info@suwar-magazine.org

استقلالية القرار السياسي الكردي في سوريا... بين التأسيس الفكري وحدود الممارسة

استقلالية القرار السياسي الكردي في سوريا... بين التأسيس الفكري وحدود الممارسة
Whatsapp
Facebook Share

 

شهدت الحركة القومية الكردية في سوريا منذ أواخر القرن العشرين تحولات فكرية وتنظيمية عميقة، تمثلت في محاولات إعادة تعريف الفعل السياسي الكردي ضمن السياق الوطني السوري. وفي هذا الإطار، برز مفهوم "استقلالية القرار السياسي" بوصفه محاولة لتجاوز أنماط الارتهان التقليدية للمحاور الإقليمية، والسعي نحو إنتاج فعل سياسي يستند إلى خصوصية الواقع الكردي في سوريا. ويُفهم هذا المفهوم بوصفه قدرة الفاعل السياسي على صياغة قراراته انطلاقاً من السياق المحلي، مع تقليل مستويات التبعية التنظيمية أو الاصطفاف الإقليمي، دون الانقطاع الكامل عن المحيط الكردستاني، الأمر الذي يجعله أقرب إلى هدف نسبي يتحدد بقدرته على التحقق في الواقع أكثر من كونه حالة مكتملة وثابتة.

 

 

 

وقد ظهر هذا الاتجاه في مطلع التسعينيات، وتبلور عملياً في تأسيس "حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي) " عام 1993، الذي تبنى هذا المفهوم كأحد ثوابته الفكرية والسياسية، مؤكداً على ضرورة معالجة القضية الكردية ضمن الإطار السوري، وليس خارج حدوده أو في العواصم الإقليمية. وانطلق هذا التصور من فرضية مركزية مفادها أن الفعل السياسي الكردي لا يمكن أن يكون فاعلاً ومؤثراً إلا إذا أعاد إنتاج نفسه ضمن شروط الداخل السوري، بعيداً عن الارتهان لمحاور خارجية، مع السعي في الوقت ذاته إلى توحيد الطاقات الكردية ضمن إطار سياسي أكثر انسجاماً.

 

 

 

 

القضية الكردية في المجال السياسي الوطني العام

وقد تمكن الحزب في بداياته من تحقيق حضور جماهيري واسع، مستفيداً من وضوح خطابه ومرونته التنظيمية، إذ لم يقتصر نشاطه على الوسط الكردي، بل امتد إلى الفضاء الوطني السوري الأوسع. ويُعدّ من أوائل الأحزاب الكردية التي عملت على إدخال القضية الكردية إلى المجال السياسي الوطني العام، من خلال الانخراط في أنشطة مشتركة مع قوى وطنية سورية، الأمر الذي يعكس تحوّلاً في طبيعة الخطاب السياسي من خطاب خصوصي منغلق إلى خطاب يسعى إلى إعادة تموضع القضية الكردية ضمن إطار وطني تعددي. ولا يمكن فهم هذا التوجه بوصفه مجرد خيار سياسي تكتيكي، بل باعتباره تعبيراً عن تصور أعمق للدولة والمجتمع، يقوم على الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي بوصفه عنصراً بنيوياً في تشكيل المجال الوطني، وليس حالة استثنائية أو هامشية.

 

 

 

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة هذا المسار بوصفه محاولة لإعادة تعريف المجال السياسي السوري على أسس أكثر شمولاً، تقوم على الانتقال من منطق الإقصاء أو التهميش إلى منطق الشراكة السياسية والاعتراف المتبادل بين المكونات المختلفة. ويقترب هذا الطرح من نماذج الدولة متعددة القوميات، التي تقوم على اعتبار التنوع القومي والثقافي جزءاً بنيوياً من الدولة، يتم تنظيمه من خلال عقد سياسي مشترك يضمن وحدة الإطار السياسي دون فرض تجانس قسري. كما يمكن ربطه بمقاربات التعددية الثقافية السياسية التي ترى أن استقرار المجتمعات المركبة يتطلب إدارة مؤسسية للتنوع بدلاً من إنكاره أو تذويبه.

 

 

 

وفي هذا السياق، لم تعد القضية الكردية تُطرح كقضية فئوية منفصلة، بل كجزء من إعادة بناء العقد الاجتماعي السوري على أسس أكثر شمولاً، بحيث يتم الانتقال من منطق "القضية الخاصة" إلى منطق "الشراكة الوطنية". وقد أسهم هذا التوجه في كسر العزلة التقليدية للقضية الكردية وربطها بمسار التحول الديمقراطي الأوسع، لا سيما من خلال الانخراط في مبادرات سياسية مشتركة مع قوى المعارضة السورية، وكان من أبرز تجلياته الإسهام في "إعلان دمشق لقوى المعارضة"، الذي شكّل محاولة لتأسيس إطار سياسي جامع يتجاوز الانقسامات القومية الضيقة.

 

 

 

غير أن انتشار مفهوم استقلالية القرار بين قوى سياسية كردية أخرى لم يكن دائماً مصحوباً باستيعاب متكامل لمتطلباته النظرية، إذ اتخذ في بعض الحالات طابعاً خطابياً منفصلاً عن البنية التنظيمية والمؤسساتية القادرة على ترجمته عملياً. ويكشف هذا التباين عن فجوة بين تبني المفهوم من حيث المبدأ، وبين القدرة على تحويله إلى ممارسة سياسية مستقرة.

 

 

 

وفي المقابل، واجهت هذه التجربة جملة من التحديات البنيوية والتنظيمية، وضعف البنية المؤسسية، وهيمنة العلاقات الشخصية على العمل الحزبي، وتراجع آليات الديمقراطية الداخلية. ولا تبدو هذه التحديات حالات عرضية بقدر ما تعكس نمطاً أوسع في الحياة السياسية الكردية السورية، حيث تعاني التنظيمات السياسية من صعوبة في بناء مؤسسات مستقرة قادرة على الاستمرار والتماسك.

 

اقرأ أيضاً:

 

         بين الجغرافيا والسياسة، موقع كردستان إيران في المشهد الإيراني

                        الكرد بين التمثيل الحقيقي والتزييف السياسي

 

 

أثر أحداث 2011 على استقلالية القرار

ومع اندلاع الأحداث في سوريا عام 2011 وما تلاها من تفكك في بنية الدولة وتعدد مراكز القوة، أصبحت البيئة السياسية أكثر تعقيداً، ما جعل الحفاظ على استقلالية القرار أمراً بالغ الصعوبة. وفي ظل هذا السياق، انخرطت قوى سياسية كردية وسورية في اصطفافات وتحالفات متباينة، الأمر الذي انعكس على درجة تماسك الخطاب السياسي القائم على الاستقلالية، وأدى إلى إعادة تموضع العديد من الفاعلين السياسيين ضمن مسارات مختلفة.

 

 

 

كما شهدت بعض القوى التي انبثقت من هذا السياق الفكري تحولات في مرجعياتها السياسية، واتجهت في حالات معينة إلى إعادة تعريف هويتها السياسية ضمن أطر مختلفة، من المرجعيات الكردستانية، وهو ما يمكن تفسيره جزئياً بالضغوط السياسية والإقليمية، أو بوجود فراغ نظري وتنظيمي حال دون الحفاظ على مسار فكري متماسك.

 

 

 

وتكشف التجربة في مجملها عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي الذي يرفع شعار الاستقلالية، والممارسة السياسية التي تخضع في كثير من الأحيان لضرورات الواقع وتعقيداته. ولا تعكس هذه الفجوة بالضرورة تناقضاً إرادياً بقدر ما تعكس حدود القدرة على تطبيق مفهوم طموح في بيئة سياسية مضطربة، تتداخل فيها العوامل المحلية والإقليمية والدولية بشكل معقد.

 

 

 

وبذلك يمكن القول إن مفهوم استقلالية القرار السياسي الكردي في سوريا يمثل محاولة فكرية وسياسية مهمة لإعادة صياغة موقع الفعل السياسي الكردي ضمن إطار وطني تعددي، يقوم على الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي وإدارته ضمن عقد اجتماعي مشترك. غير أن تجسيده العملي واجه تحديات بنيوية وسياقية حالت دون تحقيقه بشكل كامل، ما يجعل منه مشروعاً مفتوحاً أكثر من كونه نموذجاً مكتمل التحقق. وفي المحصلة، لا تكمن الإشكالية في الفكرة ذاتها بقدر ما تكمن في شروط إنتاجها وتطبيقها، وفي قدرة الفاعلين السياسيين على تحويلها من خطاب إلى ممارسة، ضمن بيئة تتطلب توازناً دقيقاً بين الواقعية السياسية وطموح الاستقلال.

 

 

 

إحياء استقلالية القرار السياسي

وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن إمكانية إعادة إحياء مفهوم "استقلالية القرار السياسي" لا تزال قائمة من حيث المبدأ، غير أن تحققها يرتبط بمدى استعداد الفاعلين السياسيين، وفي مقدمتهم حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا، للدخول في عملية مراجعة نقدية شاملة لتجربتهم السياسية والفكرية. فإعادة الاعتبار لهذا المفهوم لا تعني استنساخ صيغته الأولى التي نشأ في سياق التسعينيات، بل تعني بالأساس إعادة صياغته بما يتلاءم مع التحولات البنيوية العميقة التي شهدها المشهد السوري بعد عام 2011، ومع تعقد شبكة العلاقات بين المحلي والإقليمي والدولي.

 

 

 

إن أي مشروع جاد لإحياء هذا المفهوم يفترض:

- أولاً مراجعة فكرية داخلية تعيد تقييم الأسس النظرية للاستقلالية، وتحدد حدودها وإمكاناتها الواقعية في السياق الراهن، بما يميز بين ما هو مبدئي وما هو قابل للتطبيق.

 

- كما يفترض ثانياً معالجة الإشكالات التنظيمية التي رافقت التجربة، وفي مقدمتها الانقسامات المتكررة وضعف البنية المؤسساتية، والعمل على تعزيز آليات الديمقراطية الداخلية بما يحد من تمركز القرار ويعزز منطق العمل الجماعي.

 

- أما المستوى الثالث فيتعلق بالمراجعة السياسية، أي إعادة تقييم طبيعة التحالفات والاصطفافات السابقة، وقياس مدى انسجامها مع الخطاب السياسي المعلن، ومدى إسهامها في تعزيز أو إضعاف جوهر الاستقلالية.

 

 

 

ومن هذا المنظور، فإن "إحياء" المفهوم لا يمكن أن يكون شعاراً سياسياً أو مجرد استعادة خطابية لمصطلح سابق، بل هو عملية إعادة بناء شاملة تربط بين الفكرة وأدواتها، وبين الخطاب ومقتضيات الممارسة. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن الفجوة بين التصور النظري والتطبيق العملي كانت أحد أبرز التحديات التي واجهت هذا المسار، الأمر الذي يجعل من سد هذه الفجوة شرطاً أساسياً لأي تجديد مستقبلي.

 

 

 

وعليه، فإن مستقبل هذا المفهوم يبقى رهناً بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على تحويله إلى ممارسة مؤسسية مرنة، تستجيب لتعقيدات الواقع دون التفريط بجوهره، وتوازن بين متطلبات الواقعية السياسية وطموح الاستقلال النسبي في القرار .

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard