info@suwar-magazine.org

رولا هارون: العدالة الانتقالية ليست شعاراً بل طريقاً لإنصاف الضحايا

رولا هارون: العدالة الانتقالية ليست شعاراً بل طريقاً لإنصاف الضحايا
Whatsapp
Facebook Share

 

إعداد وحوار الصحفية: آلاء الربيعي

 

عاصرت سوريا واقعاً اجتماعياً وسياسياً صعباً بعد سقوط النظام السابق، برزت معه تحديات جسيمة تتعلّق بإعادة بناء الثقة بين مكوّنات المجتمع السوري، ومعالجة آثار سنوات طويلة من الصراع والانقسام، وفي قلب هذه المرحلة يتجلّى دور الناشطين المدنيين الذين يعملون على تعزيز السلم الأهلي ونشر مفاهيم العدالة الانتقالية.

 

الدكتورة "رولا هارون" حاصلة على الدكتوراه في الترجمة الفورية وناشطة مدنيّة كرّست جهودها في قضايا السلم الأهلي والعدالة الانتقالية. تنقّلت في مسيرتها بين العمل الأكاديمي والترجمة والإعلام والعمل المدني، وشاركت في مبادرات عديدة لدعم عائلات الضحايا، لاسيما من خلال عملها مع "رابطة عائلات ضحايا قيصر"

في هذه المقابلة، تستعرض "رولا هارون" محطات من مسيرتها المهنية والإنسانية، وتأثير تجربتها الشخصية في مقاربة قضايا العدالة، فضلاً عن رؤيتها للمرحلة الانتقالية في سوريا وتطلعاتها لمستقبل يتسع للجميع.

 

 

 

-دكتورة رولا، انطلقتِ من خلفية أكاديمية ومهنية متعدّدة تشمل الترجمة والعلاقات الدولية والإعلام والعمل المدني. كيف تشكّل هذا المسار المُتشابك، وما اللحظة التي دفعتكِ للعمل على قضايا السلم الأهلي والعدالة الانتقالية؟

 

بدأت مسيرتي في الترجمة الفورية منذ عام 2011، حيث عملت ترجماناً محلفاً في جامعة تشرين، ثم انتقلت للعمل مُعيدةً في القسم ذاته. لاحقاً خُضت تجارب مهنيّة في قطاع الصناعات البترولية مع شركات نفطية دولية منها شركة "شلمبرجير"، وبالتوازي مع ذلك عملتُ في جامعة الفرات في قسم الصناعات البترولية عام 2012.

 

بالنسبة لي لم تكن الترجمة مجرّد مهنة، بل كانت وسيلة لإيصال صوت الحقيقة ونقل المعنى بدقة، فالكلمة المترجمة قادرة على إيصال صوت الحقّ إلى أفاق واسعة. وقد تعمّق هذا الفهم بعد دراستي للعلاقات الدولية والدبلوماسية (فأنا خريجة عام 2018) حيث ساعدني ذلك على فهم السياسة الدولية وآليات إدارة الصراع بشكل أعمق.

 

أما نقطة التحول الحقيقية كانت بعد سقوط النظام السابق، حيث واجهنا واقعاً اجتماعياً معقّداً، وشروخاً عميقةً بين مكونات المجتمع السوري. زاد من حدّتها تصاعد خطاب الكراهية والفهم الخاطئ لمفهوم العدالة الانتقالية. في تلك المرحلة أدركت أنّ من واجبنا كناشطين مدنيين العمل على ردم هذه الفجوة وتعزيز السلم الأهلي بين جميع المكونات على الأرض السورية.

 

إنني لا أرى تعارض بين المجالات التي نشطتُ بها، فالترجمة منحتني أدوات التواصل، ودراستي للعلاقات الدبلوماسية منحتني العمق السياسي، والإعلام مكنني من نقل هذه الرؤية للمجتمع. لأسخّر كلّ ذلك في خدمة سوريا الجديدة ومفاهيم العدالة التي تُنصف الجميع.

 

 

 

- تحملين هوية ثقافية مزدوجة وعشتِ في مدن سورية مختلفة خلال مراحل مفصلية من تاريخ البلاد. كيف أثّر ذلك على فهمكِ لمفهوم التعدد والعيش المشترك؟

 

ولدتُ وترعرعتُ في الساحل السوري وتحديداً في مدينة بانياس، وهي مدينة تتميّز بتنوعها الاجتماعي والثقافي حيث يعيش فيها خليط من مختلف المكونات، ومع بداية الحِراك في سوريا، انتقلتُ إلى موطني الأصلي "اليونان" كون والدي يوناني ووالدتي سورية، ومكثتُ هناك خمس سنوات.

لم تكن التجربة في اليونان غريبةً عليّ، فهو مجتمع متعدّد الثقافات بطبيعته، لكنّه يختلف في عاداته عن بيئتنا المحلية، مما أثرى تجربتي المجتمعية، ومنحني مزيجاً ثقافياً غنياً وجعلني أعيشُ التعدّدية كممارسة عملية لا كمفهوم نظري فحسب.

 

لاحقاً أقمتُ في مناطق شمال شرق سوريا بمدينة قامشلي، حيث عايشتُ عن قُرب مختلف مكونات المنطقة من خلال نشاطي المدني. هذا الاحتكاك المُباشر والاندماج الإنساني ساعدني على فهم سياسات المنطقة وطبيعة العلاقات المجتمعية، ومنحني زخماً كبيراً انعكس على قناعتي بضرورة تعزيز التعايش، فأنا أؤمن أن العيش في بيئات متنوعة يمنح الإنسان فهماً أعمق للمجتمع، وهو ما يشكل جوهر العمل المدني. 

 

اقرأ أيضاً:

 

                       النساء السوريات: لا بديل عن الضمانات الدستورية!

 

 

- للبُعد الشخصي حضور واضح في تجربتكِ، خصوصاً ارتباطكِ بقضية قيصر ودعم عائلات الضحايا. كيف انعكس هذا البُعد الإنساني على خياراتكِ المهنية وعلى مقاربتكِ لقضايا العدالة الانتقالية؟

 

البُعد الإنساني في هذه القضية مهم جداً بالنسبة لي، لأنّني شخصياً من عائلات ضحايا قيصر. نحن عائلة سياسية قديمة وكان لنا باع طويل في مسار الثورة، وقد فقدنا أحد أفراد العائلة ضمن ضحايا قيصر.

 

منذ المراحل الأولى لتأسيس ملف عائلات قيصر شاركنا في جمع الشهادات والأدلة، لكن عملنا كان يتم بشكل سرّي بسبب وجودنا في مناطق كانت تخضع لسيطرة النظام السابق، لذا لم يكن بإمكاننا الإعلان عن مشاركتنا، أما بعد سقوط النظام فقد أصبح بإمكاننا العمل بشكل علني، واليوم أعمل ضمن الجهود التي توثق الانتهاكات وترصد مسار القضية.

 

لقد بدأتُ العمل مع رابطة عائلات قيصر منذ عام 2019، وتركّزت أبرز أنشطة الرابطة ونتائج عملها في المسارات الآتية:

التوثيق والبحث من خلال مساعدة العائلات في البحث والتعرف على صور ذويهم الذين قضوا تحت التعذيب. والعدالة والمساءلة عبر المشاركة في التحركات القانونية الدولية لملاحقة المتورطين في جرائم الحرب والتعذيب، والدعم النفسي والاجتماعي عن طريق توفير منصة لدعم أهالي الضحايا وتقديم المساعدة النفسية اللازمة. والتضامن والحشد والمناصرة بتنظيم وقفات احتجاجية وتضامنية مثل "وقفة ساحة المرجة" للمطالبة بكشف مصير المغيبين. إضافة إلى مواجهة التضليل ورفض استغلال صور الضحايا في الأعمال الدرامية، والتركيز على كشف الحقيقة. والتشبيك من خلال ربط عائلات الضحايا ببعضها البعض وبالمنظمات الحقوقية الدولية.

نحن عائلات ضحايا قيصر نعتبرُ أنّ هذه القضية حقّ لنا، وواجبنا الدفاع عنها حتى تتحقّق العدالة. فالهدف ليس مجرد توثيق الانتهاكات، بل الوصول إلى محاسبة كلّ من تورط في هذه الجرائم، لأن العدالة هي الطريق الوحيد لإنصاف الضحايا وعائلاتهم.

 

 

 

- تعملين اليوم على قضايا السلم الأهلي والعدالة الانتقالية من خلال ورشات حوارية وبودكاست ودعم عائلات الضحايا. كيف تقيّمين أثر هذه الأدوات على الوعي المجتمعي؟

 

أرى أنّ مشاركتي في هذه الورشات أو تقديم "البودكاست" هو أقلّ ما يمكن تقديمه لنقل تجربتي ليستفيد منها المجتمع السوري، خصوصاً الجيل الناشئ. أهدف من خلال هذه الأنشطة المستقلة إلى تقديم نموذج حضاري وثقافي يكون قدوةً للنساء السوريات ولكلّ من يسعى لخدمة بلده.

 

لقد عشنا في سوريا عقوداً من عدم المعرفة ببعضنا البعض كمكونات اجتماعية، لدرجة أنّ البعض كان يتعامل مع الآخر عبر صور نمطية أو قوالب معلبة، كانت نتيجة نهج سياسي سابق عزّز الانقسام، لذلك أرى أنّ دور المجتمع المدني اليوم هو ترميم هذا الشرخ وإعادة بناء الثقة عبر حوار حقيقي يقوده أشخاص مؤمنون بهذه المبادئ.

ومع ذلك لم ألمس هذا الأثر بشكل كافٍ حتى الآن، فالكثير من الورشات الحوارية التي شاركتُ فيها عبر مختلف المناطق السورية كانت تفتقر للتدريب الجاد وتبني فكرة التعايش المجتمعي بشكل حقيقي وعميق.

 

 

 

- في تجربتكِ الإعلامية، خصوصاً عبر البودكاست، كيف يمكن للإعلام البديل أن يفتح مساحات نقاش عابرة للجغرافيا والانقسامات؟

 

أطلقنا بودكاست بعنوان "جسور التلاقي" بالتعاون مع منظمة "مالفا للثقافة والفن" وكان هدفه تعزيز السلم الأهلي والمواطنة عبر الحوار بين المجتمع المضيف والمجتمع النازح. لاحظنا خلال العمل وجود فجوات حتى داخل المجتمع الواحد، لذا عملنا على إيصال فكرة أن النازح جزء أصيل من النسيج السوري، وأن التعايش ممكن إذا توفرت الإرادة.

 

ساعدتني خبرتي الإعلامية في هذا المجال، خاصةً بعد دراستي للصحافة في الإمارات عبر الإنترنت، وحصولي على شهادة "نادي دبي للصحافة" عام 2024 حيث أعتبر أول مقدمة بودكاست في شمال وشرق سوريا. تلك البيئة الدراسية تميزت بتنوع ثقافي كبير (مشاركون من مصر والأردن ودول أخرى) ما وسع رؤيتي وجعلني أؤمن أن السوريين قادرون أيضاً على الاجتماع في مساحة مشتركة للحوار، إذا استخدمنا الإعلام كأداة لبناء الجسور.

 

 

 

- شاركتِ مع منظمات محلية ودولية في مناطق سورية متعددة. ما أبرز التحديات التي تواجه العمل المدني في مجال السلم الأهلي اليوم؟

 

شاركتُ في مؤتمرات وفعاليات عدة خارج سوريا بصفتي ناشطة مدنية مستقلة، وتعاونت مع منظمات محلية ودولية تعنى بالسلم الأهلي، المشاريع في هذا القطاع كثيرة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في التنفيذ الواقعي فهذا العمل يتطلب وعياً مجتمعياً أكبر وكوادر مؤمنة بالقضية إيماناً حقيقياً.

 

للأسف نواجه أحياناً مشكلة عدم تبني القضية بشكل كامل من بعض الجهات، إضافة إلى رواسب سنوات طويلة من القمع السياسي التي جعلت المجتمع غير معتاد على التعبير الحر عن الرأي، لذا من الضروري دعم هذه المبادرات ببرامج تدريب دولية احترافية لتأهيل كوادر قادرة على إدارة الحوار بمهارة، والاستفادة من تجارب دولية مرت بنزاعات مشابهة.

 

 

 

- كيف تقيّمين المرحلة الانتقالية الراهنة في سوريا من زاوية مجتمعية؟

 

من وجهة نظري ما زلنا بعيدين عن تحقيق العدالة الانتقالية بمفهومها الشامل. المفهوم حاضر في الخطاب العام، لكن تطبيقه ميدانياً لا يزال محدوداً، فهناك قضايا جوهرية لم تُعالج حتى الآن، كملفّ المُعتقلين والمُغيّبين قسراً، وغياب الشفافية الكافية حول مصير الضحايا. حتى عائلات قيصر لم تحصل بعد على الاعتراف والإنصاف المستحق.

 

في المقابل نشهد تصاعداً مقلقاً في خطاب الكراهية والتخوين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو أمر يشكل تحدياً جسيماً لنا كنشطاء مدنيين، لأن هذه الخطابات تقوض كل جهود بناء السلم الأهلي وترميم المجتمع.

 

 

 

- ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الأفراد، ولا سيما النساء والشباب، في دفع مسار السلم الأهلي؟

 

دور الشباب والنساء محوري في كسر الحواجز المتراكمة، فالثورة بالنسبة لي هي "ثورة وعي وعقل" قبل كل شيء، وعندما يدرك الناس أن الاختلاف في الرأي لا يعني العداء، سنتمكن عندها من بناء مجتمع متماسك.

 

أركز في عملي على هاتين الفئتين، لأنهما النواة الحقيقية لسوريا المستقبل. ورغم أن تمثيلهما لا يزال خجولاً بسبب غياب التدريب الكافي، والخروج حديثاً من مجتمع منغلق، إلا أننا بحاجة لتكثيف برامج التوعية لتمكينهم من التعبير عن آرائهم بحرية وفعالية.

 

 

 

- على المستوى الشخصي، ما تطلعاتكِ للمرحلة القادمة؟

 

أتطلّع للمشاركة في برامج تدريبية دولية وتطوير عملي في مجال السلم الأهلي والعدالة الانتقالية. أطمح لتحويل بودكاست "جسور التلاقي" إلى منصة حوارية عالمية تجمع كل المكونات السورية، وأحلم بإطلاق سلسلة ورشات حوارية تشمل الجغرافيا السورية كاملة، من الجزيرة إلى الساحل ومن إدلب إلى دمشق، لكسر الحواجز وتبادل الخبرات.

 

أرى في نفسي القدرة على التأثير عبر الإعلام والورشات الميدانية التي تقدم مشاريع حقيقية لا تظل "حبراً على ورق" وحلمي الأكبر أن تعود سوريا بلداً يتسع للجميع، يصان فيه حق الإنسان بغض النظر عن دينه أو قوميته أو انتمائه، ويعيش فيه السوريون تحت سقف قانونٍ ودستورٍ يحمي الجميع دون إقصاء.

 

*أُنتجت هذه المادة ضمن مشروع تمكين الصحفيات «دورها» من مؤسسة «تاز بانتر»، بالشراكة مع مؤسسة «نساء ربحن الحرب»

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard