هندسة الإنسان المطيع ودمجه في القطيع

لا تحتاج السلطة في لحظات التحول الحاد إلى إقناع الناس بقدر ما تحتاج إلى إخافتهم. فالإنسان المذعور لا يفكر بالطريقة ذاتها التي يفكر بها الإنسان الآمن، إذ تتقلص مساحة النقد لديه، وتتضخم حاجته إلى الحماية، حتى لو جاءت هذه الحماية من الجهة ذاتها التي أنتجت الخوف أو غذّته.
لهذا لم يعد الرعب في السياسة الحديثة مجرد نتيجة للحروب والصراعات، بل صار أداة من أدوات الإدارة النفسية للمجتمع، وتقنية دقيقة لإعادة تشكيل الوعي الجماعي وتوجيهه نحو الخيارات التي تريدها السلطة، أياً كانت طبيعتها أو خطابها أو هويتها الأيديولوجية.
في علم النفس السياسي والعسكري، تُبنى شرعية القرار غالباً على صناعة "التهديد". فالسلطة التي تريد تغييراً جذرياً في سلوك جمهورها، أو تريد تمرير قرارات استثنائية، تحتاج أولاً إلى خلق حالة إدراكية يشعر فيها الناس بأن الخطر يقترب منهم شخصياً. هنا يتحول الخوف إلى طاقة سياسية هائلة، إذ يصبح الفرد أكثر استعداداً للتنازل عن حرياته، وأكثر ميلاً لقبول العنف، وأقل اهتماماً بالتساؤل الأخلاقي حول الوسائل المستخدمة. إن الجماهير، تحت ضغط التهديد المستمر، تبحث عن النجاة لا عن الحقيقة، وعن القائد الحاسم لا عن القائد العادل.
لهذا السبب، لا تُدار كثير من الأنظمة والفصائل المسلحة عبر برامج فكرية متماسكة بقدر ما تُدار عبر اقتصاد نفسي قائم على القلق الجماعي. فكلما شعر الناس بأنهم محاصرون من "عدو خارجي" أو "خطر وجودي"، ازدادت قدرة القوى السياسية والعسكرية على إعادة ترتيب الولاءات، وتبرير الفشل، وتأجيل الأسئلة المتعلقة بالعدالة والفساد والحرية. الخوف هنا لا يُستخدم بوصفه انفعالاً آنياً، بل باعتباره بنية ذهنية طويلة الأمد تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بالعالم وبذاته وبالآخرين.
كمثال في التجربة السورية- منذ بداية الثورة 2011 وحتى كتابة هذه السطور- تبدو هذه الآلية أكثر وضوحاً وتعقيداً في الوقت نفسه. فخلال سنوات الصراع الطويلة، لم يعد الخوف مجرد أثر جانبي للحرب، بل تحول إلى البيئة الأساسية التي يجري داخلها إنتاج السياسة والعسكرة معاً.
جميع القوى المتصارعة تقريباً، على اختلاف مواقعها وخطاباتها، اعتمدت بدرجات متفاوتة على تصنيع الإحساس بالخطر الدائم. السلطة البعثية الاسدية تحدثت عن المؤامرة الكونية والانهيار والفوضى الشاملة، والفصائل المسلحة بمختلف انتماءاتها وولاءاتها تحدثت هي الاخرى عن الإبادة الطائفية والعرقية والاحتلالات والخيانة، والقوى الإقليمية والدولية غذّت بدورها هذا المناخ عبر سياسات الاستقطاب والتخويف المتبادل. وفي النهاية، وجد السوري نفسه محاصراً داخل منظومة نفسية لا تسمح له برؤية الواقع إلا من زاوية التهديد التي تم هندستها مسبقاً، وعبر النفق الذي تم اقتياده إليه دون إرادة أو وعي.
اقرأ أيضاً:
المفارقة أن الإنسان عندما يعيش طويلاً تحت الضغط والخوف، يبدأ تدريجياً في إعادة تعريف الأخلاق ذاتها. ما كان يُعتبر سابقاً فعلاً غير مقبول يمكن أن يصبح مبرَّراً تحت شعار "الضرورة" أو "الدفاع عن البقاء". وهنا تتجلى أخطر نتائج العسكرة النفسية للمجتمع، إذ لا يقتصر الأمر على السيطرة على المجال العام السياسي، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الحس الأخلاقي والنفسي الجمعي. فالعنف يتحول إلى أمر اعتيادي، والريبة والشك تصبح أسلوب حياة، والاختلاف يُنظر إليه كاحتمال للخيانة لا كحق طبيعي.
إن الأنظمة والفصائل التي تُتقن إدارة الخوف تدرك جيداً أن الإنسان الخائف يميل إلى الانتماء القطيعي. ففي أوقات الرعب وانتشار الخوف، تتراجع الفردانية النقدية لصالح الهوية الجماعية المغلقة، ويصبح الولاء العاطفي أهم من التفكير العقلاني. لهذا تُكثر السلطات العسكرية والسياسية من إنتاج الشعارات المطلقة والرموز العاطفية وصور الأعداء، لأنها تعرف أن العقل الجماعي في حالة الخوف لا يستجيب للحقائق بقدر ما يستجيب للصور والانفعالات. إنها عملية تعبئة نفسية مستمرة، يتم فيها استثمار الغريزة البدائية للبقاء من أجل تثبيت السيطرة.
لكن المشكلة الأعمق لا تكمن فقط في القوى التي تستخدم الخوف، بل في تحول الخوف نفسه إلى ثقافة اجتماعية دائمة. فعندما يعيش المجتمع سنوات طويلة داخل مناخ التهديد، يصبح عاجزاً عن تخيل السياسة خارج ثنائية القوة والرعب. ويبدأ الناس، دون وعي، في البحث عن "المنقذ القوي والمُخَلّصْ" بدلاً من البحث عن المؤسسات والقوانين والضمانات المدنية. هكذا تتحول الدولة أو الفصيل أو الزعيم إلى مركز نفسي للحماية، حتى لو كان جزءاً من إنتاج الكارثة نفسها.
إن أخطر ما تفعله السياسة حين تتحالف مع العسكرة ليس فقط تدمير المدن أو تفكيك المجتمعات، بل تحويل الإنسان إلى كائن خائف باستمرار، يتخذ مواقفه تحت ضغط النجاة لا تحت ضوء الحرية. فالمجتمع الذي يُدار بالخوف يفقد تدريجياً قدرته على التفكير المستقل، ويصبح أكثر استعداداً لقبول أي سلطة تمنحه شعوراً مؤقتاً بالأمان. ومن هنا يمكن فهم كيف تستمر كثير من الصراعات، لا لأنها تملك حلولاً، بل لأنها تملك قدرة هائلة على إعادة إنتاج الخوف بوصفه شرطاً دائماً للسيطرة.
في النهاية، ليست السلطة التي تنجح في إخافة الناس هي الأقوى دائماً، بل ربما تكون الأكثر قدرة على فهم هشاشة النفس البشرية. فالخوف، منذ أقدم الإمبراطوريات حتى أكثر الأنظمة المعاصرة تعقيداً، ظل الوسيلة الأكثر فاعلية لتحويل الجماهير إلى كتلة قابلة للتوجيه. وما يحدث في سورية ليس استثناءً تاريخياً، بل مثال مكثف على الكيفية التي يمكن بها للسياسة والعسكرة أن تعيدا تشكيل المجتمع عبر إدارة القلق الجماعي، حتى يصبح الخوف نفسه وطناً نفسياً بديلاً عن الوطن الحقيقي.