info@suwar-magazine.org

كيف سرقوا مايكل جاكسون مني؟

كيف سرقوا مايكل جاكسون مني؟
Whatsapp
Facebook Share

 

 

أخيراً شاهدت فيلم  "مايكل جاكسون"، أبهرتني الصورة، بل وكان التمثيل بحدود ما، مبهراً، كل ما فيه مُبهِر،  وقد تستلزم مفردة "مبهِر" بعض الإضافة:

ـ مبهِر في إماتة "مايكل جاكسون" السؤال، والإصرار بلا شفقة على إحياء مايكل جاكسون "البضاعة".

ياله من ترويج:

ـ مبهِر.

ليلاحظ القارئ كم مرّة تكررت في السطرين السابقين مفردة:

ـ مبهِر.

ـ ولكن.

 

 

ثمة خيانة هادئة يرتكبها هذا النوع من الإنتاج  بحق السؤال الإنساني.. أنا لا أبحث في سيرة مايكل عن طفولته ولا عن فضائحه ولا حتى عن نهايته، بل عن ذلك السؤال الذي ظل يطارده كقدر:

ـ كيف أبدّل قدري؟

وربما يستبق السؤال السابق بسؤال:

ـ كيف أكون أكثر مما أنا عليه؟

 

حصل وبدّل "مايكل" قدره، غيّر لون بشرته، دفع أبيه خارج مسرح حياته وتحرر من سطوة الأب بما يعنيه من سلطة، ومن ثم صنع للرقص "قدراً" ما كانت البشرية لتعرفه لولم يكن مايكل جاكسون.

رقصة فيها من الاحتجاج، ما يشي برجل قرر أن يغيّر أقدارنا.

 

ربما فعل "فاغنر" للموسيقى ما فعل مايكل جاكسون للرقص، مع اختلاف إيقاعاتهما، وربما فعل "مايكل" ما فعله "دافنشي" للون حتى باتت اختلاطات الموناليزا سؤالنا، وهو سؤال يوازي السؤال "الهاملتي" الخالد:

ـ أكون أو لا أكون.

 

 

"مايكل جاكسون" ليس أقل نبوغاً من نابغي تاريخ البشرية، غير أن الفيلم لم يكن معنياً بهذا السؤال، كان معنياً بشيء آخر تماماً:

ـ كيف يحوّل مايكل جاكسون إلى بضاعة قابلة للبيع.

هذا ما يفعله الطغيان حين يدخل إلى السيرة، لا يقرأها، بل يعيد ترتيبها وفق منطق السوق.. كل ما هو عميق، يُقصى، وكل ما هو قابل للبيع يُضخّم.. يتحول الإنسان إلى قصة، والقصة إلى مُنتَج، والمُنتَج إلى رقم.

 

 

أنا لا أرى أن مايكل جاكسون غيّر لون بشرته هرباً من سواده، بل أراه محاولة قصوى للسيطرة على المصير، على الجسد، على الشكل، على الهوية.. محاولة أقرب إلى فعل الخلق منها إلى فعل التجميل، وهذا تحديداً ما لا يمكن للسوق أن يفهمه أو يسمح به، لأن من يسعى إلى إعادة خلق نفسه، يهدد كل منظومة قائمة على الثبات.

 

اقرأ أيضاً:

                 

                 من رسائل لم تصل صندوق بريدهم.. السيد محمد إدريس  

                    امتناناً لـ نجوى فؤاد أكتب عن سيّد درويش   

 

 

ما حدث لـ "مايكل" ليس استثناءً، بل قاعدة، انظروا كيف تم التعامل مع "مارلين مونرو".. امرأة كانت تبحث عن الحب والمعنى، عن اعتراف لا يأتي، عن دفء لا يُشترى، تحولت إلى أيقونة جمال بلا عمق.. تم اختزالها إلى جسد، إلى صورة، إلى ملصق.

ـ السؤال الذي كانت تحمله (ربما):

ـ لماذا أنا وحيدة تحت هذا الضوء كله؟

هو السؤال الذي تم دفنه تحت طبقات المكياج والإضاءة.. تحت اكداس "البضاعة".

 

 

لم يكن حال "داليدا" أفضل.. "داليدا"، التي كتبت قدرها أيضاً بيدها فانتهت منتحرة (ياللصلابة والإيمان بالنفس)، "داليدا" لم تكن مجرد صوت حزين، أو صارخ.. "داليدا" كانت هاوية مفتوحة على الأسئلة الوجودية.

ـ كم مرة حاولت أن تعيش وكم مرة هُزمت أمام الحياة؟

لكن السوق لا يحب الهزائم الحقيقية، فيحوّلها إلى رومانسية ناعمة، إلى حنين قابل للترديد، إلى أغنية تُشغّل في المساء دون أن تُفهم.

ـ أتذكرون أغنيتها "حلوة يابلدي".

ـ أعادت للنيل سحره.

 

 

 

حتى محسنة توفيق، التي كانت تحمل في حضورها تمرداً سياسياً وإنسانياً، يمكن أن تُختزل بسهولة إلى "ممثلة قديرة"، وكأن المسألة تقنية وليست موقفاً من العالم.

ـ مايحصل يمكن اختزاله بـ:

ـ يتم نزع المخلب.

فعلوا ذات الأمر مع "سعاد حسني".. سعاد حسني، تلك التي وكأن الضحكة خُلقت أولاً ثم خُلقت هي لتبريرها، لم تسلم من هذا الخراب.. هي التي كانت قادرة أن تجعل الحزن يرقص، وأن تُخفي الكسر في العين خلف ومضة حياة، انتهت:

ـ  إلى ورقة صفراء في صحف صفراء.

ياولاد الـ "المتدايقة"، وأستعير الشتيمة من المحكية المصرية.

 

 

 

أما فيروز، ربما هي حالة خاصة.. صوت لا يزال يقاوم، لكن السوق يحاول ترويضه بتحويله إلى طقس يومي.. فيروز التي كانت نشيداً للوجع والأمل، تصبح خلفية صباحية، شيئاً مألوفاً إلى حد الإلغاء، وثمة قاعدة تقول، أو ربما قالها برتولد بريخت:

 ـ حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة، يفقد قدرته على الصدمة

أنا لا أمتلك الكثير في هذا العالم، لا أملك مؤسسات ولا منصات ولا قنوات وليس لي محفظة مالية ولا رصيد بنكي.. أملك فقط علاقتي  مع هؤلاء.. هؤلاء ملكيتي: مايكل جاكسون، مارلين مونرو، داليدا، محسنة توفيق، فيروز، وفرق الإنشاد الصوفي التي تعلّمني كيف يمكن للصوت أن يكون صلاة.. هؤلاء ليسوا بالنسبة لي "نجوماً"، هؤلاء شركاء زمني.. أرى نفسي في شقوقهم، في تناقضاتهم، في فشلهم أكثر مما أراها في نجاحهم.

 

 

يأتي السوق ويعيد تقديمهم لي بنسخته، أشعر أنه لا يسرقهم فقط، بل يسرقني أنا أيضاً.. يجرّدني من حقي في أن أملك تجربتي الخاصة معهم.. يضع بيني وبينهم وسيطاً:

ـ قصة جاهزة، تفسير نهائي، صورة مكتملة.

بينما ما أبحث عنه هو العكس تماماً:

ـ النقص، الغموض، ما لا يُقال.

المال وسخ، لا يدمر المعنى بشكل مباشر، بل يفعل شيئاً أكثر دهاءً:

ـ يعيد إنتاج نفسه بطريقة تجعله قابلاً للاستهلاك.. يمنحك الوهم بأنك فهمت، بينما أنت لم تقترب.. يعطيك سيرة مكتملة، بينما الحياة في جوهرها غير مكتملة.

 

 

كم سيرة تم تحويلها إلى بضاعة؟ لا يمكن إحصاء ذلك.. كل من يحمل سؤالاً حقيقياً مهدد بأن يُختزل إلى قصة، كل من يقترب من الحافة، يتم إرجاعه إلى الوسط.. كل من يسأل "كيف أكون؟" يتم تحويله إلى "هكذا كان".

ـ لكن رغم ذلك، هناك شيء لا يمكن مصادرته.

تلك اللحظة التي شعرت فيها بأنك التقيت بهذا الإنسان حقاً، ليس عبر فيلم ولا عبر كتاب، بل عبر ارتعاشة داخلية.. عبر إدراك مفاجئ أنك لست وحدك في هذا القلق.

السوق لا يستطيع أن يصل إلى هناك.. لا يستطيع أن يدخل تلك المنطقة التي لا تُعرض ولا تُباع.. يمكنه أن يملك الصورة، لكنه لا يملك التجربة.. يمكنه أن يعيد سرد الحكاية، لكنه لا يستطيع أن يلمس السؤال.

ولهذا، ربما ليست المشكلة في أن السوق يشوّه السير، بل في أننا ننسى أن نبحث خارج ما يقدمه لنا، أن نستعيد حقنا في القراءة، في التأويل، في الحب حتى.

 

 

مايكل جاكسون الذي أبحث عنه لن أجده في فيلم.. سأجده في تلك المسافة الخطرة بين ما كانه وما أراد أن يكونه.. في محاولته المستحيلة لأن يبدّل قدره.. في فشله قبل نجاحه.. في جرحه قبل صوته.

 

اما هنا فيعود السؤال:
ـ هل نحن أمام عمل يسائل الأسطورة، أم يعيد إنتاجها؟
إذا كان الفيلم يكتفي بإعادة تدوير الصورة التي صنعها الإعلام والجمهور، فهو لا يضيف شيئًا، بل يشارك في تثبيت وهم جماعي، أما إن امتلك الجرأة على تفكيك التناقض بين العبقرية الفنية والظل الإنساني، فقد يصبح عملًا يستحق الوقوف عنده.

 

ـ وهناك، فقط هناك، أستعيد نفسي معه… لا كما يريد السوق، بل كما أريد أنا.

لن أسمح لهم بأن  يسرقوا مايكل جاكسون منا..من السؤال.

 

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
الثلاثاء, 16 حزيران 2026
الأحد, 14 حزيران 2026
السبت, 13 حزيران 2026

إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard