وليد جنبلاط: ضرورات اللحظة وأسئلة التاريخ

دون تمهيد لا أراه ضرورياً، حين نقول "حلف الأقليات" لا نتحدث عن حدث في التاريخ السياسي بقدر ما هو انكشاف مبكر لطبيعة الشرق الأوسط بوصفه فضاءً يُدار بالخوف.. تلك ذاكرته الممتدة في الدماء، وحين صاغ دافيد بن غوريون وهو أحد آباء "اسرائيل"، منذ نحو نصف قرن ما أطلق عليه "حلف الأقليات"، لم يكن يفكر في الأقليات بوصفها ذواتاً أخلاقية أو جماعات تبحث عن العدالة، بل بوصفها كائنات قَلِقة، قابلة للتحالف بدافع البقاء.. كان بن غوريون يدرك أن الخوف، حين يصبح ذاكرة، يتحول إلى سياسة، وأن الهوية حين تُبنى على الإحساس بالتهديد، تفقد قدرتها على تخيّل مستقبل مشترك.
يمكن النظر إلى "حلف الأقليات" أيضاً، لا بوصفه نظرية سياسية وُلدت في ظرف تاريخي محدّد، بل ككشفٍ مبكر عن آلية اشتغال الخوف في المجتمعات التي لم تُنجز معنى الدولة، ولم تُصالح ذاكرتها مع ذاتها.
حين فكّر دافيد بن غوريون في محيطه، لم يكن يقرأ خرائط فقط، بل كان يقرأ نفوساً:
ـ جماعات تعيش داخل حدود ملتهبة، تحمل ذاكرة اضطهاد، وتخاف أن تُترك وحيدة في لحظة انكشاف.
الخوف هنا لم يكن عرضاً جانبياً للسياسة، بل مادتها الخام، شرط إمكانها، ولغتها السرية.. ما اقترحه بن غوريون، في جوهره، هو تحويل الخوف إلى رابطة، والقلق إلى تحالف، والذاكرة الجريحة إلى أداة اشتغال دائمة.
لكن الخوف، حين يُنظَّم، لا يبقى خوفاً بريئاً، إنه يتحول إلى هوية، وحين تصبح الهوية مبنية على التهديد، فإنها تفقد قدرتها على الاعتراف بالآخر إلا بوصفه خطراً مؤجلاً.. بهذا المعنى، لم يكن حلف الأقليات مجرد محاولة لكسر العزلة التي شعرت بها إسرائيل في محيطها، بل كان تأسيساً لنمط تفكير يرى الشرق الأوسط كفسيفساء قابلة للتشظي الدائم، لا كفضاء قابل لبناء عقد جامع.. الفكرة لم تكن أن تحيا الأقليات، بل أن تبقى معلّقة في حاجتها المستمرة إلى الحماية، أي في حالة تبعية وجودية لا تنتهي.
ـ ذلك بالتحديد وبكل الدّقة ما ابتغاه بن غوريون.
ما بعد الربيع العربي ستكشف الأيام أن هذه البنية لم تكن استثناءً، بل قاعدة مؤجلة، ذلك أنه ما أن تهاوت الدولة المستبدة أو تشققت، كما في سوريا والعراق حتى انفجر العنف في كلتيهما.. لم ينفجر العنف فقط، بل انكشفت الذاكرة العميقة للجماعات.. عاد الماضي لا بوصفه سردية، وإنما بوصفه جرحاً مفتوحاً، وفي لحظة الفراغ تلك، لم تسأل الأقليات:
ـ كيف نكون مواطنين؟
بل سألت:
ـ من يحمينا؟
هذا السؤال، على بساطته، هو السؤال الذي يعيد إنتاج حلف الأقليات من جديد، حتى من دون أن يُسمّى.
هنا يتداخل السوسيولوجي بالوجودي، فالأقلية، حين تعيش طويلاً في وضعية انتظار الخطر، تطوّر علاقة خاصة مع الزمن:
ـ المستقبل لا يكون أفقاً، بل تهديداً، والآخر لا يكون شريكاً محتملاً، بل احتمالاً لأسوأ المخاوف.
في هذا السياق، يصبح الخوف ذاكرة جماعية، والذاكرة سياسة صامتة، وحين تُدار السياسة بالذاكرة المجروحة، لا تعود قادرة على إنتاج اعتراف متبادل، بل تنتج فقط سلاسل جديدة من الشك والارتياب و"الأنا والآخر".. الآخر المستعد لهدم الحائط على جثتي.
اقرأ أيضاً:
في قلب هذا المشهد، تكتسب تجربة وليد جنبلاط دلالتها التي تتجاوز حدود لبنان.. جنبلاط ليس منظّراً لحلف الأقليات، بل شاهداً خرج من داخله.
كونه ابن أقلية تعيش في كيان بُني أصلاً على توازنات خوف، جعله يدرك مبكراً أن الحماية التي لا تتحول إلى اعتراف متبادل هي شكل آخر من أشكال السجن.. تقلبه السياسي، الذي أُسيء فهمه كثيراً، يمكن قراءته بوصفه محاولة دائمة للهروب من التكلس، من التحول إلى "هوية خائفة" ثابتة، لأن الثبات هنا ليس فضيلة، بل انتحار بطيء.. انتحار الذات والمعنى.
ما يقوله جنبلاط، ضمنياً، هو أن الأقليات التي تختار الاحتماء بالقوة ضد مجتمعها، قد تنجو مؤقتاً، لكنها تدفع ثمناً وجودياً باهظاً:
ـ تفقد قدرتها على أن ترى نفسها خارج دور الضحية أو الحليف الوظيفي.
من منظور نفسي، أخطر ما في حلف الأقليات، هو أنه يُقنع الجماعة بأن خوفها قدر، وبأن النجاة لا تكون إلا عبر الخارج، وعند هذه النقطة، تتوقف الجماعة عن تخيّل ذاتها بوصفها جزءاً من كل، وتبدأ بتخيّل الكل بوصفه تهديداً.
فلسفياً، يمكن القول إن الصراع الحقيقي في مجتمعات ما بعد الربيع العربي ليس بين أقليات وأكثريات، بل بين منطقين للوجود:
ـ منطق الخوف ومنطق الاعتراف.
الخوف يطلب حماية، والاعتراف يطلب مساواة.. الخوف يعيش في الماضي، والاعتراف يفتح المستقبل، وحين يُبنى النظام السياسي على الخوف، يصبح الجميع أقليات محتملة، لأن الأكثرية التي لا تعترف بالآخر إنما تعيش هي نفسها في حالة فزع مقنّع، وهذا حال الأكثرية "السنيّة" في سوريا التي لابد تعيش مخاوفها، وهي مخاوف مبررة ومشروعة.. فمخاوف السنّة في سوريا لا تقل عمقاً ولا مأساوية عن مخاوف الأقليات، فهي ليست خوف أكثرية من فقدان امتياز، بل خوف جماعة جُرّدت طويلاً من الدولة بوصفها عدلاً، وحين غابت الدولة تماماً، وجدت نفسها عارية بين استبدادٍ انهار وفوضى لم تعد بشيء سوى استمرار الخوف.
حلف الأقليات، بهذا المعنى العميق، ليس مؤامرة بقدر ما هو حالة.. إنه يعكس فشل المجتمعات في تحويل الذاكرة إلى درس، والخوف إلى وعي، والاختلاف إلى غنى، وما يجعل هذا المنطق حياً حتى اليوم، ليس دهاء من صاغه، بل عجز من يعيشون تحته عن كسره.
ـ وحده الانتقال من سؤال "من يحميني؟" إلى سؤال "كيف نعترف ببعضنا؟" يمكن أن يخرج الأقليات والأكثريات معاً من هذا النفق.
لكن هذا الانتقال مؤلم، لأنه يتطلب مواجهة الذاكرة بدل الاحتماء بها، والنظر إلى الآخر لا بوصفه خطراً، بل بوصفه شرطاً للوجود، وما لم يحدث ذلك، سيظل حلف الأقليات يتجدد بأسماء مختلفة، وستظل السياسة في هذه المنطقة إدارةً للخوف لا أكثر، فيما الوطن يبقى فكرة مؤجلة، تُستدعى في الخطاب، وتُغتال في الممارسة، وتقوم "المجزرة" بدعم "الممارسة"، وهذا ما حدث لدروز سوريا الذين واجهوا مجزرة، إنكارها لايساويه سوى ارتكابها.
ـ وهنا ستكون الخيارات الموجعة لرجل يحمل اسم "كمال جنبلاط"، كما يحمل اسمه "وليد جنبلاط"، ولابد لـ "تيمور" أن يحمل كليهما.
لو شئنا أن نصف وليد جنبلاط اليوم، لن يكون بوسعنا أن نصفه كما لو نصف شخصية سياسية تقليدية، بل لوعيٍ يدرك عمق الازمة وقد اختار أن يقف في منطقة الخطر بدل الاحتماء بإجماع طائفي مريح.
جنبلاط، في لحظته الراهنة، يبدو كزعيم قرر أن يدفع ثمن التفكير بصوت عالٍ داخل جماعة اعتادت أن تُكافئ الطمأنينة وتُعاقب القلق (وهذا حال كل جماعات ما قبل الدولة)، فالرجل ليس زعيماً لأنه يمسك بالجماعة، بل لأنه يعرف متى يفلت قبضته عنها، وهذا بالضبط ما يجعله هدفاً.
نعم هو الحال كذلك، فالزعامة التقليدية تقوم على السيطرة، على ضبط الخطاب، توحيد الخوف، إدارة الولاء، أما هنا، فالزعامة تُفهم كقدرة على عدم الاحتكار، على السماح للجماعة بأن ترى أكثر من خيار، وأن تواجه أسئلتها بدل الاحتماء بزعيمها، وهنا بالضبط يصبح وليد جنبلاط هدفاً، لأنه حين يفلت قبضته، يكشف هشاشة التماسك القائم على الخوف، ويترك الجماعة عارية أمام أسئلتها الوجودية: من نحن؟ كيف نعيش؟ ومع من؟ هذه العُريّة مخيفة أكثر من أي عدو خارجي، لذلك لا يُهاجَم لأنه أخطأ، بل لأنه كسر وظيفة الزعيم كما تريدها الجماعة، أن يكون جداراً لا نافذة.
باختصار، فإن جنبلاط يُعاقَب لا لأنه خان جماعته، بل لأنه عاملها كجماعة قادرة على التفكير، لا كجماعة تحتاج إلى وصاية دائمة، وفي مجتمعات ما قبل الدولة، هذه جريمة رمزية كبرى.
المفارقة القاسية أن الرجل الذي قرأ مبكراً مصيدة "حلف الأقليات" هو ذاته الذي يُعاقَب اليوم من داخل بيئته لأنه رفض الانضواء في هذا الحلف، ليواجه مجموعات، بعضها بدافع الخوف وبعضها بدافع الارتهان السياسي، تعمل على عزله رمزياً، والتشكيك في وطنيته، بل وإهانته علناً، لا لأنه أخطأ في الحساب، بل لأنه أصاب في التشخيص، فجنبلاط حين قال إن الاحتماء الدائم بالقوة الخارجية أو بالأنظمة القمعية لا ينقذ الأقليات بل يضعها في مرمى التاريخ، كان يسحب من تحت أقدام هذه المجموعات آخر ذريعة نفسية لتبرير خوفها.
ما يتعرض له جنبلاط هو عقاب الجماعة لمن يخرج عن "سردية النجاة".. الأقليات، حين تُطوّر وعياً قائماً على التهديد، لا تسامح من يجرؤ على اقتراح معنى آخر للوجود.. الزعيم المطلوب في هذه الحالة ليس من يفتح الأفق، بل من يغلقه بإحكام، وجنبلاط، بعكس ذلك، يصرّ على إبقاء الباب موارباً، حتى لو دخلت منه الريح والعواصف، ولهذا يُنظر إليه اليوم، لدى بعض أبناء طائفته، بوصفه خطراً لا لأنه يهددهم، بل لأنه يهدد روايتهم عن أنفسهم.
من زاوية نفسية أعمق، يمكن القول إن الهجوم على جنبلاط هو هجوم دفاعي، فحين يقول إن الدروز لا يُنقَذون بالعزلة، ولا بالحلف مع إسرائيل ضد محيطهم، بل بالاندماج النقدي في فكرة الدولة، فإنه يضع الجماعة أمام خيارات صعبة:
ـ هل نريد البقاء أحياء فقط، أم نريد أن نكون جزءاً من تاريخ مشترك؟
هذا السؤال موجع، لأن الإجابة عنه تتطلب التخلي عن وهم الحماية المطلقة، والاعتراف بأن الخوف، مهما كان مبرراً، لا يصلح أساسا لهوية طويلة الأمد.
جنبلاط هنا لا يبدو زعيماً طائفياً بقدر ما يبدو وريثاً مأساوياً لفكرة الزعامة نفسها.. هو يعرف أن الزعامة التي لا تُجدّد نفسها بالشك تتحول إلى صنم، وأن الطائفة التي لا تختبر أفكارها تتحول إلى قطيع، ولذلك يقف في مواجهة حلف الأقليات لا بوصفه سياسياً يعارض سياسة، بل بوصفه شاهداً على خراب أصاب أقليات كثيرة حين صدّقت أن التاريخ يمكن تجميده عبر التحالف مع القوة، وأمامه، بل على ذراع منه تجارب يمكن الاستشهاد بها، وهل من تجربة أكثر وضوحاً من "دولة سعد حداد"؟
إهانته والتشهير به ليستا عرضاً جانبياً، بل جزء من آلية أعمق:
ـ الجماعة الخائفة تحتاج دائماً إلى كبش فداء داخلي، إلى شخص يُحمَّل مسؤولية القلق الذي لا تريد الاعتراف به، وجنبلاط، بقلقه العلني، وبأسئلته غير المريحة، وبرفضه لعب دور "الزعيم الحارس"، صار هذا الهدف المثالي، لكنه يثبت بذلك صحة ما يقوله، وما يقوله هو أن الخوف حين لا يُفكَّك، يتحول إلى عنف رمزي ضد من يحاول تسميته.
في صورته الأعمق، يبدو وليد جنبلاط اليوم كمن اختار أن يخسر الإجماع ليحافظ على المعنى، وتلك مقايضة بالغة النزاهة من زعيم يدرك أن الوقوف مع الجماعة ضد التاريخ أسهل من الوقوف مع التاريخ ضد هلع الجماعة، لكنه اختار الطريق الأصعب، ولهذا بالضبط، فإن محاولات عزله لا تُنقص من حضوره، بل تكشف حجم المأزق الذي تعيشه الأقليات حين يطالبها أحد أبنائها بأن تكون أكثر من مجرد ناجية.
ما كتبته هنا عن وليد جنبلاط ليس دفاعاً عنه، ولا تبنّياً لمساره السياسي، ولا محاولة لإعادة تلميع زعامة في زمن أفول الزعامات.. إنني لا أملك ترف الاصطفاف، ولا أؤمن أصلاً بأن الأفكار تُفهم من داخل الخنادق.. ما حاولت القيام به هو قراءة رجل يقف في منطقة لا يحبها أنصار اليقين، ولا يرحمها تجار الشعارات.
القراءة ليست موقفاً مريحاً، هي فعل تعرية، ومن يقرأ سياسياً من خارج السياسة، يدفع ثمناً مضاعفاً:
ـ يُتَّهَم من أهل الاصطفاف بأنه متواطئ، ومن أهل العداء بأنه مموّه، ومن الجميع بأنه لا يملك جواباً نهائياً.
لكنني لا أبحث عن جواب نهائي، لأنني لا أرى في السياسة محكمة، بل حقل أسئلة مفتوح.
أعرف أن هذه القراءة، كما كل قراءة تحاول تفكيك الخوف بدل توظيفه، ستضعني بدوري في مواجهة.. ستُساء نيّتي، وسيُختصر كلامي، وربما سأُطالَب بأن أكون "مع" أو "ضد"، لكنني لست رجل سياسة، ولا أطمح إلى أن أكون.. أنا رجل يحاول أن يرى ما وراء الضجيج، وأن يفهم كيف تتحول الهويات إلى متاريس، وكيف يُستدعى الخوف ليحلّ محل التفكير.
إذا كان في هذه القراءة ما يزعج، فذلك لأنها لا تمنح الطمأنينة.. هي لا تدافع، ولا تُدين، بل تُقلق، وأنا أقبل بهذا القلق، لأنه الثمن الوحيد الذي يستحق أن يُدفع حين نحاول أن نفهم بدل أن نهتف، وأن نقرأ بدل أن نصطف، فالفهم، في زمن الاستقطاب، صار هو الموقف الأكثر كلفة.
ذلك ما علمني إياه البير كامو، أليس هو القائل:"مهمة الكاتب ليست أن يكون في صفّ المنتصرين، بل في صفّ الحقيقة كما يراها، حتى لو اضطر أن يقف وحده"؟
* المقال منشور في جريدة الأنباء الإلكترونية، أُعيد نشرها في زاوية الكاتب نبيل الملحم.