أي وحدة يحتاجها الكرد اليوم؟

يتجدد الحديث عن الوحدة الكردية كلما دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة من التحولات السياسية، أو برزت تحديات مصيرية تمس مستقبل الشعب الكردي وحقوقه الوطنية. ومع أن الدعوة إلى الوحدة تكاد تكون محل إجماع بين مختلف القوى السياسية الكردية، إلا أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بالحاجة إلى الوحدة بقدر ما يتعلق بطبيعة هذه الوحدة ومضمونها وأولوياتها. فهل المقصود وحدة سياسية شاملة بين جميع القوى الكردية؟ أم وحدة موقف وطني داخل كل جزء من أجزاء كردستان؟ أم توافق قومي عام يحدد المصالح المشتركة للشعب الكردي في مختلف أماكن وجوده؟
تكمن الإشكالية في أن مفهوم الوحدة الكردية غالباً ما يُطرح كشعار عام دون تحديد مستوياته المختلفة، الأمر الذي يؤدي إلى خلط سياسي وفكري بين قضايا متباينة في طبيعتها ومتطلباتها. لذلك فإن أي نقاش جدي حول مستقبل الحركة الوطنية الكردية ينبغي أن ينطلق من التمييز بين مستويين متكاملين من الوحدة، لكل منهما وظيفته وأهميته وآليات تحقيقه.
المستوى الأول هو الوحدة الكردستانية العامة، أي التوافق القومي بين القوى والأحزاب الكردية في مختلف أجزاء كردستان حول مجموعة من المبادئ والثوابت الوطنية المشتركة. وهذه الوحدة لا تعني توحيد التنظيمات السياسية أو إنشاء مرجعية مركزية واحدة، كما لا تعني تجاوز الخصوصيات السياسية والاجتماعية لكل جزء من أجزاء كردستان. فاختلاف الظروف التاريخية والقانونية والسياسية التي يعيشها الكرد في كل جزء يجعل من الصعب الحديث عن مشروع سياسي موحد بالمعنى التنظيمي.
لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى وجود رؤية قومية مشتركة تحدد المصالح العليا للشعب الكردي، وتؤسس لعلاقات قائمة على التضامن والتنسيق والتشاور. فالقضية الكردية، رغم تعدد ساحاتها السياسية، تبقى قضية شعب واحد تجمعه هوية قومية وتاريخ مشترك وتحديات متقاربة. ومن هنا تبرز أهمية الاتفاق على خطوط عريضة تتعلق بالدفاع عن الحقوق القومية المشروعة، وحماية المكتسبات الوطنية، ورفض الاقتتال الداخلي، ومنع استخدام طرف كردي ضد طرف كردي آخر في الصراعات الإقليمية والدولية.
أما المستوى الثاني فهو وحدة الموقف الوطني الكردي داخل كل جزء من أجزاء كردستان. فلكل جزء ظروفه السياسية الخاصة، وقضاياه الوطنية المباشرة، وتحدياته المختلفة. لذلك فإن بناء توافقات وطنية داخلية بين القوى السياسية الكردية في كل ساحة يمثل شرطاً أساسياً لتعزيز الحضور السياسي الكردي والدفاع عن الحقوق والمصالح الوطنية.
اقرأ أيضاً:
وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين وحدة الموقف الوطني وبين إلغاء التعددية السياسية. فالمقصود ليس توحيد الأحزاب أو إنهاء المنافسة الديمقراطية، بل الاتفاق على الحد الأدنى من القضايا الاستراتيجية التي تمس مستقبل المجتمع الكردي ومكتسباته. إذ يمكن للأحزاب أن تختلف في برامجها الفكرية والسياسية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى أرضية مشتركة عندما يتعلق الأمر بالقضايا الوطنية الكبرى.
غير أن أحد الأسباب الرئيسية التي أعاقت مسارات الوحدة الكردية خلال العقود الماضية هو الخلط بين مفهوم الوحدة ومفهوم الهيمنة. ففي كثير من الأحيان رُفعت شعارات الوحدة بينما كان المقصود عملياً اصطفاف الآخرين خلف رؤية حزب أو قوة سياسية بعينها. وهنا كانت المبادرات الوحدوية تصطدم سريعاً بجدار انعدام الثقة، لأن الوحدة الحقيقية لا تُبنى على التبعية، بل على الشراكة المتكافئة والاعتراف المتبادل.
فالوحدة ليست أن يتخلى طرف عن رؤيته لصالح طرف آخر، وليست أن تذوب التعددية السياسية في إطار واحد. الوحدة الحقيقية هي القدرة على الاتفاق حول المصالح المشتركة رغم استمرار الاختلافات السياسية والفكرية. وكل تجربة وحدوية لا تعترف بهذه الحقيقة محكوم عليها بالتعثر مهما كانت الشعارات التي ترفعها.
أظهرت تجارب الحركة السياسية الكردية أن الخلافات الداخلية كانت في كثير من الأحيان أكثر كلفة من الضغوط الخارجية. كما أثبتت الأحداث أن غياب المواقف المشتركة في اللحظات المفصلية أدى إلى إضعاف القدرة على استثمار الفرص السياسية وحماية المكتسبات الوطنية. لذلك فإن الحاجة إلى الحوار والتنسيق والتشاور لم تعد مجرد مطلب سياسي، بل أصبحت ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة.
ومن الخطأ النظر إلى الوحدة الكردستانية العامة ووحدة الموقف الوطني داخل كل جزء بوصفهما بديلين عن بعضهما البعض. فالوحدة الكردستانية تمنح القضية الكردية بعدها القومي والاستراتيجي، بينما توفر وحدة الموقف الوطني الأدوات العملية لترجمة هذا البعد إلى سياسات ومواقف ملموسة في كل ساحة. العلاقة بينهما علاقة تكامل لا تناقض، ونجاح أحدهما يعزز فرص نجاح الآخر.
اليوم، وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، يبدو أن القضية الكردية تقف أمام مرحلة جديدة تفرض على القوى السياسية مراجعة كثير من المفاهيم والممارسات التقليدية. فالمطلوب لم يعد مجرد تكرار الدعوات إلى الوحدة، بل بناء ثقافة سياسية جديدة قوامها الحوار والشراكة والبحث عن المشتركات الوطنية والقومية.
إن بناء إطار دائم للتشاور الكردستاني بين القوى السياسية في مختلف الأجزاء، بالتوازي مع تطوير صيغ للتوافق الوطني داخل كل جزء، قد يكون المدخل الأكثر واقعية لتعزيز الموقف الكردي في مواجهة التحديات المقبلة. فالقضية الكردية تحتاج إلى مؤسسات للحوار أكثر مما تحتاج إلى بيانات عابرة، وتحتاج إلى إدارة الاختلاف أكثر مما تحتاج إلى تجاهله أو إنكاره.
في النهاية، لا يحتاج الكرد اليوم إلى وحدة شكلية أو عاطفية بقدر حاجتهم إلى وحدة سياسية واعية تستند إلى فهم الواقع وتعقيداته. فالتوافق الكردستاني العام حول الثوابت القومية، ووحدة الموقف الوطني داخل كل جزء حول القضايا المصيرية، يشكلان معاً الأساس الأكثر واقعية لبناء قوة سياسية قادرة على حماية الحقوق والمكتسبات وتحويل الفرص التاريخية إلى إنجازات .
لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد،هل يحتاج الكرد إلى الوحدة؟ بل، هل تمتلك القوى السياسية الكردية الإرادة الكافية للانتقال من منطق المنافسة والصراع إلى منطق الشراكة والمسؤولية الوطنية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال، أكثر من أي شيء آخر، هي التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة ومستقبل القضية الكردية .