info@suwar-magazine.org

من أشعل باريس؟ دونالد ترامب لديه جواب جاهز

من أشعل باريس؟ دونالد ترامب لديه جواب جاهز
Whatsapp
Facebook Share

 

ما أن اندلعت انتفاضات تلاميذ باريس، حتى وجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تفسيراً لما يجري،  لم يحتج إلى دراسة أو تحقيق أو انتظار ماستكشف عنه أوراق الشرطة، لم يحتج إلى الإصغاء طويلاً إلى الطلاب الذين خرجوا إلى الشوارع، ولا إلى سؤالهم عمّا يريدون، ولا إلى معرفة ما الذي دفع احتجاجاتهم إلى العنف في بعض المدن.. كتب على منصته أن ما يحدث ليس احتجاجاً على المدارس، بل هجرة جماعية خرجت عن السيطرة، وأن الإسلام يريد السيطرة على بلد كان عظيماً ذات يوم.

 

هكذا، في بضع كلمات، اختُصرت مدارس تعاني نقص المدرسين، وطلاب يشكون من أوضاعهم التعليمية، وأزمة اجتماعية تتداخل فيها تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة، واحتجاجات رافق بعضها عنف وتخريب وحرائق، في حكاية واحدة:

ـ  المسلمون هم المشكلة.

 

لم يكن ترامب في حاجة إلى أن يثبت أن المسلمين أشعلوا كل تلك الحرائق، كان يكفيه أن يضعهم في الجملة نفسها، وأن ينقل النقاش من سؤال عمّا يحدث في فرنسا إلى سؤال آخر عن وجودهم فيها، وحين ينجح السياسي في هذا الانتقال، لا يعود مضطراً إلى تفسير كل واقعة على حدة؛ لقد وجد اسماً يستطيع أن يعلّقه على الوقائع كلها.

 

ـ لكن ماذا لو عكسنا المشهد؟

ماذا لو قلنا إن المسلمين هم الذين أشعلوا حرائق باريس، لا لأن تحقيقاً أثبت ذلك، بل لأن رئيساً أراد أن يجد لهم دوراً في الحكاية؟ ماذا لو حمّلنا ملايين البشر مسؤولية أفعال لم يرتكبوها، فيما ارتكبها بعض منهم، ثم طالبناهم بإثبات براءتهم؟

 

عندئذ، لن نكون قد فسّرنا العنف، بل سنكون قد صنعنا اتهاماً جماعياً، ولن نكون قد اقتربنا من الحقيقة، بل استبدلنا بها رواية مريحة، لها متهم معلوم وسبب واحد وخاتمة لا تحتاج إلى تحقيق.

 

ليس ضرورياً أن نتفق مع كل مطالب المحتجين الفرنسيين، ولا أن نتغاضى عن أعمال التخريب والاعتداء على الشرطة والممتلكات العامة، فالعنف فعل يجب أن يُحاسب مرتكبه عليه، لكن إدانة العنف شيء، وتحويله إلى دليل على ذنب جماعي شيء آخر تماماً، وبين الاثنين تقع المسافة التي تفصل دولة القانون عن سياسة الاشتباه.

 

لم يكن السؤال الذي طرحه ترامب:

ـ لماذا خرج الطلاب؟

لقد قرر سلفاً أن خروجهم ليس بسبب المدارس، لم يبحث عن الأسباب ثم يصل إلى استنتاجه؛ اختار الاستنتاج أولاً، ثم أعاد ترتيب الوقائع بحيث تبدو كأنها تؤيده.

 

وهنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن نرويها:

ـ كيف يصبح المهاجر، في السياسة المعاصرة، تفسيراً جاهزاً لأزمات لا يستطيع أحد اختزالها في سبب واحد؟ وكيف يتحول الخوف المشروع من المستقبل إلى خصومة مع إنسان قد لا يعرفه الخائف، ولا يعرف شيئاً عن حياته؟

 

في الحملة الانتخابية، لا يحتاج السياسي دائماً إلى اختراع عدو، يكفيه أن يعثر على خوف موجود، أن يمنحه اسماً، ثم يقف أمام الناس ليقول لهم إنه الوحيد الذي يعرف كيف يحميهم منه.

 

قد يكون الخوف من غلاء المعيشة، أو من فقدان العمل، أو من حيّ تغيّر وجهه، أو من مدرسة لم تعد تمنح الأبناء ما كان الآباء يظنون أنه حقهم، أو من مستشفى صار الوصول إليه أشبه بانتظار طويل أمام باب مغلق، وقد يكون خوفاً أعمق من عالم يتبدل بسرعة لا تسمح للناس بأن يتعرفوا إلى أنفسهم فيه.

 

هذه مخاوف حقيقية، حتى حين تكون بعض تفسيراتها خاطئة، وهي لا تحتاج إلى سياسي كي توجد، لكنها تحتاج إليه كي تتحول إلى قوة انتخابية.

 

اقرأ أيضاً:

                 

                            نوافذ يفتحها المشهد

                      لم يكونوا أبطالاً… كنا نحن صغاراً

 

 

ـ هنا يظهر المهاجر في المشهد.

لا يدخل دائماً بوصفه إنساناً له اسم وعائلة وحكاية وسبب دفعه إلى مغادرة بلاده، يدخل بوصفه رقماً في نشرة إخبارية، أو وجهاً في صورة التُقطت أثناء شجار، أو اسماً غريباً في خبر عن جريمة، أو جسداً يعبر الحدود في قارب مكتظ.. تختفي التفاصيل التي تجعل الإنسان إنساناً، ويبقى ما يمكن استخدامه في الخطاب السياسي.

 

لا يعود السؤال:

ـ لماذا لا يجد هذا الشاب عملاً؟ بل:

ـ لماذا يأتي هؤلاء الشباب إلى هنا؟

لا يعود السؤال:

ـ لماذا تراجعت الخدمات العامة في هذا الحي؟ بل:

ـ من الذي يأخذ حصتنا منها؟

ولا يعود السؤال:

ـ لماذا أخفقت الدولة في بناء سياسة عادلة للسكن والتعليم والعمل؟ بل:

ـ لماذا نسمح للغرباء بأن يعيشوا بيننا؟

 

بهذه النقلة الصغيرة يتغير موضوع النقاش كله، تتحول أزمة السياسة إلى مشكلة في وجود الآخر، ويتحول فشل المؤسسات إلى مسؤولية أشخاص لم يشاركوا بالضرورة في صنع القرارات التي أضعفتها.

 

ليس في ذلك ما ينفي مسؤولية المهاجرين عن أفعالهم، ولا يلغي حق المجتمع في أن يطلب احترام قوانينه، أو أن يناقش حجم الهجرة وقدرة مؤسساته على استقبال الوافدين.. المسألة أبسط وأشد خطورة:

ـ هل نريد أن نفهم المشكلة، أم نريد شخصاً نحمّله مسؤوليتها؟

القاعدة تقول:

ـ في السياسة، قد يكون العثور على المتهم أسهل كثيراً من العثور على السبب.

 

 

الصورة التي تحل محل الحقيقة:

تعيش المجتمعات على الصور بقدر ما تعيش على الوقائع، صورة رجل يسرق متجراً قد تبقى في الذاكرة أطول من تقرير يشرح تراجع القدرة الشرائية، صورة مجموعة تحطم واجهة قد تتقدم على سنوات من الإهمال الذي أصاب حياً كاملاً، وصورة قارب يصل إلى الشاطئ قد تتحول، في ساعات، إلى استعارة عن بلد يعتقد أنه يفقد السيطرة على حدوده ومستقبله.

الصورة ليست كاذبة بالضرورة، قد تكون حقيقية تماماً، لكن الحقيقة التي تعرضها ليست الحقيقة كلها.

 

ـ كيف؟

حين يرتكب مهاجر جريمة، ينبغي أن يُحاسب وفق القانون، وحين يرتكب مواطن فرنسي الجريمة نفسها، ينبغي أن يُحاسب وفق القانون أيضاً، فالعدالة تبدأ من هنا:

ـ من الفعل، لا من الأصل.

أما أن تتحول جريمة فرد إلى حكم على جماعة، فذلك انتقال من القانون إلى الهوية، ومن المسؤولية الفردية إلى العقاب الجماعي.

 

لنتخيل شاباً فرنسياً من أصول مهاجرة يعمل في مستشفى، أو يقود حافلة، أو يصلح شبكة الكهرباء، أو يدرس الطب، أو يقف خلف طاولة في مخبز صغير، لا شيء في يومه العادي يصلح خبراً عاجلاً، إنه يؤدي عملاً، ويعود إلى منزله، ويقلق على أطفاله، ويدفع فواتيره، وبهذا فإن حياته لا تمنح الشاشة ما تحتاج إليه من إثارة، لكنه حين يرتكب خطأ، أو يدخل في شجار، قد يصبح أصله فجأة جزءاً من الحكاية.

 

هناك مواطنون لا يظهرون في الإعلام إلا حين يُطلب منهم تفسير أصولهم، وهناك آخرون لا يُسألون عن أصولهم مطلقاً.. الأول مطالب بأن يشرح نفسه، والثاني يُعامل باعتباره الأصل الذي لا يحتاج إلى شرح.

لا ينطبق هذا على كل وسيلة إعلامية أو كل حادثة، لكن الآلية تستحق الانتباه:

ـ حين يصبح الأصل خبراً، فيما يظل الانتماء المحلي أمراً مفروغاً منه.

 

الإعلام ليس كتلة واحدة، هناك صحافة تحقق وتدقق وتكشف التلاعب، وهناك صحافة تسعى إلى الإثارة، وهناك سياسيون يناقشون الهجرة باعتبارها قضية عامة معقدة، وآخرون يختصرونها في عبارات يسهل ترديدها، لكن المنافسة على الانتباه تمنح الصورة الصادمة امتيازاً لا تملكه الحياة اليومية، وهكذا لا يتذكر المُشاهد آلاف الأيام التي مرّت بلا حادثة.

ـ يتذكر الليلة التي اشتعل فيها الشارع.

 

ومن هنا تبدأ صناعة الرمز، لا عبر اختلاق كل واقعة، بل عبر اختيار الوقائع التي تُعرض، والطريقة التي تُعرض بها، واللغة التي تُلصق بها، وقد تكفي كلمة واحدة كي ينتقل الحدث من خانة الجريمة إلى خانة التهديد الحضاري.

 

 

السياسي الذي يعثر على عدو:

في الانتخابات الأوروبية في يونيو/حزيران 2024، حقق التجمع الوطني الفرنسي تقدماً كبيراً، وكان ذلك من العوامل التي دفعت الرئيس إيمانويل ماكرون إلى حل الجمعية الوطنية والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة.. لم تكن الهجرة وحدها وراء التصويت؛ فقد تداخلت معها تكاليف المعيشة، والاحتجاج على أداء الحكومة، والقلق من مستقبل الاتحاد الأوروبي، وقضايا أخرى، لكن الأحزاب المناهضة للهجرة نجحت في جعل هذا الملف مركزياً في خطابها الانتخابي.

 

 

ليس من الدقة أن نقول إن كل من صوّت لليمين المتطرف فعل ذلك بدافع الكراهية، فقد يكون بعض الناخبين غاضباً من النخب السياسية، أو راغباً في معاقبة الحكومة، أو مقتنعاً بأن سياسات الهجرة الحالية لا تعمل كما ينبغي، أو خائفاً على أمنه الاقتصادي والثقافي، وقد يتبنى آخرون بالفعل خطاباً إقصائياً أو عنصرياً، فورقة الاقتراع وحدها لاتكشف الدوافع الكاملة لصاحبها، لكن السياسي من طراز دونالد ترامب، يعرف أن دوافع الناس، على اختلافها، يمكن جمعها تحت عنوان واحد إذا اختير العنوان بعناية، وهنا تكمن المهارة الخطرة:

 

ـ  أن تقدم تفسيراً واحداً لعشرات المشكلات المختلفة.

ـ لا يجد الشاب عملاً؟ الهجرة.

ـ ترتفع تكالف الإيجار؟ الهجرة.

ـ تزداد صعوبة الحصول على موعد طبي؟ الهجرة.

ـ تتراجع المدرسة؟ الهجرة.

ـ يشعر المواطن بأن العالم الذي عرفه في طفولته يتبدل؟ الهجرة أيضاً.

لا يعود المطلوب إثبات العلاقة بين كل مشكلة والهجرة، يكفي أن تُذكر الكلمة بعد كل مشكلة حتى تنشأ العلاقة في ذهن المستمع، ومع التكرار، تتكون خريطة ذهنية لها مركز واحد:

ـ المهاجر هو السبب.

 

 

بهذا المعنى، لا تُصنع السياسة بالخطب وحدها، بل أيضاً بما تتوقف عن قوله، فحين يتحدث السياسي عن المهاجرين الذين يستفيدون من الخدمات العامة، قد لا يتحدث بالقدر نفسه عن الضرائب التي يدفعها العاملون منهم، أو عن القطاعات التي تعتمد على عملهم، أو عن أثر نقص الاستثمار في الخدمات، وحين يطالب بإبعاد من لا يملك حق الإقامة، قد لا يشرح العقبات القانونية والإدارية التي تجعل تنفيذ بعض قرارات الإبعاد أكثر تعقيداً مما توحي به العبارة الانتخابية.

 

ليس المطلوب أن يتناول كل خطاب سياسي كل جوانب القضية، ذلك مستحيل، لكن من حق الجمهور أن يسأل: ـ لماذا اختير هذا الجانب تحديداً؟ وما الذي حُذف من الصورة؟ وهل يقترح السياسي حلاً قابلاً للتنفيذ، أم يكتفي بتسمية عدو يمنح الناخب شعوراً مؤقتاً بأنه عرف سبب ألمه؟

 

وحين ينجح السياسي في جعل الهجرة مفتاحاً لقراءة البلد كله، يستطيع أن ينتقل من وعد بحل أزمة إلى وعد باستعادة بلد، والفارق بين العبارتين كبير:

ـ الأولى تطلب خطة وميزانية ووقتاً ونتائج يمكن قياسها، أما الثانية فتفتح الباب أمام حنين واسع إلى زمن متخيّل، كان فيه كل شيء، بحسب الذاكرة، أكثر وضوحاً وأماناً وانسجاماً.

 

ليس كل حنين إلى الماضي زائفاً، ثمة أشياء حقيقية فقدها الناس:

ـ استقرار العمل، والقدرة على شراء منزل، والثقة بالمؤسسات، والشعور بأن أبناءهم سيعيشون أفضل منهم.

 لكن الماضي الذي يُستدعى في الحملات الانتخابية ليس دائماً الماضي الذي عاشه الناس بالفعل، إنه نسخة منتقاة منه، خالية من تناقضاته، ومن فقره، ومن تمييزه، ومن الصراعات التي جعلت المجتمع يتغير.

يُعرض هذا الماضي كما لو أن المهاجر هو من كسر بابه، مع أن الباب كان يتغير منذ زمن بفعل الاقتصاد والسياسة والتحولات الاجتماعية.

 

 

 

حين تتبنى الدولة لغة الخوف:

قد يبدو من السهل وضع خط فاصل بين خطاب اليمين المتطرف وخطاب الأحزاب التقليدية:

ـ هنا خطاب يثير الخوف، وهناك خطاب يهدئه.

 

لكن السياسة الأوروبية أكثر تعقيداً من هذا التقسيم، فحين ينجح حزب في فرض موضوعاته على النقاش العام، تجد الأحزاب المنافسة نفسها مضطرة إلى الرد عليه، وقد ترد بتفنيد حججه، أو تقديم بدائل، أو الاعتراف ببعض المخاوف التي يطرحها، أو تبنّي جزء من لغته خشية خسارة الناخبين، وفي الحالة الأخيرة، قد يجد الخطاب الذي كان يُعد متطرفاً مساحة أوسع في المجال السياسي، حتى لو لم يتبنَّ الجميع استنتاجاته النهائية.

 

ظهر هذا التوتر في الجدل الفرنسي حول قانون الهجرة الذي صدر في يناير/كانون الثاني 2024، بعد مسار تشريعي طويل ونقاش سياسي حاد، وتناول القانون مسائل الإقامة والاندماج والهجرة غير النظامية، فيما أسقط المجلس الدستوري عدداً من أحكامه لأسباب دستورية، كان بعضها متعلقاً بطريقة إدراجها في النص.

 

لا يكفي وجود قانون أكثر تشدداً لإثبات أن الدولة تبنّت خطاباً عنصرياً؛ فالدول تملك حق تنظيم الهجرة، وتحديد شروط الإقامة، وتطبيق قوانينها، ومناقشة قدرتها على استقبال الوافدين، كما أن المطالبة بضبط الحدود ليست، في ذاتها، عداءً للأجانب، لكن السؤال يبدأ عندما تصبح الهجرة، مهما اختلفت أنواعها وأسبابها، مرادفاً دائماً للخطر؛ وعندما يُطلب من المهاجر أن يثبت ولاءه باستمرار، فيما يُمنح المواطن امتياز الانتماء قبل أن يُسأل عن أفعاله؛ وعندما تتراجع مساحة النقاش حول شروط الاندماج الفعلية، وتكبر مساحة الحديث عن الهوية وكأنها جوهر ثابت لا يتغير.

 

قد يكون من المشروع أن يُطلب من الوافد تعلم لغة البلد، واحترام قوانينه، والالتزام بمبادئه الدستورية، لكن من المشروع أيضاً أن يُسأل البلد عن مدى إتاحته فرص التعلم والعمل والسكن، وعن قدرة مؤسساته على التعامل مع التنوع، وعن التمييز الذي قد يواجهه أشخاص استوفوا الشروط المطلوبة منهم.

 

إن تحويل الاندماج إلى امتحان يُمتحن فيه طرف واحد لا يصنع مواطنة مشتركة.. إنه يخلق علاقة دائمة بين ممتحِن وممتحَن، بين من يملك حق السؤال ومن يظل مطالباً بالإجابة، والأخطر أن مفهوم "القيم" قد يصبح أداة فضفاضة إذا لم تُحدد معاييره بوضوح، فالقيم الدستورية ليست ذوقاً شخصياً، ولا تطابقاً كاملاً مع عادات الأكثرية، ولا مطالبة للناس بأن يتشابهوا في لباسهم أو طعامهم أو طريقة عيشهم:

ـ إنها، قبل كل شيء، قواعد مشتركة تحمي الحقوق والحريات وتضع حدوداً لسلطة الجميع.

 

الدولة التي تطلب من المهاجر احترام القانون مطالبة هي أيضاً بتطبيقه على الجميع، والدولة التي تدافع عن حرية المرأة لا تستطيع أن تجعل هذه الحرية شعاراً موجهاً إلى جماعة بعينها، ثم تتغاضى عن انتهاكها في مكان آخر، والدولة التي ترفض التطرف الديني لا ينبغي أن تسمح بأن يتحول نقد التطرف إلى شبهة جماعية تحاصر كل من ينتمي إلى دين أو ثقافة معينة، والمعيار؟

ـ المعيار ليس هوية من ارتكب الانتهاك، بل الانتهاك نفسه، والقانون الذي يُطبق عليه.

 

 

الأمن ليس تهمة جماعية:

لا يمكن بناء تعايش مستقر إذا طُلب من الناس تجاهل خوفهم على أمنهم، من يتعرض للسرقة أو الاعتداء ليس معنياً بأن يسمع محاضرة عن تعقيد الأسباب الاجتماعية قبل أن يجد حماية وعدالة، ومن يعيش في حي تتكرر فيه أعمال العنف له الحق في أن يطلب من السلطات أن تقوم بواجبها، وليس من الإنصاف أن يُتَّهم كل من يطالب بالأمن بأنه عنصري أو معادٍ للمهاجرين، لكن الأمن نفسه قد يصبح مادة للاستثمار السياسي عندما تُنتقى الجرائم وفق هوية مرتكبيها، أو حين يُقدَّم الأصل القومي باعتباره تفسيراً كافياً للسلوك الإجرامي، أو عندما تتحول كل حادثة إلى برهان مسبق على رواية لا تحتاج، في نظر أصحابها، إلى أدلة إضافية.

 

 

هناك فرق بين القول إن جريمة وقعت، وبين القول إن جماعة بأكملها تمثل خطراً، وبين السؤال عن أداء الشرطة والقضاء، وبين الدعوة إلى الاشتباه بأشخاص لم يفعلوا شيئاً سوى أنهم يشتركون مع الجاني في الأصل أو الدين أو لون البشرة:

ـ الأول يفتح باب التحقيق، والثاني يغلقه قبل أن يبدأ.

 

والمفارقة أن خطاب التخويف قد يضعف الأمن الذي يدّعي الدفاع عنه، فحين يشعر مواطنون بأنهم موضع اتهام دائم، قد تتراجع ثقتهم بالمؤسسات التي يفترض أن تحميهم، وحين يُختزل النقاش في مواجهة بين "نحن" و"هم"، يصبح من الصعب بناء تعاون محلي يحتاج إليه الأمن نفسه:

ـ تعاون بين السكان والمدارس والبلديات والشرطة ومؤسسات المجتمع المدني.

 

لا يعني ذلك أن التوترات تختفي بمجرد تغيير اللغة، أو أن كل مشكلة أمنية يمكن حلها بالتفاهم، فهناك جرائم وشبكات استغلال وتطرف ومصالح اقتصادية غير مشروعة، ومشكلات في تنفيذ القانون، لكنها تحتاج إلى أدوات محددة، لا إلى أحكام جماعية، وإذا كان ثمة فشل في إنفاذ القانون، فالسؤال هو كيف يُعالج هذا الفشل، لا كيف يُحوَّل إلى حجة لإدانة ملايين الأشخاص، فالسياسة الجادة لا تخجل من تسمية المشكلة، لكنها لا تكتفي بتسمية عدو.

 

 

لماذا يجد الخوف من يصغي إليه؟

لو كان خطاب التخويف مجرد كذبة يطلقها السياسيون، لكان من السهل دحضه، لكن قدرته على الانتشار تنبع من أنه يلامس أحياناً جروحاً حقيقية، ثم يقدم لها تفسيراً مريحاً فـ :

ـ المواطن الذي يعمل طوال حياته ولا يستطيع توفير مسكن لابنه لا يحتاج إلى أن يكون عنصرياً كي يشعر بالمرارة، والعامل الذي يرى أجره يتراجع أمام الأسعار لا يحتاج إلى أن يكره أحداً كي يسأل عن مستقبل أبنائه، والمرأة التي تخشى على أمنها في الشارع لا تصبح متطرفة لمجرد أنها تطلب الحماية، والوالدان اللذان يقلقان على مستوى مدرسة أبنائهما لا ينبغي أن يُعاملا باعتبارهما متهمين أخلاقياً.

 

إن تجاهل هذه المخاوف، أو التعامل معها باستخفاف، قد يدفع أصحابها إلى البحث عمّن يصغي إليهم، حتى لو كان هذا الإصغاء مشروطاً بتبني تفسير خاطئ، فالشخص الذي يشعر بأنه غير مرئي قد ينجذب إلى السياسي الذي يمنحه اسماً لغضبه، ويقول له إن معاناته ليست قدراً، وإن هناك من سرق منه حقه.

 

 

هنا يلتقي الألم الاجتماعي بالاستثمار السياسي:

لكن الاعتراف بالألم لا يقتضي قبول تفسيره، يمكن أن نقول للناس إن قلقهم مفهوم، ثم نسألهم إن كان المهاجر هو السبب فعلاً، ويمكن أن نعترف بأن الهجرة تفرض تحديات على السكن والتعليم والخدمات، ثم نبحث في السياسات التي تجعل هذه التحديات أشد أو أخف، ويمكن أن نطالب بإدارة أفضل للحدود واللجوء، من دون أن نخلط بين اللاجئ الذي يفر من الحرب، والعامل الذي يبحث عن فرصة، والمقيم الذي بنى حياته في البلد منذ عقود، والشخص الذي يخالف القانون.

ـ التفريق بين هذه الحالات ليس ترفاً أخلاقياً، إنه شرط لفهم الواقع وصنع سياسة قابلة للنجاح.

 

 

أما الخطاب الذي يجمع الجميع في كلمة واحدة، فيمنح صاحبه ميزة انتخابية، لكنه يضعف قدرته على معالجة المشكلات التي يدّعي أنه جاء لحلها، فالمشكلة التي لا تُعرَّف بدقة لا يمكن حلها بدقة، والعدو الذي يتسع ليشمل كل شيء لا يترك مجالاً لمعرفة ما الذي ينبغي فعله.

 

إن الخوف، حين لا يجد تفسيراً عادلاً، يبحث عن وجه يعلّق عليه ألمه، والسياسة التي تعرف ذلك تستطيع أن تختار بين طريقين:

ـ  أن تكشف الأسباب وتتحمل كلفة الحل، أو أن تمنح الخوف اسماً بشرياً وتتركه ينمو.

 

المهاجر ليس بريئاً من كل شيء، ولا مذنباً بكل شيء:

ثمة خطأ يقع فيه بعض المدافعين عن المهاجرين حين يتعاملون مع كل نقد للهجرة بوصفه تعبيراً عن العنصرية، بهذا الموقف يخسرون القدرة على رؤية المشكلات الحقيقية، ويتركون المجال العام لمن يتقنون توظيفها، فالهجرة، مثل أي ظاهرة اجتماعية واسعة، ليست خالية من التعقيدات، وقد تنشأ توترات حول اللغة والعمل والسكن والعادات والعلاقة بين الدين والقانون، أو حول سرعة التغير الذي يعيشه حي أو مدينة.

 

ليس ضرورياً أن تكون كل هذه التوترات مفتعلة كي نستطيع مناقشتها، وليس كل من يختلف مع سياسة استقبال معينة معادياً للإنسان الذي يحتاج إلى اللجوء أو العمل أو الحماية، لكن الخطأ المقابل لا يقل خطورة:

ـ أن تتحول المشكلات الفعلية إلى دليل على عيب أصيل في جماعة بشرية.

ـ أن يصبح سلوك فرد حجة ضد جماعة، أو اختلاف ثقافي حكماً على أهل ثقافة، أو إخفاق مؤسسات الدولة برهاناً على أن وجود المهاجرين هو المشكلة.

 

لا يحتاج الدفاع عن المساواة إلى تجميل الواقع، يحتاج إلى التمييز بين ما نعرفه وما نظنه، وبين الوقائع والتأويلات، وبين مسؤولية الفرد ومسؤولية الجماعة، وبين حق الدولة في تنظيم الهجرة وحق الإنسان في ألا يُعامل بوصفه مذنباً بسبب أصله.

 

إن مجتمعاً ديمقراطياً لا يُختبر فقط بقدرته على حماية من يشبهون الأكثرية، إنه يُختبر أيضاً بقدرته على حماية المختلف، من دون أن يتنازل عن القانون أو يطلب من أحد التخلي عن حريته كي يشعر الآخر بالأمان، وهذا لا يعني أن التعايش يتحقق بمجرد إعلان النيات الحسنة، إنه يحتاج إلى مؤسسات فعالة، ومدارس قادرة على التعامل مع الاختلاف، وسوق عمل لا يعاقب الناس بسبب أسمائهم، وسياسة سكن لا تترك الفقر يتراكم في أحياء معزولة، وقضاء يطبق القانون، وخطاب عام لا يحوّل الهوية إلى تهمة.

 

إذا غابت هذه الشروط، فلن تكفي الدعوات الأخلاقية وحدها، وإذا توفرت، فلن تختفي الخلافات بالضرورة، لكنها ستجد طرقاً أقل تدميراً للتعبير عن نفسها.

 

 

من يحرق باريس في خطاب الخوف؟

ـ لنعد إلى ترامب.

ليس ضرورياً أن يكون رئيس الولايات المتحدة ملزماً بتفسير كل احتجاج يقع في فرنسا، لكنه حين يتحدث، لا يفعل ذلك بوصفه عابراً في مقهى يطلق رأياً ثم ينساه، كلماته تصدر عن رئيس دولة، وتدخل في سجال سياسي أوسع، وتجد من يعيد نشرها، ومن يبني عليها مواقف، ومن يستخدمها لتأكيد مخاوف سابقة، وحين ينسب احتجاجات الطلاب إلى الإسلام والهجرة، فإنه لا يقدم مجرد رأي شخصي؛ إنه يضع ثقله السياسي وراء تفسير يلغي الأسباب الاجتماعية المعلنة للاحتجاج، ويحوّل المسلمين والمهاجرين إلى عنوان شامل للعنف.

 

ليس في ذلك ما يمنع من التحقيق في كل حريق، أو محاسبة كل من اعتدى على الشرطة أو خرب الممتلكات، أو مناقشة مشكلات الهجرة والاندماج، لكن لا شيء من ذلك يبرر القفز من جريمة إلى دين، ومن مجموعة من المخربين إلى ملايين البشر، ومن احتجاجات متعددة الأسباب إلى نظرية عن شعب يريد السيطرة على بلد آخر.

 

لو كانت الحقيقة بهذه البساطة، لما احتجنا إلى الصحافة أو المحاكم أو التحقيقات، لكفانا أن نختار جماعة لا نحبها، ثم ننسب إليها ما لا نفهمه، وهنا يكمن خطر الخطاب الذي يصنعه الخوف:

ـ أنه لا يكتفي بتشويه صورة المهاجر، بل يعفي السياسة من مسؤولية فهم المجتمع.

ـ فإذا كان الإسلام هو السبب، فما حاجتنا إلى إصلاح المدارس؟ وإذا كان المهاجر هو المسؤول عن أزمة السكن، فما حاجتنا إلى مراجعة السياسات العقارية؟ وإذا كانت الحدود وحدها تفسر تراجع الخدمات، فما حاجتنا إلى مساءلة الحكومات عن قراراتها؟

إن تعيين العدو يختصر الطريق إلى السلطة، لكنه لا يختصر الطريق إلى الحل.

 

 

لا نحتاج إلى إنكار وجود العنف كي نرفض التعميم، ولا إلى تبرئة كل مهاجر كي نطالب بالعدالة، ولا إلى اعتبار كل خوف عنصرية كي نكشف استثمار السياسيين فيه.. نحتاج فقط إلى قاعدة بسيطة، تبدو بديهية حتى نرى كم يسهل التخلي عنها حين تشتد الخصومات:

ـ لا يُدان إنسان بفعل لم يرتكبه، ولا تُختزل جماعة في جريمة ارتكبها بعض أفرادها، ولا تُستبدل الأدلة بهوية المتهم.

 

فمن أشعل حريقاً في باريس ينبغي أن يُسأل عنه أمام القضاء، أما ملايين المسلمين الذين لم يشعلوا شيئاً، فلا ينبغي أن يقفوا في قفص الاتهام لأن رئيساً أمريكياً وجد فيهم تفسيراً مناسباً لمشهد لم يرغب في فهمه، ولعل السؤال الأهم ليس لماذا احتاج ترامب إلى هذا التفسير، بل لماذا يجد مثل هذا التفسير من يصغي إليه؟ لماذا يبدو اتهام جماعة كاملة، لدى بعض الناس، أسهل من مواجهة شبكة الأسباب التي تصنع الغضب والعنف وانعدام الثقة؟

 

قد لا تكون الإجابة في المهاجرين وحدهم، بل في مجتمعات قلقة، وسياسة فقدت الثقة بقدرتها على الوفاء بوعودها، واقتصاد يضغط على حياة الناس، وإعلام يمنح الصدمة مساحة أكبر من التفاصيل، وزعماء يكتشفون أن صناعة الخوف قد يكون أسرع طريق إلى التصفيق.

 

لا يحرق باريس المسلمون بوصفهم مسلمين، يحرقها من يرتكب الحريق، أياً كان اسمه أو أصله، وتحرقها أيضاً، بصورة أخرى، السياسة التي تستبدل التحقيق بالاتهام، والمواطنة بالاشتباه، والحقائق براحة العثور على مذنب جاهز.

 

أما باريس الحقيقية، فلا يمكن فهمها من صورة حريق وحدها، إنها أيضاً مدينة الطلاب الذين يطلبون مدرسة أفضل، والعاملين الذين يخشون على أجورهم، والمهاجرين الذين بنوا فيها حياتهم، والمواطنين الذين يخافون على مستقبل أبنائهم، والشرطة التي ينبغي أن تحمي القانون، والدولة التي تُسأل عن مسؤوليتها، والناس الذين يريدون أن يعيشوا معاً من دون أن يُطلب منهم أن يحبوا بعضهم بعضاً كي يحترموا حقوق بعضهم بعضاً.

 

ذلك هو الاختبار:

ـ هل نستطيع أن نرى كل هؤلاء في المشهد، أم سنكتفي بالبحث عن وجه واحد نعلّق عليه كل الحرائق؟

حين يختار السياسي الإجابة الثانية، فإنه لا يطفئ النار، إنه يختار فقط من يريد أن يحمّله مسؤولية إضرامها، وبهذا فهو لايقوم بدور الإطفائي، سيكون واحداً ممن يضرمون النيران في أجساد الجميع.

ـ وحده قد ينجو، وهو يجلس على ضفة النهر ليحصي جثثاً محترقة.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard