يا بنت ارقصي، تلك هي الهجرة إلى الله

أتساءل:
ـ ما الصلة مابين الرقص الصوفي والسباحة؟
سؤال سيأخذني لما هو أبعد، إلى ما يمكن وصفه بـ "السفر بحراً إلى الله"، وأنا أصغي الى الشيخ ياسين التهامي وهو يُنشِد "لغة القلوب"، يُنشِد "سباحة"، نعم، سباحة وبلا ماء، عبر تلك الصلة الغامضة للوهلة الاولى، لكنها تظهر حين نبتعد قليلاً عن الشكل ونقترب من التجربة الداخلية نفسها، فكلاهما "الرقص الصوفي والسباحة" يبدأ من شيء بسيط جداً:
النَفَس.
المنشد الصوفي يعيش داخل تنفسه؛ يمدّ العبارة ويقطعها ويترك للصوت فسحة ثم يستعيده، كأنه يعيد ترتيب إيقاعه الداخلي، والسبّاح أيضاً يصنع عالمه من الهواء، يعرف متى يلتقطه، ومتى يحبسه، ومتى يطلقه، وفي الحالات الثلاث، لا يعود التنفس مجرد وظيفة للجسد، بل يتحول إلى إيقاع يقود التجربة كلها.
ثم يأتي التكرار، ذلك العنصر الذي يبدو للعين العادية تكراراً ميكانيكياً، بينما يخفي في داخله إمكانية التحول، ففي الإنشاد الصوفي تعود العبارة نفسها مرات عديدة، ويعود الاسم نفسه (الله)، كأنه موجة لا تتوقف عن الرجوع إلى الشاطئ.
في السباحة تتكرر الحركة ذاتها:
ـ الذراع تمتد، الجسد ينساب، الساق تدفع الماء ثم تعود لتبدأ من جديد.
لكن التكرار هنا لا يعيد الإنسان إلى النقطة نفسها، بل يغيّره شيئاً فشيئاً، فحسب منشدين عرفتهم في دمشق، عبر حضرة صوفية سجّلت خلالها شريطاً تسجيلياً حمل عنوان "هبّة يك"، فإن المنشد بعد وقت، لايعرف أنه يردد الكلمات، كما لا يشعر السباح أنه يعدّ حركاته؛ كأن التكرار نفسه يذيب الوعي الحاد بالنفس.
لو اختبرت تلك الرقصة مع الراقصين، ثمة شعور عميق ينتابك، يمكن تسميته بـ "خفة الجسد"، ففي لحظات معينة من السماع الصوفي سيغدو جسدك أقل ثقلاً، كأنك خرجت قليلاً من حدوده المعتادة، والماء بدوره يمنح السبّاح شيئاً قريباً من ذلك، يخفف وطأة الجاذبية ويمنح الجسد إحساساً بالتحرر من حمله اليومي، فالجسد ثقيل أي كان وزنه.
ـ كلاهما يخلق لحظة لا يشعر فيها الإنسان أنه يحمل جسده على كتفيه، وسيكون الحال أكثر إنعاشاً إذا ما ترافق مع "لفافة" من تلك النبتة المقدّسة التي تدعى "حشيشة الكيف"، ستجعل الثقل أقل والطيران أكثر لذة.
لكن الأهم ربما سيكون الاستخلاص التالي:
ـ كليهما يقوم على نوع من التفاهم لا على العنف.
فالسبّاح لا ينتصر على الماء بالقوة، لأن الماء يعاقب من يقاومه بعناد، هذا ماسمعته من شريط مصوّر مع السبّاحة الأكثر إحرازاً للميداليات الذهبية، وأعني السباحة الأمريكية كاتي ليديكي، التي تنصح السبّاح بـ :
ـ عليه أن يتعلم كيف ينساب مع الموجة.
وهكذا حال الإنشاد الصوفي، هو ليس محاولة لفرض السيطرة على الجسد، بل لمرافقته حتى يهدأ ويدخل في إيقاعه الخاص.
لهذا ربما يمكن القول إن السباحة ليست سوى إنشاد يمارسه الجسد في الماء، والإنشاد الصوفي سباحة يؤديها الجسد في فضاء لا يُرى، وفي كلتيهما يبحث الإنسان، بطريقة ما، عن لحظة ينسى فيها ثقله ويصبح أكثر قرباً من نفسه.
اقرأ أيضاً:
ولكن السؤال:
ـ من أين جاءت جذور الانشاد الصوفي؟
جذور الإنشاد الصوفي لا تبدأ من الموسيقى كما قد يُظن، بل من الإنصات، فالبدايات الأولى للإنشاد الصوفي، مرتبطة بممارسة صوفية اسمها السماع، أي الاجتماع للاستماع إلى تلاوة القرآن أو الشعر الروحي أو الذكر الجماعي بهدف إحداث يقظة داخلية وتقريب القلب من التجربة الروحية.. لم يكن الأمر في البداية حفلاً غنائياً، بل كان جزءاً من ممارسة روحية تبحث عن حضور السؤال أكثر مما تبحث عن جمال الأداء، ولكن من ابتكر هذا الرقص؟
ـ أيّ كائن تغلّب على جاذبية الأرض مستعيناً بجاذبية السماء؟
ـ لنحاول تقصي جذور الإنشاد الصوفي:
ربما سأستعين باستخلاصات من كتابين، أولهما "إحياء علوم الدين"، لـ "أبو حامد الغزالي"، وفيه سيؤكد بلا جدال أن فكرة السماع هي الأساس النظري للإنشاد الصوفي، بما يحمل من أسئلة أبرزها:
ـ هل السماع هو وسيلة للوجد؟ وما شروطه وحدوده.
وهذا الكتاب ليس كتاباً عن تاريخ الإنشاد تحديداً، لكنه من أهم النصوص المؤسسة لفهم شرعية الإنشاد الصوفي ومكانته.
وثانيهما لـ "محي الدين ابن عربي"، "الفتوحات المكية"، وفيه يتناول السماع والموسيقى والروح بصورة فلسفية.
في القرون الإسلامية الأولى:
ظهر تيار الزهد والتصوف في مناطق مثل العراق وخراسان وفارس، حيث بدأ المتصوفة يستخدمون الشعر والذكر بصوت جماعي، لأنهم وجدوا أن الكلمة المنطوقة تمتلك أثراً مختلفاً عن الكلمة المقروءة.
ـ كانوا يرون أن بعض المعاني لا تُفهم بالعقل وحده، بل تُلامَس عبر الإيقاع والنبرة والحالة الداخلية.
ثم، مع انتقال التصوف عبر الجغرافيا، أخذ الإنشاد يلبس أثواب الشعوب التي مرّ بها، ففي بلاد فارس دخل الشعر بقوة مع قصائد العشق الإلهي لدى "جلال الدين الرومي" وغيره، وفي الأناضول ظهرت حلقات السماع والدوران عند المولوية، أما في الهند وشبه القارة الهندية فقد امتزجت التقاليد الفارسية والعربية والتركية بالموسيقى المحلية، وظهر شكل معروف هو "القوالة".
لذلك لا يمكن الحديث عن أصل واحد للإنشاد الصوفي، كأن له لحظة ولادة محددة، ربما الأدق أن نقول إن جذره الأول كان الذِكر، ثم أضافت إليه الشعوب لغاتها وأوزانها وأحزانها وطرائقها في الحنين، ولهذا حين تستمع إلى إنشاد مغربي أو تركي أو كردي أو فارسي أو شامي (تسحرني فرقة المرعشلي الشامية، تكاد تمنحني ما يكفني لأعيش اكثر، بلا ثقل لا على الجسد ولا على الناس، والشام عاصمتي سواها ادغال )، تشعر أن الأرواح متقاربة بينما الأصوات مختلفة.
الإنشاد الصوفي في بدايته، كما أظنه، لم يولد من رغبة الإنسان في أن يغنّي، بل من رغبته في أن يصغي إلى شيء أعمق من صوته نفسه.
في نهاية هذا المسار من الأسئلة والاختلافات، يبدو الإنشاد الصوفي كأنه يقف خارج معارك التعريف، لا لأنه يرفضها، بل لأنه ينتمي إلى طبقة أخرى من التجربة، فبين من يراه عبادة، ومن يراه فناً، يبقى هو في مكان ثالث:
ـ حيث يتحول الصوت إلى صدى للروح، والإيقاع إلى شكل من أشكال العبور الداخلي.
فكما لا تُختصر الصلاة في الحركة وحدها، ولا الشعر في الوزن وحده، لا يُختصر الإنشاد في كونه صوتاً أو لحناً.. إنه لحظة يتقاطع فيها الجسد مع الوجدان، دون ادعاء امتلاكهما.
هكذا، لا يعود "الرقص الصوفي" مجرد شكل جمالي أو ممارسة طقسية، بل دائرة مفتوحة على الداخل، تدور لا لتغلق على معنى واحد، بل لتفتح احتمالات متعددة للسكينة، وفي هذا الدوران تحديداً، يكمن ما يشبه الانتصار الهادئ:
ـ انتصار التجربة حين ترفض أن تُختزل، وتصرّ على أن تبقى حيّة، متحركة، وغير قابلة للحبس داخل تعريف واحد.
ـ ولكن، هل سيكون بوسعنا اعتبار الرقص الصوفي تحرير للجسد؟
يمكن النظر إلى الرقص الصوفي، خصوصاً في صورته المولوية (الدوران)، كنوع من تحرير الجسد لكن ليس بالمعنى الذي يفهمه الجسد الحديث كتحرر من القيود فقط، بل كتحرر أعمق وأكثر التباساً.
الجسد في الحياة اليومية يكون غالباً "مشدوداً" إلى وظائفه:
ـ العمل، السيطرة، التوازن، الصورة الاجتماعية.
أما في الرقص الصوفي، فهو يُدفع إلى حالة مختلفة:
ـ في هذه اللحظة، لا يعود الجسد يعبّر عن "أنا أفعل"، ولكن "عن شيء يحدث عبري".
من هنا يمكن القول إن هناك نوعاً من التحرير:
تحرير من ثقل السيطرة العقلية الصارمة على الحركة، ومن التوتر الدائم في إدارة الجسد كشيء وظيفي.. الدوران المستمر، الإيقاع، والتنفس المنضبط، كلها عناصر تُدخل الجسد في حالة تتجاوز العادة اليومية للحركة.
لكن هذا التحرير ليس فوضى أو انفلاتاً، بل هو نوع آخر من الانضباط، فالمولوية، مثلاً، لا تدور اعتباطاً، هناك قواعد دقيقة للوقفة، للانحناء، لفتح الذراعين، ولإيقاع الدوران.. بمعنى آخر، الجسد لا يتحرر من النظام، ولكنه ينتقل من نظام "خارجي اجتماعي" إلى نظام "داخلي روحي".
ـ وهنا المفارقة:
الرقص الصوفي يبدو كتحرر من الشكل، لكنه في العمق إعادة تشكيل للجسد داخل معنى أعلى، لذلك يمكن القول إن ما يحدث ليس تحريراً بسيطاً للجسد، بل إعادة اكتشاف له.
ـ هل يحدث هذا مع "الرقص الشرقي"؟
ربما يجوز القول بأن الفرق بين الرقص الصوفي والرقص الشرقي التقليدي ليس مجرد فرق في الشكل أو الإيقاع، بل في المعنى الذي يُحمَّل للجسد داخل الحركة.
الرقص الصوفي، خصوصاً عند المولوية، يقوم على فكرة أن الجسد يدخل في فعل روحي متكرر ومنضبط، الدوران ليس للتعبير عن المتعة أو الإغراء أو حتى العرض الفني، بل يُفهم كنوع من الذكر المتجسّد:
ـ حركة دائرية ثابتة ترمز إلى دوران الكون حول مركز واحد، وإلى حركة الإنسان نحو "المطلق"، لذلك، المتصوف لا يرقص لـ "يـُرى"، بل ليدخل في حالة حضور داخلي، حتى لو كان هناك جمهور "يَرى".
أما الرقص الشرقي التقليدي، فهو ينتمي إلى سياق مختلف تماماً:
ـ سياق التعبير الجمالي والاجتماعي.
هو رقصة مرتبطة بالموسيقى الشعبية، بالفرح، بالاحتفال، وأحياناً بالإثارة الجسدية المتعمدة.. الجسد هنا ليس وسيلة للذكِر، بل وسيلة للتعبير عن التذكُر، الحيوية، الرغبة، الفرح، أو المهارة الفنية أمام الآخرين، لذلك فهو قائم على الفردية والحضور المرئي فالراقصة أو الراقص هنا، "يُظهر" الجسد لا "يُذوّبه"، ولا شك بأنه لابد ويتطلب في لحظة ما، إطلاق عبقرية الجسد، ولولا تلك العبقرية لما توّجت ناديا جمال ملكة لخيالنا، ولا كان هذا حال نجوى فؤاد وسهير زكي.
بالنتيجة، يمكن تلخيص الفرق هكذا:
ـ في الرقص الصوفي، الجسد يُمحى تدريجياً داخل فكرة روحية حتى يصبح الحركة نفسها نوعاً من التأمل
أما في الرقص الشرقي، الجسد يُبرز ويُحتفى به كجمال حيّ ومتحرك.
هناك أيضاً فرق في العلاقة مع الجمهور:
ـ في الرقص الصوفي، الجمهور ليس الهدف، بل قد يكون مجرد شاهد على حالة داخلية.
ـ في الرقص الشرقي، الجمهور جزء أساسي من التجربة، لأن التفاعل معه هو جزء من معنى الأداء.
لكن رغم هذا الاختلاف العميق، هناك نقطة التقاء خفية:
ـ كلاهما يستخدم الإيقاع ليحرر الجسد من ثقله اليومي، لكن كل واحد يسلك طريقاً مختلفاً تماماً نحو هذا التحرر، أحدهما نحو الداخل، والآخر نحو الخارج.
و... كلاهما "هجرة إلى الله"، الصوفية بالذوبان في الله، والرقص الشرقي في إعلان عبقرية الله وهو ينحت الجسد البشري.
ـ كيف لك أن لا تقرّ بعظمة الله وأنت تتشظى مع "نجوى فؤاد" بمشاركة "فاطمة سرحان وهما تزفان رقصة:
ـ الحجّالة.
اظن أن السماء تشاركهما الرقص،
أخيراً:
ـ ياصبيّة، ارقصي، ارقصي، ارقصي.
تلك هي "الهجرة إلى الله".