info@suwar-magazine.org

الثورات.. سيرة المقصلة الطويلة

الثورات.. سيرة المقصلة الطويلة
Whatsapp
Facebook Share

 

قد يبدو ما أكتبه محض حماقة، غير أن ما يبرر حماقاتي، أن حماقاتي ليست صيغتي النهائية، فتحولاتي كما المصعد في بناء مسكون، الصاعدون فيه لايكفّون عن الثرثرة والسؤال، والنازلون فيه كذلك، دون نسيان أنها قد تكون "عدوى"  جدلية ياسر عرفات لاعقائدية احمد ياسين الحمساوي، ذاك الرجل (وأقصد عرفات)، الذي ليس بوسع شبكة صياد أن تصطاده، وفي هذه الحال من تداعيات السؤال، يزداد شكي بالثورات، لا بأهدافها المعلنة، بل بمآلاتها، فالتاريخ، كما يبدو لي، ليس سجلاً لانتصارات الحرية بقدر ما هو سجل للمسافة الهائلة بين ما تعد به الثورات وما تنتهي إليه.

 

 

خذوا الثورة الفرنسية مثلاً:

 ما زالت كتب التاريخ المدرسية تقدمها بوصفها ولادة الحرية الحديثة، لكن المشهد يستحق تأملاً أطول.. يوم اقتحم الثوار سجن الباستيل، الرمز الأكبر للاستبداد الملكي، لم يجدوا خلف جدرانه آلاف المظلومين الذين تخيلتهم الأسطورة الثورية، بل سبعة سجناء فقط: أربعة مزورين، ورجلين مختلين عقلياً، وأرستقراطياً سجنته عائلته بطلب منها.. كان الباستيل رمزاً أكثر منه سجناً.

 

 

لكن الثورة الفرنسية التي بدأت بتحطيم رمز القمع، سرعان ما صنعت أدوات قمعها الخاصة، المقصلة التي نصبت باسم العدالة الثورية لم تكتف بقطع رأس الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت، بل راحت تحصد رؤوس الثوار أنفسهم:

ـ دانتون، أحد أبرز قادة الثورة، صعد درجاتها، وبعده صعد روبسبير نفسه، الرجل الذي جعل المقصلة قلب النظام الجديد.

 الثورة التي وعدت بالحرية تحولت خلال سنوات قليلة إلى آلة تأكل أبناءها، حتى أصبحت عبارة "الثورة تأكل أبناءها" أشبه بقانون تاريخي لا بمجرد استعارة أدبية.

 

اقرأ أيضاً:  

 

                   الخمسة الذين حاولوا الخروج من زنزانة الطائفة

                    أيها القائد: نصيحة.. أقتل رفاقك أولاً

 

أما الثورة البلشفية:

التي حملت وعد تحرير الإنسان من الاستغلال وبناء جنة العمال والفلاحين، فقد افتتحت تاريخها الحديث بمشهد لا يقل قسوة، ففي تموز 1918 أُعدم القيصر نيقولا الثاني مع زوجته ألكسندرا وأولادهما الخمسة في قبو منزل بمدينة يكاترينبورغ.. لم يُقتل القيصر وحده بوصفه رأس النظام القديم، بل أُبيدت العائلة كلها.. أُطلقت النار على الأب والأم والبنات والشاب المريض أليكسي، ثم استُكملت العملية بالحراب والرصاص عندما تعثر القتلة بسبب الجواهر المخيطة داخل ثياب الضحايا.. لم يكن ذلك مجرد إعدام سياسي، بل إعلاناً بأن الثورة الجديدة لن تكتفي بإسقاط النظام القديم، بل ستسعى إلى محوه من الوجود.

 

 

غير أن المشهد الأكثر دلالة لم يكن هناك:

 بعد سنوات قليلة، خرج بحارة كرونشتادت، الذين كانوا من أكثر أنصار البلاشفة إخلاصاً، مطالبين بحرية أكبر وانتخابات حرة للسوفييتات.. كان جواب الثورة عليهم المدافع والرصاص.. قُتل الآلاف، وسُحقت الانتفاضة، عند تلك اللحظة، كما كتب كثير من المؤرخين، بدأت الثورة تنقلب على وعودها الأولى.

 

 

ثم جاء ستالين:

لم يهبط ستالين من السماء، ولم يكن حادثاً طارئاً على الثورة، بل كان أحد مآلاتها الممكنة، ففي ظل حكمه تحولت الدولة التي بشرت بتحرير الإنسان إلى واحدة من أكثر منظومات القمع اتساعاً في القرن العشرين.. امتلأت المعتقلات، وامتدت شبكة معسكرات الغولاغ عبر القارة الروسية، واختفى ملايين البشر بين الإعدامات والمجاعات والترحيل القسري.. صار الخوف لغة يومية، وصار الحزب الذي وعد بإلغاء الاستبداد يملك سلطة لم يحلم بها أي قيصر روسي.

 

 

وفي عالمنا العربي:

لم تكن الحكاية مختلفة كثيراً.. رفعت ثورة البعث شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية، ووعدت بتحرير فلسطين، لكنها تركت وراءها سجونا وأفرعاً أمنية صار لها اسم "فرع فلسطين" وهو فيها أكثر حضوراً من فلسطين نفسها، ورفعت الثورة الفلسطينية أحلام أجيال كاملة، قبل أن تنتهي إلى سلطة محاصرة تعيش داخل حدود الممكن الذي رسمه خصومها، أما الثورة السورية، التي خرجت مطالبة بالحرية والكرامة، فقد انتهى جزء كبير من مصيرها إلى أمراء الحرب والجماعات المسلحة والسكاكين والسواطير، حتى بدا أن الدم أصبح أكثر حضوراً من الحلم الذي خرج الناس من أجله.

 

 

قد يقال إن المشكلة ليست في الثورات بل في من سرقها، وقد يكون في ذلك بعض الحقيقة، لكن تكرار المشهد نفسه عبر قرنين من الزمن يجعل السؤال أكثر إلحاحاً:

ـ لماذا تتشابه النهايات رغم اختلاف الرايات؟

ربما لأن الإنسان يتوهم أن إسقاط السلطة يغير الطبيعة البشرية، وربما لأن الثورة حين تتحول إلى عقيدة مطلقة، تبدأ بالنظر إلى البشر بوصفهم أدوات في خدمة الفكرة، لا إلى الفكرة بوصفها في خدمة البشر.. عندها يصبح الدم مجرد تفصيل، والمقصلة ضرورة، والإعدام إجراءً ثورياً، والمعتقل حماية للمستقبل.

 

 

لهذا كله، تبدو لي كلمتان من الشاعر ميشال طراد أكثر حكمة من خطابات الثوار وبيانات الأحزاب وكتب المنظرين:

راعي بكي، ومنجيرتو بكيت معو
بكيت تيتسلى

"شو قولكن قالتلو؟
شو قولكن قللا؟"

في هذين السطرين تختبئ ثورة أخرى لا ترفع علماً ولا تبني مقصلة ولا تفتح سجناً ولا تقيم معسكر اعتقال.. ثورة صغيرة، متواضعة، تكاد لا تُرى:

ـ  إنسان يبكي، وإنسان آخر يشاركه البكاء.

لا يعده بالفردوس، ولا بتحرير البشرية، ولا بمملكة العدالة النهائية، بل يمنحه شيئاً أكثر ندرة:

ـ بعض التعاطف.

 

بعد قرنين من الثورات، والدماء، والمقاصل، والمعتقلات، والمجازر التي ارتكبت باسم الحرية والعدالة والخلاص، أجد نفسي أميل إلى الاعتقاد بأن هذا التعاطف البسيط غيّر من حياة البشر أكثر مما فعلت جيوش الثوار كلها.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
الثلاثاء, 16 حزيران 2026
الأحد, 14 حزيران 2026
السبت, 13 حزيران 2026

إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard