info@suwar-magazine.org

عودة مهجّري سري كانيه اختبار للمرحلة الانتقالية

عودة مهجّري سري كانيه اختبار للمرحلة الانتقالية
Whatsapp
Facebook Share

 

كانت سري كانيه/رأس العين أنموذجاً فريداً للتعدّد السوري؛ بكردها، عربها، سريانها، أرمنها، إيزيدييها، شيشانها، شركسها، وتركمانها، عاشوا فترات تاريخية طويلة في جوارٍ واحد، هذا التنوّع لم يكن شعاراً، بل حقيقة مُعاشة وحياة يومية في الأسواق والمدارس وتكافل واحتفالات في الأفراح ومشاركة في الأتراح والمآتم.

 

 

لكن كلّ ذلك التنوّع الذي كان أهل المدينة يتميّزون بها ويُعدّونها إحدى فضائلها لدرجة تسميتها وتشبيهها من قبل البعض بـ "سوريا الصُغرى"، كلّ ذلك تم جرفه واقتلاعه من جذوره، في العملية العسكرية التركية رفقة الفصائل السورية المسلّحة التي سُمّيت بـ "فصائل الجيش الوطني السوري عشية العاشر من تشرين الأول 2019، حيث تغيّر كلّ شيء أدّت لتهجيرٍ قسريٍ طال أكثر من 150 ألف مدني في غضون أيام فقط.

 

 

اليوم مضت سبع سنوات على ذلك التهجير، الذي كنتُ شاهداً عليها في تلك الأيام العصيبة، ونقلت أخبارها للعالم عبر الإعلام، كانت الأمواج البشرية تفرّ بخوف صوب ما تبقى من ريفٍ آمن لم يمرّ وقت طويلٌ حتى غدا كلّ ما في الريف والمدينة مكاناً لن يستطيع الناس العودة إليها طوال السبع العجاف التي ظلّ الناس وظللنا ننتظرها إلى اللحظة.

 

 

تحوّلت المدن والقرى والبلدات في سري كانيه/رأس العين وربيبتها في الحملة العسكرية تل أبيض إلى أشباح، ففي سري كانيه/رأس العين وحدها فرُغت 45 قرية كردية منها 12 قرية إيزيدية و6 قرى مسيحية وصارت أطلال، ولم يبقى منها أحد.

 

 

لم تُبقي السنوات التي تلت احتلال المدينة سوى 10 سريان وأرمني وحيد والعشرات من الكُرد، بعد أن كانوا مع بعضهم البعض إلى جانب المكونات الأخرى يمثّلون هذه المدينة وتنوّعها الذي يفخر بها أبناؤها.

 

 

رغم سقوط النظام نهاية العام 2024، وتوقيع اتفاقية 10 آذار و29 كانون الثاني بين الحكومة المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إلا أنّ ملف عودة مهجّري سري كانيه/رأس العين وتل أبيض لا يزال مؤجلاً، لدرجة صار معها السؤال من "لماذا هُجّروا؟" إلى "لماذا لم يعودوا؟ ولماذا لا يعودون؟"

 

اقرأ أيضاً:

 

                المرسوم التشريعي رقم 13 لعام 2026 وتفاعلات الشارع الكُردي

 

 

العودة المنقوصة

العودة ليست حافلات تقلّ نازحين ومهجرين إلى بيوت مُحتلة، فالعودة تبدأ بالأمن الذي يتوفّر في المدن والقرى والحياة اليومية، ولا أمن ولا أمان إلا بسيادة الدولة، التي لم تستطع بسط سيطرتها حتى اليوم. اليوم المدينتان سري كانيه/رأس العين وربيبتها تل أبيض خارج سيطرة الحكومة المؤقتة مدنياً وعسكرياً، والفصائل المُسلّحة والمسيطرة عليها فعلياً لم تندمج بعدُ في وزارة الدفاع إلا شكلياً دون أي صدى على أرض الواقع، وتتصرّف هناك كسُلطة أمر واقع منذ سبع سنوات. حُكمٌ فصائليٌ خلّف جرحاً عميقاً في ذاكرة الأهالي: اعتقالات تعسفية، مصادرة أملاك، فرض أتاوات، وتغيير ديمغرافي ممنهج.

 

 

كان هذا ولا يزال لسان حال الأهالي الذي يقول: "لا أمن مع سلاحٍ مُنفلت خارج الدولة"، وإنّ أي خطة عودة تتجاهل تفكيك هذه البُنى المُسلّحة محكومٌ عليها بالفشل، والحلّ يبدأ بتشكيل قوة شرطة مدنية من أبناء المدينتين، تخضعُ للمساءلة المحلية وتُديرها الحكومة المؤقتة، وبدون هذا الشرط سيتحوّل ملفّ العودة والعودة نفسها إلى فخٍّ، فالثقة لا تُبنى بالبيانات، بل برؤية وخطة عودة مُتكاملة واجراءات عمليّة سريعة بنتائج تنعكس إيجاباً على الأهالي.

 

 

ماذا عن البيوت والخدمات والعدالة؟

ما يتعلّق بالبيوت والخدمات والعدالة للمهجّرين والضحايا بينهم تمثّل ثلاثة شروط غير قابلة للتفاوض؛ فبداية إنّ مئات العائلات النازحة من حمص ودير الزور والحسكة لا تزال تسكن منازل السكان الأصليين، ولا آليات للإخلاء، ولا للتعويض، ولا خطط إلى الآن، وهو ما يُعطّل ليس العودة فحسب وإنما من الممكن أن يهدّد بنزاعات مجتمعية لاحقا.

 

ثانيا، تُعدّ الخدمات سري كانيه/رأس العين وتل أبيض اليوم في أسوء حالاتها، مدنٌ بلا مستشفيات فعليّة، بلا مدارس، بلا كهرباء، بلا خدمات زراعية في منطقتين تعتمدان بشكل شبه كامل على الزراعة.

الانهيار الاقتصادي العام في سوريا، وفي حسابات العائدات (إن عادوا)، يُثقل أعباء وتفكير هؤلاء قبل أي خطوة أخرى.

 

 

أما النقطة الثالثة وهي العدالة، فذات بُعْد مزدوج، فثمة انتهاكات للملكيات تمثّل الاستيلاء والتعدّي والنهب والتعفيش، وحالات الاختفاء القسري والاعتقال خارج نطاق القضاء التي جرت بين أعوام 2019 و2026 فيجب أن تُدرج ضمن سياق برامج العدالة الانتقالية، فلا مُصالحة بلا إنصاف، ولا إنصاف بلا محاسبة، وهذه ليست مجرّد تفاصيل، بل شروط وجود، وتجاهلها يعني أنّنا أمام الكثير من المشاكل الداخلية والتي قد تؤدي إلى تغيير ديمغرافي مُحتمل حين تمنع هذه الشروط مفردة أو مجتمعة العودة أو تحدّ منها، حيث من الممكن أن تدفع بالأهالي (السكان الأصليين) لبيع ممتلكاتهم وهجران مدنهم وقراهم.

 

 "مفاتيح بيوتنا لا تصدأ"

المهجّرون لا يُريدون خطابات، بل رُزنامة تحدّد توقيت العودة، ومعها فتح المدارس وتفكيك الألغام وإزالة السواتر الترابية وفتح الطرقات الرئيسية، وخططا لإخلاء البيوت تمهيدا لعودة أهلها.

 

سري كانيه/رأس العين وتل أبيض هما المُختبر الحقيقي للمرحلة الانتقالية، إن عاد الكردي إلى جوار العربي، والسرياني والأرمني عادا ليقرعا أجراس الكنيسة، وعاد الإيزيدي ليضيء شموعه، نكون قد أثبتنا جميعا عندها أنّ سوريا قادرة على لملمة جِراحها وإن فشلنا، نكون قد استبدلنا ظُلما بظلم.

 

"سوريا الصغرى" تنتظر منّا حقّها بالعودة وعلى لسان حال أبنائها جملة وحيدة: "مفاتيح بيوتنا لا تصدأ"، وقلوبنا لم ولن تيأس. فقط أزيلوا كلّ الحواجز والعوائق. فالعودة حق، وليست منة والحقّ لا يسقط بالتقادم.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard