ماكرون في دمشق... باريس تتحرك لتبقى في مشهد مضطرب

في إطار سعي العاصمة الفرنسية، باريس، إلى تثبيت حضورها مبكراً في مسار إعادة الإعمار والانفتاح على سوريا الجديدة، زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دمشق، وهو بذلك يُعتبر أول زعيم دولة كبرى من أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية يزور دمشق بعد تسليم السلطة لأحمد الشرع إثر الإطاحة بنظام بشار الأسد عام ٢٠٢٤.
التحرك الفرنسي، يعكس بلا شك إصراراً من الرئيس ماكرون على استمرار التواصل مع الشرع، فهو - ماكرون - من أوائل من فتحوا قنوات اتصال مباشرة معه، واستقبله في باريس في أيار ٢٠٢٥.
تمثل الزيارة بحد ذاتها حدثاً مهماً، ويمكن قراءته من جوانب متعددة، يتداخل فيها الشخصي مع العام، ليرسم مشهداً كمحاولة إثبات الذات والنفوذ الوطني على الكعكة السورية.
لزوم ما لا يلزم
من البديهي والبروتوكولي أن يجدد ماكرون دعم فرنسا لـ"سوريا ذات سيادة، موحدة، تعيش بسلام مع جيرانها"، فيما ذهب الإليزيه إلى ما هو أدق بقوله: "إن باريس تؤيد بناء دولة سورية تمثل جميع مكوناتها وتحترم التعددية". بمعنى ما: إن الانفتاح الفرنسي ليس دعماً غير مشروط، بل يرتبط باستمرار عملية الانتقال السياسي، وحماية الأقليات، وتعزيز مؤسسات الدولة.
كما يمكن النظر إلى الزيارة ومحاولات الانفتاح الأوروبي المتوقعة لاحقاً، على أنها إقرار بأن المصالح الدولية تفرض إدارة هذا الميدان المعقد وغير المستقر، بدلاً من تركه للفراغ.
بالعموم، هذا الحماس الغربي والاعتراف الخارجي، لن يطعم السوريين خبزاً، وسيظل الواقع على الأرض هشاً أمام الحقائق التي يواجهها السوريون كل يوم، وتتعلق بأمنهم وقوتهم اليومي. ولعل أرقام ونسب الفقر والبطالة تتحدث عن نفسها، وتلقي بظلال ثقيلة على الصورة العامة؛ ناهيك عن غياب الأمن بالمقام الأول، وهذا أكبر تحدٍ للاستثمار، الذي يحتاج إلى بيئة آمنة، واستقرار سياسي وأمني، وقضاء مستقل، وسهولة في التحويلات المالية، وليس إلى ضمانات شخصية وشيوخ وعقلية الفصائل والمحاسيب.
اقرأ أيضاً:
بين زيارتين
ما الذي تغير في المشهد السوري بوجود سلطة الشرع بين استقبال ماكرون للشرع في باريس في أيار ٢٠٢٥، واستقبال الشرع لماكرون في تموز ٢٠٢٦؟
قبل الإجابة، لا بد من الإقرار، بإن ماكرون راهن على الشرع، وعليه أن يثبت أن رهانه كان في محله.
خلال قمة باريس، حضّ ماكرون على حماية "جميع السوريين بدون استثناء"، وهي الرسالة ذاتها التي كررها في دمشق.
بالمقابل، تعهّد الشرع مراراً بحماية الأقليات، لكن الجرائم التي حصلت في الساحل غرب سوريا في آذار/مارس 2025، قبل زيارة الشرع، وغزوة السويداء جنوب البلاد في تموز ٢٠٢٥، زادت المخاوف المشروعة لدى العلويين والدروز والمسيحيين حيال الضمانات الأمنية والسياسية في المرحلة الانتقالية. وبقي مرتكبو الجرائم طلقاء، ولم تلوح في الأفق أي بادرة لحياة سياسية بمعنى الكلمة.
لكن الأخطر والمرعب بآنٍ معاً أن القتل باسم الإله هو السائد في سوريا، وهذا أبشع أنواع الجرائم ضد الإنسان؛ لا يمكن قتل إنسان بسبب معتقداته أو أفكاره، والتعبير الحر عن الأفكار هو أثمن حقوق البشر.
جرائم القتل في السويداء والساحل تمت تحت هذا الاسم، وهذا الأمر لا ينبغي أن يغيب عن ذاكرة الرئيس ماكرون، وهو على بعد ٩٠ كم من السويداء، وعلى بعد سبعة أيام عن الذكرى السنوية الأولى للمجازر المروعة التي ارتكبتها سلطة لا تزال تتحدث عن حماية الأقليات، وهي محل رهان.
وللدقة، لقد كان الرئيس الفرنسي من أبرز الداعمين لإعادة دمج وترويج الشرع في الساحة الدولية، وعليه تم استقباله في باريس، واليوم، وعلى بعد عدة أشهر من انتهاء ولاية ماكرون، هو بحاجة إلى إثبات أن رهاناته كانت صحيحة، ليتوج حياته السياسية بقوة شعبية واقتصادية مدعومة بحصة دسمة من كعكة إعادة الإعمار.
ولرؤية أوضح أيضاً، فإن الاهتمام الفرنسي بسوريا متعدد الأوجه، ومتداخل مع مجموعة من المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية. فمن السعي لاستعادة الأدوار في أحد أكثر ملفات الشرق الأوسط تعقيداً، بعد سنوات تراجع خلالها نفوذ فرنسا لصالح قوى إقليمية ودولية أخرى، إلى مرحلة إعادة الإعمار والفرص السانحة لعودة شركاتها الكبرى إلى السوق السورية، خاصة في قطاعات الطاقة، والنقل، والخدمات اللوجستية، وهو ما يفسر مرافقة وفد من رجال الأعمال للرئيس إيمانويل ماكرون خلال الزيارة، إلى موضوع اللاجئين السوريين والجهاديين الفرنسيين؛ فضلاً عن موضوعات تعاون في مجالات مختلفة.
وإذا كان مفهوماً ومنطقياً السعي لقيام علاقات وشركات ومصالح، وتمتينها وفق سياسات الدول، لكن ثمة حقائق على الأرض تفرض نفسها؛ لا يمكن القفز فوقها أو التعمية عليها.
فقد تم استقبال الشرع في باريس غداة تفجير الدويلعة ومجازر الساحل، وسمعنا عن تعهدات بالمحاسبة. لكن ما حصل تالياً كان فظيعاً، لقد ارتكبت مجازر عن سبق الإصرار؛ مجازر طائفية طالت الدروز على يد مجموعات مسلحة من السلطة نفسها، مدعومة شعبياً، وهو ما يكشف عن "طائفية مؤسساتية" تحمي القتلة وتعاقب المطالبين بالعدالة.
إن هذه المجازر، وانتهاك الحقوق والحريات الشخصية، والتعامل معها بأسلوب التكتم والحصانة، تجعل من السلطة شريكة في تفتيت النسيج الاجتماعي، لا ضامناً لاستقراره، وتؤكد أن الانفتاح الدولي الذي تسعى إليه ليس مدفوعاً برغبة حقيقية في الإصلاح، بل هو محاولة للبحث عن "شرعية برعاية الكبار" لتعويض غياب أي تفويض شعبي داخلي.
وإلى اليوم يزداد المشهد قتامةً وانكشافاً وغطرسةً، ويتم التغاضي عن خروقات الجماعات المسلحة الموالية، لتكريس هيمنة أيديولوجية لا علاقة لها بمفهوم الدولة الوطنية الجامعة. ولا تتوقف قائمة الإدانات عند التجاوزات السياسية، بل تمتد لتشمل سجلات حقوق الإنسان.
رسالة
خلال وجود ماكرون في دمشق، وعلى مقربة من الفندق الذي أقام فيه الوفد الفرنسي، هزّ انفجاران العاصمة. تفجيران حملا رسائل أشد من شدة انفجارهما وطريقة ومكان التفجير، ما أعاد إلى الذاكرة ممارسات النظام السابق، وكأن هذه البلاد تأبى إلا أن تذكّر العالم بالرواية ذاتها التي رسّخها النظام السابق: إن من في السلطة يحارب الإرهاب ويحتاج إلى الدعم الدولي، لأن البديل عنه هو الدمار.
فسياسة "الفوضى المدارة" تحولت إلى ورقة سياسية بامتياز؛ فاستمرار التهديد الإرهابي، ووقوع الانفجارات في توقيتات دولية حساسة، يخدمان بشكل مباشر استراتيجية "إما نحن أو الفوضى" التي تبتز بها السلطة المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي، لتقنع الجميع بأن بقاءها هو الضمانة الوحيدة ضد الانزلاق نحو المجهول، وهي مغالطة ليست جديدة، بل هي امتداد لنهج النظام البائد، ولا تزيد البلاد إلا غرقًا في مستنقع العزلة والاضطراب.
ويزداد المشهد انكشافًا عند النظر إلى غياب أي مساءلة فعلية داخل أروقة السلطة، وأي تحقيقات شفافة تُنشر للرأي العام لضمان الحد الأدنى من ثقة المواطن.
بالمقابل، فإن الصمت الرسمي المطبق، والرمي على مشجب الفلول، هو الإدانة الكبرى؛ إذ يؤكد هذا النهج أن المسؤولين عن هذه الإخفاقات هم أنفسهم جزء من البنية العميقة للسلطة، وأن محاسبتهم تعني تقويض العمود الفقري العسكري والأمني الذي تستند إليه في حكمها.
إن هذا الغياب للشفافية ليس عجزاً تقنياً بقدر ما هو قرار سياسي متعمد يهدف إلى حماية شبكة المصالح التي تدير البلاد، بعيداً عن أي اعتبار لحياة المواطنين أو لسيادة الدولة على أراضيها.
إن من يرفض الشفافية ويستمر في التلاعب بالروايات، لا يحمي الدولة، بل ينسف أسس بقائها، ويجعل من نفسه المسؤول الأول عن كل قطرة دم تُراق تحت دخان تفجيرات دمشق التي لا تنتهي.
انفتاح أوروبي
ماكرون سيعود إلى فرنسا واضعاً في جيبه عقوداً بعشرات المليارات. وكونه أول رئيس دولة من الاتحاد الأوروبي يزور دمشق منذ سقوط نظام الأسد، يمنح الزيارة دلالة تتجاوز العلاقات الفرنسية - السورية، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كانت باريس تمهد الطريق أمام عواصم أوروبية أخرى لاستئناف علاقاتها مع سوريا.
باختصار، الزيارة حظيت باهتمام وتحليل تناولاها من مختلف الجوانب؛ لكن هذا لا يعني عدم وجود صفقات مغلفة بأعلام ومصالح، ففي الملف السوري، وبسبب غياب الشفافية، هناك ما لا يخطر على بال. مصالح اقتصادية ومالية وشخصية هائلة تتحرك خلف الستار: عمولات، ووعود، وعقود، واستثمارات، وترتيبات ما بعد الخدمة السياسية. أرقام وصفقات خارج تخيل المواطن العادي.
زعماء استقبلوا الشرع، وآخرون زاروه أو ينتظرون، وبالقدر نفسه من التهذيب والديكور: البحث عن مكسب، وعن ترتيب منفعة اقتصادية مادية تؤمن لهم موقعاً أو جائزة آخر خدمة.
وفي النهاية، من يدفع الثمن؟ ليس ترامب، ولا غيره، ولا السماسرة الكبار، ولا الوسطاء الذين يبيعون الخرائط باسم الواقعية السياسية.
الذي يدفع الثمن هو الشعب السوري المسكين، الذي صار ملفاً على طاولة الصفقات، أو وديعة لدى الضامنين، وسوقاً مفتوحاً للمصالح، وغنيمة أو صيداً، يتفاوض عليها من لا يعيشون وجعه ولا يدفعون من دمهم شيئاً.
الزيارة انتهت، وقد يطول الوقت أو يقصر لرؤية النتائج. الضمانات الشخصية، وفتاوى الشيوخ، لا تبني استثمارات؛ فالاستثمار يحتاج إلى بيئة آمنة، واستقرار سياسي وأمني، وقوانين، وقضاء مستقل.
في كافة الأحوال، وكي لا نبيع وهماً، يبدو الدور الفرنسي في سوريا محدوداً. باريس تتحرك لتبقى في المشهد ولحماية مصالحها، وتعمل الآن على ترميم علاقتها، آخذةً في الاعتبار أنها خسرت سابقاً، لأنها كانت تعتبر نفسها حليفةً وحاميةً للأقليات، وهي تدرك أن موقعها الراهن في سوريا ليس بالمثالي.
كما أنها ليست على علاقة جيدة مع أمريكا وروسيا، الطرفين الأساسيين المؤثرين في الساحة السورية، وليست على وفاق مع إسرائيل وتركيا. بمعنى أنها قد تجد نفسها وجهاً لوجه مع ما يخطط له الآخرون، عندها تسقط الرهانات، وكأنك يا ماكرون ما غزيت، طالما أنت في العاصمة التي جهزت غازياً.