info@suwar-magazine.org

جسدٌ في مرمى قناصَين

جسدٌ في مرمى قناصَين
Whatsapp
Facebook Share

 

(شارع الجنون)

عباس علي موسى

 

سأكون أوّل من يطالب بلدية سري كانيه/رأس العين بتسمية أوسع شوارعها بشارع "مختار"، على اعتبار أنّ العظمة تنسحبُ عليه أيضاً، حتى لو كان مجنوناً. وليسمِّه من لن تعجبه هذه التسمية بشارع الجنون.

بروفايل: مختار من مجانين مدينة سري كانيه/رأس العين، التي ذاع اسمها في شرائط الأخبار الحمراء إبّان اندلاع الاشتباكات، حينها، بين كتائب إسلاميةٍ والقوّات الكردية (YPG) (التي عُرف عنها لاحقاً أنّها من القوى الفاعلة التي تحارب الإرهاب والمتطرّفين الإسلاميين)، مدعومةً بثلّةٍ من أبناء المدينة. حينها نزح جلّ أهل المدينة باتجاه الحدود التركية؛ ما شكّل مأساةً حقيقية. كان مختار ممّن صمد، ورفض الخروج من المدينة التي حفظت بقيّة جنونه ومسّ صحوته، ودخل صفحات التاريخ كمقاومٍ عن بيته وذكريات مدينته. (كأن المجانين يحتفظون بالحكمة إلى آخر لحظات حياتهم).

المدينة التي يغادرها مجانينها حين يدهمها الخطر ويهدّدها الغرباء تنذر بالخراب، وتكونُ عرضةً للسقوط في أية لحظة. المدينة التي ليس فيها مجانين مدينةٌ ميّتةٌ وخانعة. فالمجانين هم الجانب الآبق من سلطة الخوف، وهم الحامون الحقيقيون حينَ يفرّ الجميعُ خوفاً على أرواحهم، وهم الذين يمزّقون ثياب أرواحهم وينتظرون المدينة كي تعودَ إلى سكينتها.

مشهدٌ غير قابلٍ للإعادة:

حين أصابه القنّاص في جسده، في تلك اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت، والتي تشبه العبور إلى ضفة النهر الأخرى؛ لم يدرك مختار معنى أن تقتله رصاصة!

كان الدم دافئاً كاندلاق الشاي على صدركَ/ صدره الرحب حتى أمام الموت!

في المعارك التي تجتاز أعتاب المدن، وتدخلها برويّةٍ، يكون القنّاصة شعراء المعارك سيّئي الصيت وصانعي البطولات.

كلّما قتل القنّاص أحدهم وضع فارغة الطلقة في جعبته وكأنه يحصي قتلاه، ربّما ليبرزها كتذكرة عبورٍ إلى جحيمهم أو فردوسه. وكلّما قتل أحدهم ارتفع الأحمر القاني في ذاكرته. تذكّرني الحالة دوماً بلعبة الكونتر، حيث رصيدُ اللعبة هو مقدار ما تملكه من الدم.

ليس القنّاص قاتلاً عادياً كالجنديّ، لأنّه لا يحكمه حسّه وردّة فعله العسكرية، وسيادة الموقف، ذلك الذي يحتمل الصوابية والخطأ، بل هو القاتل الواعي، الذي يقتل ضحيته بدمٍ بارد.

يحمل القنّاصة صليبهم ويجوبون به الشوارع الخالية، لكنّهم يصلبون ضحاياهم. وفي نهاية المطاف يحملونه دون أن يفضي بهم إلى نهاية.

ما الذي سيجعل من قنّاصٍ في هذه الجغرافيا مختلفاً، وهل هو كذلك فعلاً؟!

هل فعل القتل مختلفٌ هاهنا، على هذه الأرض التي لم تنذر نفسها لتكون مقدسةً، لأن كلّ الدماء سالت عليها، دماء الفردوسيين والجحيميين؟

لا أعرف، إن انتهت الحرب، هل سنقيم متحفاً للقتلة أيضاً؛ قتلتنا الطيبين وقتلتهم الجشعين، لنلعن أولئك ونقدّس أولائنا؟

أما عن مختار، فحين أمرّ من الشارع/شارعه سأهمّ بانحناءةٍ تليق بغيابه، وسأسرد القصّة للأطفال العابرين. وسيكون في المقهى العتيق عجوزٌ يرفع يديه ويهمّ بسرد أغنيةٍ، وحوله من الحالمين بأمسِهِ، وغدِهم، ويقولون منتشين بالغناء (تاو تاو).

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard