info@suwar-magazine.org

الحسكة بين شعارات الدولة ومخاطر الفتنة

الحسكة بين شعارات الدولة ومخاطر الفتنة
Whatsapp
Facebook Share

الصورة من الانترنت لمظاهرات محافظة الحسكة 9/10/2026 

 

 

الاختباء خلف شعارات "بسط سلطة الدولة" و"العلم الواحد"، بينما تتعالى أصوات التهديد والوعيد وتُستحضر رموز الاستبداد، يطرح تساؤلات جدية حول حقيقة الأهداف الكامنة وراء هذا الخطاب، وما إذا كان المقصود بناء دولة المؤسسات والقانون، أم توظيف الشعارات الوطنية لخدمة أجندات سياسية ضيقة.

 

 

وهل تمجيد صدام حسين في شوارع الحسكة هو دفاع عن العلم أم عن سلطة الدولة؟ أم أننا أمام ازدواجية في المعايير، يصبح فيها الاستبداد مقبولاً عندما يتوافق مع أهواء البعض، وتُختزل الوطنية في الولاء للسلطة، بصرف النظر عن ممارساتها؟

 

 

إن بسط سلطة الدولة لا يعني فرض سلطة الخوف، كما أن رفع علم واحد لا يكفي لبناء دولة موحدة. فالدولة ليست راية تُرفع ولا هتافاً يُردّد، بل قانون يحمي الجميع، ومؤسسات تخضع للمساءلة، وحقوق لا تُجزّأ، وكرامة لا تتوقف على هوية المواطن أو انتمائه السياسي.

 

 

وسوريا، بتاريخها ومجتمعها، ليست لوناً قوميّاً واحداً، ولا انتماءً دينيّاً أو مذهبيّاً واحداً. إنها بلد متعدد القوميات والأديان والطوائف، وهذا التنوع ليس عبئاً على الدولة ولا تهديداً لوحدتها، بل حقيقة اجتماعية وتاريخية يجب الاعتراف بها وصونها. ومن هنا، فإن بناء سوريا الجديدة لا يمكن أن يتحقق بإقصاء مكوناتها أو تهميشها أو إخضاعها لمنطق الغالب والمغلوب، بل بضمان المواطنة المتساوية، وحماية الحقوق والحريات، واحترام الخصوصيات الثقافية والدينية والقومية ضمن إطار دولة القانون.

 

 

فالعلم الواحد لا يعني الصوت الواحد، ووحدة الدولة لا تعني إلغاء التعدد، والسيادة الوطنية لا تمنح أحداً حق فرض إرادته على الآخرين.

 

اقرأ أيضاً:

     

                  سوريا لا تُبنى بالانتقام، اللامركزية طريق العدالة

           من يزرع الكراهية بين السوريين… ومن يصنع الخطر الحقيقي؟

       

 

أما افتعال المظاهرات والتحركات تحت عنوان تغليب سلطة الدولة ورفع العلم الواحد، فلا ينبغي التعامل معه بوصفه تعبيراً وطنيّاً تلقائيّاً أو بريئاً من الحسابات السياسية. فمن حق الناس التظاهر والتعبير السلمي عن آرائهم، لكن من المشروع أيضاً التساؤل عن الجهات التي تحرّك بعض هذه التحركات، وعن توقيتها وخطابها وأهدافها، خصوصاً حين تترافق مع التحريض والتخوين والتهديد، أو تُستخدم للضغط على مكونات بعينها وإثارة المخاوف بينها.

 

 

إن تحويل الشعارات الوطنية إلى أدوات للاستفزاز وشحن الشارع قد يفتح الباب أمام الفتنة والفوضى، بدلاً من أن يعزز الاستقرار. كما أن استثمار التوترات المحلية لتحقيق مكاسب سياسية ليس أمراً مستبعداً، سواء جاء من قوى داخلية تسعى إلى توسيع نفوذها، أو من أطراف إقليمية ترى في انقسام السوريين فرصة لخدمة مصالحها.

 

 

وفي هذا السياق، تبرز مفارقة أخرى تتمثل في تبدّل ولاءات بعض الأصوات التي طبّلت للبعث بالأمس، وتتبنى خطاب السلطة الجديدة اليوم، من دون مراجعة نقدية لماضيها أو لمعاييرها السياسية. تتغير الشعارات والوجوه، لكن عقلية التطبيل قد تبقى حاضرة، ويظل المواطن هو من يدفع ثمن الصراعات والتجاذبات.

 

 

وفي خضم هذه المعارك، يبقى السؤال الأهم، ماذا عن الجوع والفقر والبطالة وتراجع الخدمات؟ هل يستطيع المواطن أن يؤمّن لقمة عيشه بالشعارات، أو أن يضمن مستقبل أطفاله باستعراضات القوة والهتافات؟

 

 

حين تعجز السلطة عن تقديم حلول ملموسة لمشكلات الناس، يصبح صرف الأنظار نحو الخصوم والصراعات الهوياتية وسيلة سهلة لتأجيل الأسئلة المحرجة. لكن الجوع لا يُعالج بالتخوين، والفقر لا يُهزم بالهتاف، والاستقرار لا يُبنى بإثارة المخاوف بين أبناء المجتمع الواحد.

 

إن بسط سلطة الدولة يجب أن يعني بسط سلطة القانون على الجميع، لا إخضاع الجميع لإرادة طرف بعينه. كما أن الدفاع عن وحدة سوريا يبدأ بحماية مواطنيها جميعاً، عرباً وكرداً وسرياناً وآشوريين وتركماناً وغيرهم، ومسلمين ومسيحيين وإيزيديين وسائر المكونات الدينية والمذهبية، على أساس المساواة في الحقوق والواجبات، من دون تمييز أو إقصاء.

 

 

كفى استخداماً للوطن غطاءً للصراعات السياسية، وكفى اختباءً خلف الشعارات لتبرير الإقصاء أو التهرب من المسؤولية.

 

 

فالعلم لا يمنح الاستبداد شرعية، والوطنية لا تعني تمجيد الديكتاتوريات، ووحدة البلاد لا تتحقق بإلغاء اختلافاتها. ومن يريد دولة قوية ومستقرة، فعليه أن يحمي تنوعها، ويصون حقوق مكوناتها، ويمنع تحويل الشارع إلى ساحة للتحريض وتصفية الحسابات.

 

 

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تعدد السوريين واختلافهم، بل في استغلال هذا التعدد لإشعال الفتنة بينهم. وسوريا التي تحتاج إلى ترميم ما مزقته سنوات الصراع لا تحتاج إلى مزيد من الاستفزاز، بل إلى خطاب مسؤول، وعدالة شاملة، ومواطنة متساوية، ودولة تحمي الجميع ولا تستثني أحداً.

 

 

فحين يصبح العلم ذريعة للتخوين، والوطنية غطاءً للإقصاء، واستعراض القوة بديلاً عن معالجة أزمات الناس، يصبح من الضروري أن نسأل، هل نحن أمام مشروع لبناء دولة تتسع لجميع السوريين، أم أمام محاولات لتكريس نفوذ سياسي على حساب السلم الأهلي؟

 

 

فالوطن لا يُبنى بتوحيد الأعلام وحدها، بل بتوحيد الحقوق، ولا تُصان وحدته بإسكات الاختلاف، بل بضمان أن يكون لكل سوري، مهما كانت قوميته أو ديانته أو طائفته، مكان آمن وكريم في دولته.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard