info@suwar-magazine.org

الحزب والمفاوضات والتفكير السياسي "شمال شرقي سوريا نموذجاً"

الحزب والمفاوضات والتفكير السياسي "شمال شرقي سوريا نموذجاً"
Whatsapp
Facebook Share

 

 

يلاحظ المراقبون التراجع الكبير لدور مجلس سوريا الديمقراطي "مسد" منذ بداية الهجوم التركي على شمال شرقي سوريا. تزامن هذا التراجع مع تنامٍ وبروز كبير لدور قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، وحزب الاتحاد الديمقراطي - الأب المؤسس لمشروع الإدارة الديمقراطي - ولهذا البروز أسباب مفهومة كثير منها ما هو متعلق بأهداف الحملة التركية، والسلوكيات التطهيرية بحق الكرد للفصائل التي أطلق عليها (الجيش الوطني)، ومنها ما هو متعلق بقوة وفاعلية تحرك الجالية الكردية في الخارج بالإضافة لأسباب أخرى.

 

هذا البروز، ورغم أنه وليد الحالة الراهنة، إلا أنه يعطي تصوراً حول مدى هشاشة المشروع الديمقراطي. هذا المشروع الذي طرح نفسه على أنه قائم على التنوع والانفتاح.  إلا أن الواقع أثبت أنه مشروع قائم على المشاركة، وليس على التشاركية، ويبين لنا حجم اختلال التوازن بين الطرف الأقوى، وباقي الأطراف المنخرطة في مشروع سوريا الديمقراطية في الشمال الشرقي ناهيك عن حالة السلطوية والاستحواذ والسيطرة على الموارد، وتضييق مساحة الحريات.

 

هذا الخلل في التوزان يمتد إلى المفاوضات (الماراثونية) التي تخوضها الإدارة الذاتية مع النظام السوري في دمشق، ففي الوقت الذي نجد فيه بروز لأصوات من حزب الاتحاد الديمقراطي التي ترسِل رسائل لروسيا والنظام السوري، نجد غياباً تاماً لأصوات من الرقة وديرالزور، وعلى الرغم من أن الوفد المفاوض مع دمشق ضمَّ بين أعضائه أشخاصاً من كل المحافظات وكل المكونات في شمال شرقي سوريا، لكن ما يبدو أن مطالب شريحة واسعة من أهالي ديرالزور والرقة المتمثلة برفض عودة النظام في المفاوضات لم تكن مضمَّنة، فليس خافياً على أحد أن عودة النظام سوف تشكل خطراً كبيراً على المدنيين في كل من الرقة وديرالزور، هذه العملية التفاوضية تشبه بالضبط تلك العملية التفاوضية في جنيف وأستانا من حيث التضمين والتشاركية.

 

 

 يبدو أن الأطراف السورية تعيد الأخطاء ذاتها، ولا تستفيد من تجارب بعضها، حين كانت المعارضة تسيطر على ٧٠٪ تقريباً من مساحة سوريا في 2013 رفضت الذهاب إلى طاولة المفاوضات، وهي بأوج قوتها، واليوم وبعد خساراتها المتتالية تسعى جاهدة إلى الانخراط في مفاوضات غير متوازنة، وهي في أشد حالات الضعف، كذلك فعلت الإدارة الذاتية قبل احتلال عفرين وبعدها، حيث رفضت تقديم تنازلات للروس وأوقفت التفاوض مع النظام، وهي بأوج قوتها. واليوم تحاول بشتى الطرق جلب الروس والنظام إلى طاولة مفاوضات سياسية لا أمنية.

 

وإن كان لابد للتفاوض من سبيل يكون الأقل ضرراً لحماية المدنيين، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه فعليها إعادة ترتيب أوراق القوة لديها، وبالتأكيد ليس هناك ورقة أكثر قوة من وجود حليف قوي كالولايات المتحدة والتحالف الدولي، ولكنها ليست الورقة الوحيدة الموجودة، وبعيداً عن الأوراق والتحالفات الدولية والإقليمية على قادة المفاوضات أن يدركوا أن هندسة العملية التفاوضية أهم من العملية التفاوضية ذاتها، وأن الشرعية في حالات الحروب والأزمات تتمثل في التضمين والمشاركة وتمثيل مطالب أكبر شريحة ممكنة، وهذا من شأنه بناء رؤية واستراتيجية واضحة تشمل وتضمن الجميع.

 

وفي السياق الذي تناولته في هذا المقال المتعلق بالشمال الشرقي، على الأب المؤسس وصاحب النفوذ الأقوى حل خلافاته الداخلية (الكردية -الكردية) أولاً، ومع باقي المكونات الأخرى في روج آفا ثانياً، وأيضاً العمل على تحقيق تضمين شامل لممثلين عن جميع المكونات والهياكل السياسية والاجتماعية والمدنية في كل من ديرالزور والرقة "عشائر، وأحزاب، ومنظمات مجتمع مدني" سواء أكانوا أصدقاء أم معارضين لمشروعه السياسي، وإذا لم يكن ذلك ممكناً، فعلى الأقل يجب أن يتم تضمين مطالب الجميع بدون استثناء،  كذلك يجب حصر قناة التفاوض مع روسيا الاتحادية، وليس مع النظام السوري، وتقديم مصالح المكونات المختلفة في الشمال الشرقي للبلاد على المصالح الحزبية، كما يجب النظر إلى مصالح القوى السياسية الأخرى، وأخيراً عليه الانفتاح على السوريين عامة، فلدى الكثير من السوريين موقف إيجابي من حقوق الشعب الكردي، ولا يجب حصر هذا الانفتاح بالمؤيدين لحق تقرير المصير، وتأييد شعارات حزب الاتحاد الديمقراطي فقط، فهناك مستوى آخر متعلق بشركاء الديمقراطية، وحقوق الإنسان ضمن إطار الكيان الجغرافي الموحد المتمثل بسوريا.

 

في طبيعة الحال لا يمكن لأحد التنبؤ بما سوف تشهده المنطقة من تغيرات طاحنة في ظل نظام عالمي متآكل ومتدهور، وقيادات وزعامات بعضها مستبد والبعض الآخر ضعيف، ولكن يجب على الجميع التفكير خارج الصناديق، والأطر الحزبية التي برع بها الجميع، وشتان بينها وبين العمل السياسي، فلا يجب أن يكون الحزب هو الغاية بل هو الوسيلة التي تحقق الغاية.

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard