info@suwar-magazine.org

حين خرجت سوريا تبحث عن الهواء

حين خرجت سوريا تبحث عن الهواء
Whatsapp
Facebook Share

 

لم تخرج سوريا من سنوات الأسدية بلداً منهكاً فحسب، بل خرجت مجتمعاً مثخناً بالجراح، يحمل فوق أرضه آثار الخراب، وفي نفوس أبنائه آثاراً أعمق مما تستطيع المدن المدمرة أن ترويه. كانت هناك بيوت فقدت أصحابها، ومدن تبدلت معالمها، وملايين من اللاجئين والنازحين، وعائلات تنتظر معرفة مصير أبنائها المعتقلين أو المفقودين. وكانت هناك أيضاً أجيال كاملة تشكل وعيها في ظل دولة لم تعرف منها، في كثير من الأحيان، إلا الخوف، ولم تختبر من السياسة إلا الوعود التي لا تتحقق، ومن المستقبل إلا انتظار ما قد يأتي به اليوم التالي.

 

 

كان الوطن يشبه إنساناً خرج لتوه من تحت الأنقاض؛ حياً، لكنه بالكاد يقوى على التقاط أنفاسه. ولم تكن الجراح كلها مرئية. فإلى جانب ما أصاب الحجر والاقتصاد ومؤسسات الدولة، كانت هناك خسارة أقل ظهوراً وأكثر تعقيداً: تآكل الثقة بين المواطن والدولة، وبين السوريين أنفسهم، وبين الإنسان وفكرة أن الغد قد يكون أفضل من الأمس. وحين يتراكم الخوف طويلاً، لا ينتهي أثره بمجرد زوال مصدره المباشر؛ إذ يظل حاضراً في طريقة الناس في التفكير، وفي حساباتهم، وفي استعدادهم للمجازفة أو التراجع، وفي قدرتهم على تصديق الوعود الجديدة.

 

 

لهذا لم يكن مستغرباً أن يكون التشبث بالأمل، في لحظة سقوط الأسدية، أقوى لدى كثيرين من الرغبة في طرح الأسئلة الصعبة. ففي لحظات الاختناق الكبرى، لا يبحث الإنسان أولاً عن تفسير كامل لما جرى ويجري، ولا يملك دائماً القدرة على فحص كل ما يُعرض عليه من وعود. إنه يبحث عن الهواء. والمخنوق لا يفاوض الهواء، ولا يسأل في اللحظة الأولى من أين جاء، ولا إلى أين سيقوده؛ كل ما يريده أن يتنفس بعد أن ضاقت عليه الحياة حتى كاد يفقد القدرة على الاحتمال.

 

اقرأ أيضاً:

 

       السويداء تختبر الأمم المتحدة... هل بقي للقانون الدولي ما يتجاوز الورق؟

                        حين تصل فاتورة التحرير

 

كان السوريون يبحثون عن الهواء بعد سنوات بدا فيها الوطن كله غرفة مغلقة. ولذلك يمكن فهم أن يقبل بعضهم، في لحظة الإنهاك، بما لم يكن ليقبله في ظروف أخرى، أو أن يمنحوا أملاً واسعاً لواقع لم تتضح ملامحه بعد. لكن فهم هذه الحالة لا يعني تحويلها إلى تفويض مفتوح لِمَن تبيّن لاحقاً انه استُخدِم للتنفيذ، ولا اعتبار الحاجة إلى الخلاص دليلاً على أن الطريق الذي تلاها كان الطريق الصحيح. فالإنسان الذي يخرج من الاختناق يحتاج إلى فرصة لالتقاط أنفاسه، لكنه يحتاج أيضاً إلى أن يعرف أن الهواء الذي وجده لن يتحول إلى وسيلة جديدة للتحكم بحياته.

 

 

وهنا تكمن إحدى المعضلات التي واجهت سوريا بعد سقوط النظام. لم تكن المشكلة أن الناس أرادوا الأمل، ولا أنهم احتفلوا بانتهاء حقبة من الرعب، بل أن البلد الذي خرج من الكارثة كان يحتاج إلى ما هو أعمق من تغيير السلطة. كان يحتاج إلى معالجة الجراح التي خلّفتها السنوات الطويلة، وإلى استعادة الثقة، وإلى بناء مؤسسات لا يخاف منها المواطن، وإلى ضمانات تمنع إعادة إنتاج الخوف بأسماء وشعارات مختلفة. كان يحتاج إلى من يساعده على الوقوف، لا إلى من يستثمر في عجزه عن الوقوف وحده.

 

 

فالاختناق الذي عرفته سوريا لم يكن مادياً فقط. يمكن إعادة بناء منزل دمرته الحرب، وترميم طريق، وإعادة فتح مدرسة؛ أما ما يصيب النفوس والعلاقات بين الناس فلا يُرمم بالسرعة نفسها. فالخوف المتراكم لا يختفي بأمر إداري، والشكوك لا تزول بخطاب سياسي، والثقة لا تعود لأن السلطة الجديدة تطلب من الناس أن يثقوا بها (أطيعوني….) . إنها تحتاج إلى أفعال متكررة تثبت أن القانون يحمي الجميع، وأن الحقوق لا تتغير بحسب الانتماء، وأن المظالم لا تُنكر حين يكون مرتكبوها في موقع القوة أو من المقربين.

 

 

لقد خرج السوريون من سنواتهم العجاف وهم يحملون خسارات متراكمة، لكنهم لم يخرجوا متساوين في التجربة أو في القدرة على الاحتمال. فمنهم من فقد أفراد أسرته، ومنهم من فقد بيته، ومنهم من عاش الاعتقال والتعذيب، ومنهم من اضطر إلى النزوح أو اللجوء، ومنهم من ظل يعيش الخوف من دون أن يجد وسيلة للتعبير عنه. وكان من الخطأ افتراض أن مجتمعاً بهذه الجراح يستطيع أن يستعيد تماسكه بمجرد أن يُطلب منه تجاوز الماضي. فالجراح التي لا تُعالج لا تختفي؛ قد تصمت لبعض الوقت، لكنها تظل حاضرة في العلاقة بين الناس، وتعود إلى السطح كلما شعروا أن أسباب الألم ما زالت قائمة؛ كما حالهم الآن.

 

 

لهذا لم تكن سوريا تحتاج إلى من يحكمها فحسب، بل إلى مشروع يعيد وصل ما انقطع بين الدولة والمجتمع، وبين السوريين أنفسهم. كانت تحتاج إلى معنى جديد للمواطنة، وإلى عدالة لا تنتقي ضحاياها، وإلى دولة لا تجعل أمن الناس مشروطاً بالصمت أو الولاء. ولم يكن ذلك مطلباً مثالياً يمكن تأجيله إلى ما بعد استقرار السلطة، بل كان من شروط الاستقرار نفسه؛ إذ لا يمكن بناء استقرار دائم على خوف لم يُعالج، أو ثقة مفقودة، أو مظالم يُطلب من أصحابها أن يتعايشوا معها.

 

 

إن فهم الحالة التي خرج منها السوريون يساعد على فهم حاجتهم العميقة إلى الخلاص، لكنه لا يعفي من مساءلة ما جاء بعده. فحاجة الناس إلى الهواء لا تمنح أحداً ملكية الهواء، وتعب المجتمع لا يسقط حقه في السؤال، والخراب الذي خلّفه الاستبداد لا يمنح أي سلطة جديدة رخصة لتقرير مستقبل البلاد من دون مشاركة أبنائها وضمان حقوقهم.

 

 

لقد كان السوريون يحتاجون إلى أن يتنفسوا، وهذا حقهم بعد كل ما عاشوه. لكن السؤال الذي بقي مفتوحاً هو ما إذا كان ذلك النفس الأول سيقود إلى بناء وطن يستطيعون العيش فيه بأمان وكرامة، أم سيظل مجرد استراحة قصيرة في حياة لم تستعد بعد شروطها الطبيعية.

 

 

فالبلد المخنوق يحتاج إلى الهواء، نعم؛ لكنه يحتاج أيضاً إلى أن تُفتح النوافذ، وأن يُزال ما يسد الطريق، وأن يصبح التنفس حقاً لا منّة. ولا يكون الخلاص مكتملاً حين يستطيع الناس التقاط أنفاسهم فحسب، بل حين لا يعود أحد قادراً على مصادرة أنفاسهم من جديد.

 

 

بكل أسف، سوريا تختنق ثانيةً، وباليد التي ادعت انقاذها. فمتى يعرف أهلها بأنهم يستحقون حريةً ووطناً كريماً، لا مجرد النجاة من اختناق إلى آخر؟!

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard