حضارة تعرف أن العالم لا يُمسك من مركز، بل يُمسك من المسارات.
ولهذا كانت السفينة رمزها الأسمى:
ـ خفيفة، ذكية، غير قابلة للثبات.. إنها حضارة تثق بالرحيل مثلما تثق بالبقاء.
ـ ماذا عن روما؟
روما؟ الوجود عندها بوصفه أرضاً وحدوداً، روما، على النقيض، كانت مدينة مرساة، ترى العالم من خلال البر، الحقول، الطرق البرية،
الجيوش، الحصون، الحدود.
روما تفهم السيطرة من خلال:
ـ الاحتلال ، التشريع ، الدمج الإداري.. قوتها ليست في الحركة، بل في الترسيخ، والبحر في نظرها، قوة يجب إخضاعها كما تُخضع الأرض.
البحر بالنسبة للروماني ليس بيتاً، بل:
ـ حاجز، خطر، مجال يجب جعله خاضعاً، تابعاً.
البحر عند روما يصبح امتداداً للبرّ بعد أن يتم ترويضه.
. الحرب بوصفها مواجهة بين تصورين للسيادة
عندما اندلعت الحروب البونية، لم تكن مجرد حروب موارد، بل كانت اختباراً للسؤال:
ـ من يكتب قانون العالم؟
ـ من يعبر أم من يسيطر؟
قرطاجة قالت: العالم شبكة علاقات.
روما قالت: العالم نظام يُدار من مركز واحد.
وهذا الفارق هو الذي جعل هانيبال — رجل البحر بالحس، يلجأ إلى عبور الجبال.. كان يريد أن يثبت أن الحركة يمكن أن تهزم الثبات، لكن، بينما كان البحر يعلّم قرطاجة الانفتاح، كانت الأرض تعلّم روما الصبر، وفي النهاية، القدرة على التحمل الطويل، هزمت القدرة على المناورة الواسعة، هكذا انتصرت روح البرّ على روح البحر.
اقرأ أيضاً:
نبيل الملحم يصدر كتابه الجديد "من بوابة "الدولة" إلى أبواب "التقسيم"
ولكن ألا ينبغي أن أعطي فكرة مختصرة عن "الحرب البونية" لقارئ هذا النص، وكان قد أحاط بها "حسين مؤنس" في كتابه "حروب قرطاجة وروما"؟
الحرب البونية هي اسم الصراع الطويل الذي دار بين روما وقرطاجة على النفوذ في غرب البحر الأبيض المتوسط.. امتدّت هذه المواجهة قرناً ونيفاً من 264 ق.م إلى 146 ق.م، وكانت واحدة من أكثر الصراعات تأثيراً في تشكيل تاريخ العالم القديم.. كانت قرطاجة آنذاك قوّة تجارية بحرية ثرية وذات نفوذ، فيما كانت روما قوّة برية صاعدة تبني مؤسساتها باجتهاد ونَفَس طويل.
بدأ الصراع في الحرب البونية الأولى حول السيطرة على جزيرة صقلية، انتصرت روما في النهاية، وأدركت أنها لن تستطيع مواجهة قرطاجة دون أسطول بحري قوي، فبَنَت أسطولها وتحوّلت تدريجياً إلى قوة بحرية أيضاً.
أما الحرب البونية الثانية فهي الأشهر، وفيها لمع اسم هانبعل، الرجل الذي بدا وكأنه يتجاوز الحدود البشرية. كان طويل القامة، عريض الكتفين، وعيناه تحملان وهج الحزم والشجاعة والذكاء.. شعره أسود كثيف، ووجهه خطّه التعب والمعارك المبكرة، لكنه كان يحمل في قلبه عزيمة لا تعرف الانكسار.
قاد هانبعل جيشه عبر جبال الألب مع الفيلة الضخمة، في رحلة تكاد تكون أسطورية، متجاوزاً الثلوج والجروف والمخاطر التي استسلم لها الآخرون. هزم الرومان في معارك عظيمة مثل كاناي، وكاد يضع روما على ركبتيها، لكن الرومان صمدوا بفضل قدرتهم على الاستنزاف الطويل، ونقلت المعركة إلى شمال إفريقيا بقيادة سكيبيو الإفريقي، مما أجبر هانبعل على العودة إلى بلاده، لينتهي الأمر بهزيمته في معركة زاما سنة 202 ق.م.
ـ وهكذا أبطال خيالنا، طالما كانوا من المهزومين (لم ينج أّيّ من أبطال خيالي أبداً).
وفي الحرب البونية الثالثة، كانت روما قد عقدت العزم على إنهاء التهديد القرطاجي تماماً.. حوصرت قرطاجة وقاومت مقاومة بطولية، لكن الغَلَبة كانت لروما، التي دمّرت المدينة عام 146 ق.م، فاختفت قرطاجة من التاريخ كقوة مستقلة، وبدأت روما في التحوّل إلى إمبراطورية متوسطية كبرى.
حين سقطت قرطاجة، لم يسقط ميناء فقط.. سقط شكل معين من الحرية، حرية أن يكون العالم مفتوحاً بلا مركز.. حرية أن تكون السلطة شبكة لا هرماً..حرية الانتقال بدل الاستقرار.
روما لم تكتفِ بالانتصار العسكري، أرادت إلغاء القرطاجية كفكرة:
ـ أحرقت المدينة.
ـ محَت اسمها.
ـ حرثت أرضها، ونثرت الملح في تربتها كي لا تعود إلى الحياة.
كان ذلك إعلاناً رمزياً:
ـ البحر لم يعد فضاءً للتجوال، بل أصبح البحر الإمبراطوري.
منذ تلك اللحظة، أصبح المتوسط: طريقاً موحّداً، تحت سيادة واحدة، له شرطة واحدة، وقانون واحد. البحر الذي كان أفقاً مفتوحاً أصبح بحيرة روما الخاصة، وبات من الصعب على الناظر إليه أن يتساءل:
ـ البحر بيضحك ليه؟
ما جرى بين قرطاجة وروما لم يكن حدثاً تاريخياً عابراً، لقد رسم مساراً طويلاً سيعود لاحقاً في:
ـ البندقية / جنوة.
ـ البرتغال / العثمانيين.
ـ بريطانيا / فرنسا.
ـ أمريكا / الصين اليوم.
الصراع الأبدي هو نفسه، والسؤال هو نفسه كذلك:
ـ هل يُدار العالم من شبكة أم من مركز؟
ـ من مرافئ أم من عاصمة؟
ـ من بحر أم من برّ؟
ـ من حركة أم من ثبات؟
ومن ثم؟
ـ قرطاجة تمثل العالم كمسار.
ـ روما تمثل العالم كهيكل.
ـ انتصار روما كان انتصاراً لفكرة المركز الواحد.
ـ البحر تحوّل من فضاء حر إلى فضاء خاضع.
ـ هذا التحوّل سيعيد تشكيل الجغرافيا السياسية آلاف السنين، وسيجعل السيف يحزّ عنق الشاعر.
*لقراءة الكتاب كاملاً وتحميله بصيغة ملف PDF يرجى الضغط هنا