info@suwar-magazine.org

الاغتصاب ..اللحظة العصيّة على النسيان

الاغتصاب ..اللحظة العصيّة على النسيان
Whatsapp
Facebook Share

 

معتقلات سوريّات في سجون الظلام، وخلف قضبانه الباردة دفعن وتدفعنَ أثماناً باهظة لأجل الحريّة والكرامة التي خرجن تطالبنَ بها في ساحات المدن السوريّة حين علت أصوات حناجرهنّ تطالب بحقوقهنّ.

 

"تصبحنَ على إخلاء سبيل" جملةٌ اعتادت هناء أن تقولها كل يوم خلال سنواتها الثلاث التي قضتها معتقلةً داخل سجون النظام السوري معتبرةً أن إطلاق السراح ونيل الحرية أثمن بكثير من الخير ذاته.

 

هناء اسم مستعار (32 عاماً) خريجة معهد إدارة الأعمال متزوجة، اختفى زوجها نهاية العام 2011 حين خرج من المنزل، ولم يعد منذ ذلك الوقت. اعتقلت هناء على إحدى الحواجز بالمنطقة الجنوبية في حيّ القدم تشرين الأول /أكتوبر من العام 2012 أثناء محاولتها الذهاب للاطمئنان على منزلها الذي أصابه القصف في ريف دمشق بسبب المعارك الدائرة آنذاك بين قوات النظام السوري، وعناصر (الجيش الحرّ) المتواجد في المنطقة.

 

تقول هناء "كوحوش وجدَتْ فريستها تجمَّع عناصر الأمن حولي على الحاجز، وبدأوا استجوابي (ما الذي تفعلينه هنا؟ أنتِ تساعدين الإرهابيين في هذا المكان؟)" وهي تتلقّى الصفع والتنكيل من العناصر، وتجيب: (جئتُ فقط للاطمئنان على منزلي)، عندها قام أحدهم بتكبيل يديها، واقتيادها برفقة أربعة آخرين إلى مكان تجهله.

 

تقول الشابة "مئتا خطوة وأكثر من 30 جثَّة لشبان امتلأت على أطراف الطريق كانت مسافة الطريق الذي أوصلني نحو عربة عسكرية كبيرة وضعوني داخلها وأنا مقيدة، حين بدأت ضحكاتهم توحي بما كنت أخافه وأخشاه، قام أحدهم بتثبيت جسدي، وآخر بإغلاق فمي كي لا أستطيع الصراخ، مزّقوا ملابسي.. وتناوب العناصر الخمسة على اغتصابي بوحشية وهمجية، وهم يتشاجرون من سينهشني أولاً... قبل أن أفقد الوعي"

 

في اليوم التالي نُقلتْ هناء إلى الفرع 227 المسمّى فرع المنطقة، وهي تنزف وثيابها ممزقة، وبالرغم من ألمها وجراحها وحرقة قلبها لم يُسمح لها بالتحدث، والتصريح عما جرى معها في تلك الليلة من قبل عناصر الأمن بل وهُدِّدَتْ بالقتل، واعتقال جميع أفراد عائلتها لو تحدثت عن حادثة اغتصابها، وطلب منها الضابط الخمسيني الذي يحمل رتبة عقيد بصوته الأجش وملامحه الخشنة الفظّة... الاعتراف بتهمة تمويل الإرهاب والتي لم تكن هناء تعرف معنى هذه التهمة، كان وجعها يزيد عندما ترى جثث الشبان الذين قضوا تحت التعذيب مرمية في الممرات أثناء ذهابها يومياً للتحقيق، ما سبب لها ألماً نفسياً أشد وقعاً من الألم الجسدي.

 

بعد شهرين تمّ نقلها الى فرع الأمن العسكري بمنطقة كفرسوسة في دمشق الذي تلقَّت فيه شتى أنواع التعذيب الجسدي والضرب والصعق بالكهرباء والتعليق من يديها. لكنّ هذا كله لم ينسيها ألمها الحقيقي وما تعرضت له بحادثة اغتصابها، وبقيت تقاوم لأنها أرادت الحياة فهناك ما يستحق أن تعيش من أجله.

 

بعد رحلة الأفرع الشاقّة والانتهاكات المريرة انتهى المطاف بـهند في سجن عدرا المركزي بدمشق، حيث تنقل إليه أغلب المعتقلات من كافة الأفرع في المحافظات، وهناك يبدأ التأقلم مع حالة الاعتقال التي قد تستمر طويلاً.

 

ثلاث سنوات في غياهب السجون لم تفقد هناء الأمل في النجاة، لكنَّ خوفها على باقي أفراد عائلتها الذين هددها عناصر الأمن باعتقالهم، كان هاجسها الأقوى، وقتل بداخلها جزءاً كبيراً من ذلك الأمل.

 

منتصف العام 2015 كانت الشابة هناء على موعد مع الحرية ضمن صفقة ما يسمى المصالحة الوطنية بين النظام ووجهاء حيّ القدم الدمشقي كان من ضمنها شقيقتها الأربعينية سناء أيضاً، وهي أم لثلاثة أطفال حيث اعتقلت مدة ستة أشهر بعد أن انقطعت زيارتها لهناء داخل السجن دون أن تعرف السبب، كانت صدمة هناء كبيرة حين رأت شقيقتها بحال يرثى لها هزيلةً نحيلة ترتدي ثياباً مهترئة، وسبب اعتقالها هو زيارتها المتكررة لها في سجن عدرا المركزي، والتهمة نقل معلومات إلى المعتقلات!!!.

 

ثلاثة أيامٍ بعد خروجها كانت كافية لهروبها من وطن يحكمه المجرمون متوجهةً نحو تركيا بطريقة غير شرعية، فهي ممنوعةٌ من السفر لأنّ خروجها من محكمة الإرهاب كان بموجب مصالحة مع النظام.

 

معاناة أخرى أثناء هجرتها في شهر آب /أغسطس من العام 2015 من دمشق نحو مناطق الشمال الخاضعة لسيطرة الفصائل المعارضة حيث اضطرت للبقاء ثلاثة أيام في قرية تسمى (التح) بريف إدلب بسبب قصف قوات النظام السوري على المنطقة، ومنها توجهت نحو المعبر الحدودي (باب الهوى) الذي رفض موظفوه دخولها بسبب انتهاء مدة جوازها السفر ما اضطرها لدفع مبلغ لأحد المهربين ليساعدها في الدخول من خلال طريق وعرة محفوفة بالمخاطر لم تنجح محاولتها الأولى في العبور بسبب الحرس الحدودي، لكنها تمكّنت في المرة الثانية من الوصول إلى تركيا بعد عناءٍ طويل.

 

أما اليوم فإنّ هناء تعمل جاهدة لمناصرة قضايا المعتقلات والنساء اللواتي يتعرَّضن للعنف، وهي الآن أمٌّ لطفلتين صغيرتين جعلتاها تنسى جزءاً كبيراً من ألمها ومعاناتها، لكنها لم تنسَ أبداً ما رُسِم داخل ذاكرتها السوداء في السجون، وما قد يبقى ملازماً لها طوال حياتها.

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard