info@suwar-magazine.org

فيلم " باران" يوتوبيا التسامح وتقبل الاختلاف

فيلم " باران" يوتوبيا التسامح وتقبل الاختلاف
Whatsapp
Facebook Share

 

ليست الجوائز أو الترشيحات للجوائز التي حصدها فيلم "باران" إلى غاية الآن هي مصدر أهميته. ولا قصة الحب العذري التي يسردها الفيلم بأسلوب رومانسي، ولا معالجته مسألة المهاجرين واللاجئين وعمالة الأطفال وأوضاع المرأة والحب، (وهي أوضاع كانت معالجتها محظورة على مر السنين في إيران)، بل إن الرسالة الإنسانية ومسألة الهوية هي ما تجعله هاما وفي الوقت ذاته مثيرا للجدل.

 

 مجيد مجيدي مخرج الفيلم يستهل شارة البداية ببيان من ثلاث فقرات حول غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان عام 1979، وبه تنويه إلى حالة 1.5 مليون لاجئ أفغاني يعيشون في إيران منذ انسحاب القوات السوفييتية من البلاد وتركهم إياها فريسة للعديد من الصراعات الداخلية. آلاف العائلات غادرت أراضيها الأصلية إلى البلدان المجاورة ولا سيما إيران حيث يعيشون أوضاعا غير إنسانية..

 

من عدوانية الصراع من أجل البقاء إلى الحب القانط المفرط في العطاء

 

في طهران يوظف رئيس للعمال في مشروع معماري، عددا كبيرا من العمال من أصول متعددة منهم عدد كبير من اللاجئين الأفغان دون رخصة رسمية. بين العمال شاب إيراني في السابعة عشر من العمر يدعى لطيف يعمل طباخًا وبالأصح مضيفا للشاي في موقع البناء.

 

يتعاون لطيف بشكل عشوائي مع الإيرانيين واللاجئين الأفغان، متجاهلا للقانون تجاهلا تاما. عندما يصل رحمت، وهو مراهق أفغاني شاب إلى موقع البناء ويتولى، نظرا لهشاشة بنيته، مهمة تقديم الشاي في الورشة بدلا من لطيف، يشعر الأخير بالغيرة ويأخذ في التجسس على العامل الجديد. ومن خلال العمل المشترك في الورشة والتجسس على الوافد الجديد يكتشف لطيف أن رحمت فتاة تنكرت في هيئة صبي.

 
ثم يعرف لاحقا أن اسم الفتاة الحقيقي باران، وأنها ابنة لاجئ أفغاني غير شرعي كان يعمل في ورشة البناء ثم تعرض لحادث أقعده عن العمل. هذا الاكتشاف يغير طريقة تفكير لطيف وحياته بشكل جذري.


عندما منح رئيس ورشة البناء وظيفة صانع الشاي لرحمت (باران المتنكرة في هيئة الصبي)، عاملها لطيف معاملة فظة. وبعد اكتشافه هويتها الحقيقية صار رقيقا متعاطفا معها يقضي جل وقته في مراقبتها وهو في حالة من الذهول.

لكن باران سرعان ما تضطر إلى أن تترك عملها في موقع البناء بعد اكتشاف خفر المهاجرين أمر العمال من اللاجئين غير الشرعيين. تضطر الفتاة إلى العمل كحمالة للحجارة من النهر ومعها عدد كبير من النساء الأخريات. بعناد وإصرار يبحث لطيف عن مكانها ويعثر عليها ويراقبها عن بعد وهي في لباس المرأة لا الصبي وعندما يشهد على عملها الشاق جدا يبكي حبًا وشفقة

 

اقرأ أيضاً:

 

                      فيلم الدائرة يرصد الخناق المميت لحياة المرأة

 

تقنيات المشهد وكسر الحجاب


 
قد تكون رغبة المخرج مجيدي في كسر الحجاب سينمائيا مفاجئة. في أحد المشاهد يرى لطيف الفتاة من خلال صورة ظلية عبر النافذة بينما هي تمشط شعرها الطويل. المشهد جميل مفعم بالبراءة وعلى الرغم من أن لحظاته قصيرة، فإن من شأنها أن تؤجج غل الأنظمة الرجعية في إيران وقد تعتبرها الرقابة على محتوى الأفلام غير أخلاقية وفاسدة على الإطلاق وربما تطلب حذفها. لكن المشهد بلحظاته القصيرة بقي في الفيلم. لماذا؟ قد يعود السبب إلى الهامش البسيط من الحرية الذي حصل عليه صانعوا الأفلام في أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979، حيث أصبحت "الجمهورية الثالثة" "معاصرة" نوعا ما، وتركت المخرجين يسردون أنواعا من القصص يريدون روايتها كما هي الحال في باران.

 

يعتبر باران فيلما متقدما من حيث الموضوع، حيث إنه، خلا عن معالجته قضايا العنصرية والفقر واللاجئين والحب، فهو أيضًا متميز من حيث الأسلوب كفن سينمائي. ففيه لقطات طويلة متواصلة وواسعة Very long shot مسافاتها مدروسة بعناية ويظهر فيها جمهور من العمال وهم يتحركون في موقع البناء، يجلسون ويستريحون أو يتناولون طعامهم الفقير وسط إنارة خافتة. نوعية اللقطات، وعناصر متنوعة أخرى، مثل الملابس والألوان الزاهية، والمشاهد الخارجية للطبيعة مع تساقط الثلوج أو المطر، تظهر موهبة في القص السينمائي ومقدرة على صناعة السينما كنوع فني

غير أن خلف هذا التصوير القريب أحيانا من الحالة التسجيلية دوافع سياسية وأخلاقية وخلف هذا الحب العذري من فتى لصبية يعني اسمها "باران" أي المطر دعوة إلى فكرة معينة.

 

في الفيلم دعوة صريحة للتسامح والانفتاح على الآخر وتقبل الاختلاف مع الآخر عبر مسألة في غاية الأهمية هي الهوية. القص السينمائي عن الهوية وعن الصراع من أجل الهوية ضمن بيئة سياسية صارمة ليس جديدا على المخرج مجيدي فهو يذكرنا بما فعل صناع الأفلام في حركة الواقعية الجديدة الإيطالية مثل الكاهن الشهيد في فيلم "روما مدينة مفتوحة" (1945) لروسيليني الذي قال "كل من يسعى لمساعدة الآخرين هو سائر على طريق الله، سواء آمن به أم لم يؤمن".


الفتى لطيف في "باران" ليس متدينا والأعمال التي يقوم بها تجاه أسرة اللاجئين ليست من قبيل الإحسانات الصغيرة يؤتيها شخص من خلفية دينية، بل إن الفتى يؤتي إحساناته بدافع الحب والتعاطف الإنساني المحض. إنه يتدبر عكازين لوالد باران المصاب في ساقيه ويترك العكازين أمام بيت الأسرة دون إشارة إلى أنه المانح. إنه يطالب رب العمل بأجره السنوي كاملا كي يقدمه خفية لعائلة باران دون أن تعلم العائلة أن المال منه. وها هو يتدخل بهياج مدافعا عن الفتاة حين تتعرض للملاحقة من رجال مراقبة اللاجئين، وكأن الفتى الذي كان بالأمس أرعنا محبا للخصام عدوانيا صار على حين غرة ملاكا حارسا للفتاة وأسرتها ومازال لا يعرف كيف يرد عنها وعن عائلتها البلاء. نعم إن إحسانه مدفوع بدافع حب عظيم لأنه عاشق والعشق يغسل الإنسان من شرور ماضيه.
 لكن الفتى لا يفعل كل تلك المآثر البطولية الطيبة وحسب، بل وتذهب به المروءة إلى حد التخلي عن هويته!


لطيف يبيع بطاقة هويته الشخصية كي يقدم ثمنها لعائلة الفتاة.


في بيع الهوية نية عن إعلان التقبل المطلق للاجئين وكأن الإنسان يصير واحدا منهم، اتحاده معهم نلمسه في المشهد الأخير من الفيلم حيث يساعدهم في حزم أمتعتهم فيما هم يستعدون لترك منزلهم المؤقت في طهران قبل الرحيل للعودة إلى بلدهم. وهنا اللحظة الأولى في الفيلم التي تسمح فيها باران، المرتدية الآن زي امرأة، بالتواصل مع الفتى عبر نظرات من عينيها. دون أن تقول له كلمة واحدة

العربة تبتعد بعائلة باران عن لطيف وتختفي باران داخل العربة. وبينما لطيف واقف يتأمل الرحيل بحزن، ينظر إلى الأرض ويلاحظ أثار حذاء الفتاة، في الوحل وقد أخذت أخاديد حفرها تمتلئ بالمطر المتساقط بهدوء.

 

ومع انتقال الكاميرا من وضعية ( Medium Close-up ) إلى وضعية ( Extreme Close-up) يبتسم لطيف وينتهي الفيلم بخاتمة مفتوحة استنباطها متروك لمخيلة المتفرج. إنها خاتمة تكشف عن قدر لا يستهان به من الغنائية، ولكنها في الوقت ذاته طريقة يظهر فيها المخرج عدم اكتراثه بالنهايات وكأن الوسيلة للوصول إلى النهاية هي ما يتمتع بالأهمية القصوى بالنسبة له في اللقطة الأخيرة التي ينتهي معها الفيلم عناصر تقنية لا تقل مقدرة في التعبيرعن فكرة الفيلم الجوهرية.


أصوات غنية، صور مرئية ومسموعة للمطر والطين. وكأن ما يريد الفيلم أن يرويه هو أبعد من مجرد قصة رومانسية عن حب محبط لبطلين لا يتكلمان البتة أحدهما مع الآخر. ربما يراد من حبهما الصامت أن يتجاوز الجسد. وإلا لماذا جعل المخرج الشخصية المركزية، باران، تعاني من فقدان الصوت ولا تنطق كلمة واحدة طيلة الفيلم؟

 

 واقعية اجتماعية أم يوتوبيا هوليوودية ساذجة؟    

 

منذ طليعة أفلامه " بادوك" 1991 تميل أفلام المخرج مجيدي إلى أسلوب الواقعية الاجتماعية في معالجتها مسألة المهاجرين غير الشرعيين، وأوضاع النساء، والأطفال. فهي تسلط الضوء على الظروف القاسية التي يعيشون فيها، فقرهم المدقع، حرمانهم من حقوقهم وحقهم في التأمينات الصحية وخاصة أن أكثرهم إما تحت سن العمل المسموح به دوليا أو في عمر تخطى سن التقاعد. في "بادوك" أول فيلم روائي طويل، يصور المخرج الأطفال الإيرانيين المرغمين على العمل كمهربين (بادوك) على حدود إيران مع باكستان وأفغانستان ويعاين عن قرب حالات إنسانية بعيدا عن الصورة المتداولة في أوساط الشعب والمصاغة غالبا على نحو مشوه من وسائل الإعلام السائدة.  إنه يريد إظهار الهوية الحقيقية لتلك الحالات الإنسانية وكأنما يريد بث رسالة تسامح، وانفتاح على الآخرين، وقبول الاختلاف مع الآخرين

ولكن هل تعني محاولة فهم الآخر وتقبل الآخر، حتى لو كان مهاجرا سيئ السمعة (المهاجرون في جميع أنحاء العالم يصورون على أنهم جماعات سيئة السمعة) أن يقدم الفيلم رؤية رومنطيقية على الطريقة الهوليوودية بأسلوب يبلغ حد السذاجة؟ أم أن الوقوع في فخ السينما التجارية، لتحقيق نجاح على شباك التذاكر وحصد الترشيحات للجوائز والتكريمات في المهرجانات الدولية للأفلام هي ما يفسر وجود السذاجة في الرؤية كخيار لابد منه؟

 

إن مثل هذه الرؤية لن تساعد على تجاوز تحيزات المجتمع. فنحن في زمن صار فيه التسامح والانفتاح على الآخر وقبول الاختلاف مع الآخر معضلات أساسية كبيرة مهيمنة على المجتمعات الحديثة دولا وأفرادا.  في المجتمعات الحديثة، ولاسيما في مجتمعات دول اللجوء والدول المستضيفة للاجئين، صارت وسائل الإعلام أدوات تحريف بعيدة كل البعد عن الحيادية والنزاهة ومصدرا محركا لخطاب الكراهية، (خطاب يصير مبررا ومشروعا أكثر فأكثر كلما زادت هيمنة اليمين واليمين المتطرف على الحكومات). والحالة هذه، لا يمكن للفرد مهما بلغ به التعاطف والتجرد أن يتخلى عن هويته بينما الكل يتحارب على الهويات. إن الهوية التي تجعل الإنسان يشعر بالانتماء إلى مجتمع ما وبالارتباط بأشخاص آخرين، تبدو في الفيلم مثل عبئ ثقيل عالق على روح الفتى ولذلك يريد التخلص منه. فماذا يصير الفتى بعد تخلصه من هويته؟ ألا يتحول إلى مجرد رقم حائر؟

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard