مجلس الشعب أم مجلس الشرع؟

على الرغم من كل ما ارتكبه نظام الأسد من قتلٍ واستبدادٍ وتدمير، يكاد مجلس الشعب الذي أعلنت السلطة الشرع تشكيله يدفع المرء إلى عقد مقارنة لم يكن يتخيل يوماً أنه سيضطر إليها. فعلى الاقل، كان الأسد يراعي (ولو شكلاً) مفهوم اختيار الشعب لممثليه. لكن الطريقة التي وُلد بها "مجلس الشرع" بلغت من الفجاجة ما جعلها تتجاوز حتى أكثر النماذج استهتاراً بفكرة التمثيل الشعبي.
ليست المشكلة فقط في أسماء الأعضاء، ولا في انتماءاتهم، ولا في مواقعهم السابقة، بل في الطريقة التي صُنعت بها المؤسسة نفسها؛ فقد بدأ الأمر بزعيم منظمة كانت تصنف على قوائم الارهاب، لطالما اعتبرت الديموقراطية عمل من رجس الشيطان؛ نصّب على غفلة نفسه رئيساً، ثم عيّن لجنةً لتختار أعضاء شعبه، ثم رسم لهذه اللجنة حدود اختيارها، قبل أن يحتفظ لنفسه بحق تعيين الثلث الأخير ممن يجد بهم سحنة الولاء وغريزة الانقياد. وعندما اكتملت هذه الحلقة المغلقة، أُعلن للسوريين الذين يقفون متفرّجين أن ما أمامهم هو "مجلس شعب يمثّلهم"
أي شعبٍ هذا الذي لم يُستشر في اختيار ممثليه، ولم يكن شريكاً في تحديد قواعد التمثيل، ولا حتى طرفاً في ولادة المؤسسة التي يُفترض أنها تتحدث باسمه؟
المفارقة الأكثر إيلاماً ليست في ما فعلته السلطة؛ فهي بطبيعتها وتاريخها وحاضرها ومستقبلها تهوى توسيع النفوذ والبطش والاجرام، ما لم تجد من يقيّدها.
المفارقة الحقيقية هي في سرعة تبدّل المواقف لدى بعض من أمضوا سنوات يهاجمون "مجالس نظام الأسد"، لأنها كانت تُصنع في غرف السلطة وتمتهن التصفيق؛ ثم لم يجدوا حرجاً في امتهان صنعة التصفيق ذاتها لمجلسٍ صُنعت تركيبته بطريقة أكثر وقاحة، وأقل اكتراثاً حتى بالشكل الذي كانت تحرص عليه الأنظمة السلطوية التقليدية.
اقرأ أيضاً:
يكفي أن يتأمل المرء بعض الأسماء التي ضمتها التشكيلة حتى يدرك أن معيار الاختيار لم يكن تمثيل المجتمع السوري بكل تنوعه وخبراته، بل ضمان الانصياع لاوامر السلطة الجديدة. فظهرت شخصيات خلعت عباءة الاسدية ولبست عباءة الجولانية، واخرى مرتبطة بشبكات الفساد، أو بخطابات التطرف. وآخرون خانوا دماء أهلهم الذين نبذوهم.
ولعل أخطر ما يكشفه هذا المشهد أن بعض النخب لم تغيّر موقفها من الاستبداد، بل غيّرت موقفها من المستبد؛ فما كان يُعدّ بالأمس دليلاً على غياب الشرعية، أصبح اليوم يُقدَّم بوصفه ضرورة انتقالية. وما كان التفافاً على إرادة الناس، صار يُسوَّق على أنه حكمة سياسية. وعندما تتبدل المبادئ بتبدل الحاكم، لا يعود الخلل في السلطة وحدها، بل في الثقافة السياسية التي تمنحها شرعية لا تستحقها.
إن معارضة الاستبداد لا تُقاس بهوية من يمارسه، بل بطبيعته؛ فمن يرفض التعيين عندما يصدر عن خصمه، ثم يصفق له عندما يصدر عن حليفه، لم يكن يدافع عن الديمقراطية، بل عن حق فريقه في احتكار السلطة.
ويبقى السؤال، بعد كل هذا الضجيج، في غاية البساطة: إذا كانت السلطة هي التي عيّنت نفسها، وهي التي وضعت قواعد الاختيار، وهي التي اختارت من يختار، ثم اختارت بنفسها بقية الأعضاء، فمن الذي يمثل من؟
هل يمثل المجلس الشعب… أم تمثل السلطة نفسها عبر مجلس يحمل هذا الاسم؟
فالفرق بين الديمقراطية والديكور لا يبدأ عند اسم المؤسسة، بل عند طريقة ولادتها.
أما المؤسسة التي تلدها السلطة، فلا تستطيع أن تحاسب من أنجبها.