كي لانكون أبناء لآبائنا

" التاريخ لا يتحرك دائماً عبر التوافق، وأن ما يبدو لنا خراباً في لحظته، قد يكون من زاوية أخرى، مقدمة لتحول لا يستطيع العالم القديم أن ينجزه من تلقاء نفسه"، هذا كلام "هيراقليطس" ربما منذ أكثر من الفي عام، قالها كما لو أنه يرحّب بـ "الحرب"، تلك "الكلمة" التي لايجوز الاقتراب منها إلاّ بحذر، دون نسيان أن "الحذر" في لحظة ما، لا يعني سوى العجز، وهنا سيتولد السؤال:
ـ كيف لرجل يدعى "هيراقليطس" أن يتحدث عن الحرب كما لو أنها "فضيلة"؟
ـ كيف يمكن أن يرى فيها قوة من قوى التاريخ من دون أن يغفر لها المقابر التي حفرتها، والمدن التي سحقتها، والأطفال الذين تركتهم بلا آباء، والأمهات اللواتي ظللن ينتظرن أبناء لن يعودوا؟
ومع ذلك، ثمة سؤال أكثر استفزازاً لا نستطيع التخلص منه:
ـ هل الحرب، على الرغم من كل لعناتها، ليست فقط آلة للموت، وإنما آلة لتحطيم عالم قديم، أيضاً؟
"هيغل"، قالها:
ـ الحرب رافعة التاريخ.
ربما لأن "أبو الفلسفة"، رأى أن التاريخ لا يتحرك دائماً عبر التوافق، وأن ما يبدو لنا خراباً في لحظته، قد يكون، من زاوية أخرى، مقدمة لتحول لا يستطيع العالم القديم أن ينجزه من تلقاء نفسه، لحظة يتحوّل العالم إلى سكون مكتمل، التاريخ لا يتحرك فقط حين يبني الإنسان، وإنما يتحرك أحياناً حين ينهار ما بناه :
ـ وهنا تبدأ المشكلة.
هي مشكلة، لأننا إذا قلنا إن الحرب تصنع التاريخ، يمكن أن ينزلق الكلام بسهولة إلى القول إن الحرب ضرورية للتاريخ، وإذا قلنا إن الحروب الكبرى أحدثت تحولات هائلة في القيم والأفكار والمؤسسات، يمكن أن يبدو الأمر وكأننا نبحث للحرب عن فضيلة مخفية داخل جريمتها.. لا، الحرب ليست فضيلة، الحرب كارثة، لكن الكارثة ليست دائماً نهاية التاريخ، وهذه التفرقة الصغيرة هي التي تهمني، فثمة فرق هائل بين أن نقول إن الحرب تصنع تاريخاً جديداً، وبين أن نقول إن البشر يستطيعون، بعد الحرب، أن يصنعوا من خرابها تاريخاً جديداً:
ـ الأول تمجيد للحرب، والثاني إيمان بقدرة الإنسان على ألا يذهب موته هباءً.
خرجت ألمانيا من الحرب العالمية الثانية مدمرة، مهزومة، مقسمة، ومثقلة بجريمة لا يمكن اختزالها في الهزيمة العسكرية، لم تكن المشكلة أن ألمانيا خسرت حرباً؛ كانت المشكلة أن مجتمعاً حديثاً، متعلماً، صناعياً، وفلسفياً، استطاع أن ينزلق إلى النازية، وأن يحوّل الدولة الحديثة إلى آلة اضطهاد وإبادة، وأن يجعل الطاعة فضيلة، والانتماء العرقي معياراً للإنسان، والجماعة أعلى من الفرد.
ثم انتهى كل شيء:
ـ الرايات سقطت، الزعيم انتحر، المدن تحولت إلى أنقاض، والمجتمع الذي كان يعتقد أنه ذاهب إلى ألف عام من المجد وجد نفسه أمام سؤال أبسط وأكثر قسوة:
ـ ماذا فعلنا؟
ربما لا توجد لحظة تاريخية أكثر أهمية من تلك اللحظة التي يسقط فيها المجتمع أمام نفسه، ليس أمام عدوّه فقط، وإنما أمام نفسه.
ألمانيا الجديدة لم تولد لأن الحرب كانت سياحة، بل لأن الهزيمة جعلت استمرار ألمانيا القديمة مستحيلاً، لم يعد ممكناً، بعد كل ذلك الخراب، أن يعود الألماني إلى العالم الذي كان قبل الحرب وكأن شيئاً لم يحدث.. جرى تفكيك النازية، وإعادة بناء المؤسسات، وصياغة دستور جديد في ألمانيا الغربية، وتعميق فكرة الحقوق الفردية، وترسيخ دولة القانون، ثم جاءت التجربة الأوروبية لتجعل الحرب القديمة بين الأوروبيين أقل قابلية للتكرار، الأهم من كل ذلك أن شيئاً حدث في الإنسان نفسه:
ـ تراجع الإيمان بالزعيم، تراجع تقديس الأمّة، تقديس العرق، وتراجعت فكرة أن الجماعة تملك الفرد ملكية مطلقة.
صار الفرد، في التجربة الألمانية الجديدة، أكثر أهمية من الشعار الذي يرفعه، وأكثر أهمية من العرق الذي ينتمي إليه، وأكثر أهمية من الجماعة التي تطلب منه الطاعة، وهنا تحديداً تكمن المفارقة التي تستحق التأمل.
الحرب التي كانت قد استخدمت الفرد وقوداً للجماعة، انتهت، في التجربة التي أعقبتها، إلى إعادة الاعتبار للفرد في مواجهة الجماعة، كأن التاريخ بصق ماضيه وقال لألمانيا، بعد أن دفعها إلى الهاوية:
ـ لن تنقذي نفسك بالمزيد من الطاعة، وإنما بالشك في الطاعة، لن تنقذي نفسك بتقديس الدولة، وإنما بوضع الدولة تحت القانون، لن تنقذي نفسك بعبادة الجماعة، وإنما بحماية الفرد من الجماعة، لن تنقذي نفسك بالبحث عن أب جديد، وإنما باكتشاف أن الإنسان البالغ يستطيع أن يعيش من دون أب سياسي.
وهذه ربما هي النقطة التي تجعل التجربة الألمانية أكثر من مجرد صفحة في تاريخ أوروبا. إنها تكشف لنا شيئاً عن العلاقة المعقدة بين الحرب والقيم، فالحرب، حين تنتهي، لا تترك وراءها قبوراً فقط:
ـ تترك أسئلة.
وأحياناً تكون الأسئلة التي تتركها أخطر من القبور التي تركتها:
ـ من نحن؟ كيف أصبحنا قادرين على قتل كل هؤلاء؟ كيف أطاع الناس؟ كيف تحول الجار إلى عدو؟ كيف استطاع الإنسان العادي أن يعيش داخل نظام غير عادي من الجريمة؟ كيف يمكن منع عودة ذلك كله؟
هذه الأسئلة هي التي تستطيع أن تلد تاريخاً جديداً، ولذلك ربما ينبغي أن نعيد النظر في عبارة "الحرب رافعة التاريخ" لا باعتبارها مديحاً للحرب، وإنما باعتبارها سؤالاً عن قدرة البشر على تحويل الكارثة إلى معرفة.
اقرأ أيضاً:
سوريا والعراق بين طاغيتين: الأول يخلع الباب، والثاني يُذيب قفله
الحرب لا ترفع التاريخ بذاتها؛ الذين يخرجون من الحرب هم الذين يستطيعون، أو لا يستطيعون، أن يرفعوا التاريخ فوقها، وهنا تصبح سوريا أمام سؤال لا يقل خطورة عن الحرب نفسها:
ـ ماذا ستفعل بنا هذه الحرب؟
لا أقصد ماذا ستفعل بالخرائط، ولا بالاقتصاد، ولا بالمدن المدمرة، ولا بالمقابر، ولا بالمهجرين، هذه أشياء نعرف بعضها ونخشى بعضها الآخر، أقصد:
ـ ماذا ستفعل بنا نحن؟
هل ستخرج سوريا من الحرب وهي أكثر طائفية مما دخلتها؟ أكثر خوفاً؟ أكثر تعلقاً بالزعيم؟ أكثر استعداداً للطاعة؟ أكثر رغبة في الانتقام؟ أكثر اعتقاداً بأن حماية الجماعة تبيح سحق الفرد؟
إذا حدث ذلك، فإن الحرب لم تنتهِ حقاً، إنها ستستمر داخلنا، حتى لو توقفت البنادق، فالحرب الأخطر ليست تلك التي تستمر في الجبال والمدن، وإنما تلك التي تنتقل إلى المخيلة، يحدث ذلك حين يصبح القتل ذكرى قابلة للتوريث، حين يصبح الخوف عقيدة، حين يربي الأب ابنه على كراهية ابن الجار، وحين يصبح اسم الضحية أهم من إنسانيتها، واسم القاتل أهم من جريمته، وحين يقول الطفل:
ـ "هؤلاء قتلوا أبي"، قبل أن يعرف أن الطفل الآخر لا علاقة له بما فعله أبوه.
هناك تصبح الحرب نظاماً لتكاثر الحرب، وهنا أريد أن أذهب إلى الفكرة الأكثر ايلاماً.
ربما تكون المأساة السورية، بكل ما فيها من موت وخراب ونزوح وفقدان، قادرة ـ إذا امتلك السوريون الشجاعة الكافية ـ على أن تكون ولادة لتاريخ مختلف، ليس لأن الدم يطهر التاريخ، ولا لأن الخراب فضيلة، ولا لأن الحرب مدرسة ينبغي أن نشكرها، وإنما لأن السوري الذي رأى بعينيه إلى أين يمكن أن تقود الطاعة، وإلى أين يمكن أن يقود التعصب، وإلى أين يمكن أن يقود تقديس الجماعة، وإلى أين يمكن أن يقود تحويل الإنسان إلى عدو لمجرد هويته، لم يعد يملك الحق في أن يقول إنه لم يعرف.
ـ لقد عرف.
وهذه المعرفة، مهما كانت قاسية، يمكن أن تصبح بداية.
ربما نستطيع أن نقول إن الحرب السورية قد تكون آخر الحروب التي يخوضها الآباء نيابة عن الأبناء، إذا استطاع الأبناء أن يرفضوا وراثة الحرب، فأكبر كارثة ليست أن يموت الآباء، الكارثة أن يموتوا ويتركوا أبناءهم يحملون أسماءهم وعداواتهم وخوفهم، ثم يعيد هؤلاء الأبناء إنتاج العالم نفسه.
هنا فقط يصبح الحديث عن "ولادة التاريخ" مشروعاً:
أن تنتهي الحرب لا بانتصار طائفة على طائفة، ولا بانتصار جماعة على جماعة، ولا باستبدال مستبد بمستبد، وإنما بانتهاء الحاجة إلى الأب الذي يتكلم باسم الأحياء والقتلى.. باسم الجلاّدين والضحايا.
لقد عاشت سوريا طويلاً داخل فكرة الأب:
ـ الأب السياسي، الأب الطائفي، الأب العسكري، الأب الديني، الأب الذي يعرف أكثر من أبنائه، الأب الذي يقرر ما هو الخير، الأب الذي يعرف العدو، الأب الذي يطلب الطاعة ثم يسميها حماية، الأب الذي يقول للجماعة:
ـ اتبعوني، وسأحميكم من الآخرين.
الأب الذي إذا لم ندفنه، سيدفن مواليدنا الجدد، الأب:
ـ الحلال قتله.
وربما كانت إحدى أعظم نتائج هذه الحرب، إن أحسنّا قراءة الكارثة، أن هذا الأب كله قد سقط في أعين كثيرين، فليسقط، دون الترحم عليه أو "قراءة فاتحة أو قصيدة أو نشيداً" في زفّة نهايته.
سقطت هيبته، وانكشفت هشاشته، وظهر أن الذين ادعوا حماية الجماعات يستطيعون أن يقودوها إلى المذابح، وأن الذين تحدثوا باسم الوطن يستطيعون تدميره، وأن الذين تحدثوا باسم الدين يستطيعون تحويل المقدس إلى أداة للقتل، وأن الذين تحدثوا باسم الطائفة يستطيعون أن يتركوا أبناءها يدفعون الثمن، فماذا يبقى بعد سقوط الآباء بعد كل اللعنات التي أورثوها لأبنائهم؟
ـ يبقى الفرد.
وهذا ربما هو أعظم ما يمكن أن تنجبه الحرب من غير أن نمنحها فضلاً في ذلك.. الفرد الذي يقول:
ـ لا أريد أن أقتلك لأنك تنتمي إلى جماعة أخرى.
ـ الفرد الذي يقول: لا أريد أن أموت من أجل زعيم.
ـ الفرد الذي يقول: لا أريد أن يرث ابني عداوتي.
الفرد الذي يقول: إنني سوري قبل أن أكون اسماً في سجل جماعة، وإن الإنسان الذي يقف أمامي، مهما اختلف عني، ليس مشروع جثة.
هذه ليست أفكاراً صغيرة، إنها ثورة كاملة على العالم الذي أنتج الحرب، ولهذا فإن السؤال السوري الحقيقي قد لا يكون:
ـ من انتصر في الحرب؟
ربما يكون السؤال:
ـ أي إنسان خرج من الحرب؟
إذا خرجنا منها ونحن نعتقد أن علينا الانتقام، فقد خسرنا الحرب وربحها الموت، وإذا خرجنا منها ونحن نبحث عن طاغية جديد، فقد غيرنا الوجه ولم نغير التاريخ، وإذا خرجنا منها ونحن نعيد إنتاج الطاعة، فقد دفنا ضحايانا لكي نعيد إنتاج النظام الذي قتلهم، أما إذا خرجنا منها ونحن أكثر شكا في السلطة، وأكثر ثقة بالفرد، وأكثر حساسية تجاه كرامة الإنسان، وأكثر رفضاً لتوريث الكراهية، فإن شيئاً آخر يكون قد حدث:
ـ تكون الحرب، عندئذ، قد دفعت ثمنها الرهيب، لكننا لم نسمح لها أن تكون بلا معنى.
أنا لا أحيي الحرب لأنها قتلت، أحيي، إن صح التعبير، قدرة الإنسان على أن ينتزع من القتل درساً ضد القتل.
أنا لا أمجد الخراب، أبحث عما يمكن أن نبنيه بعد الخراب، ولا أقول إن الدم ضروري لكي يتغير التاريخ.
أقول:
ـ إن الدم الذي سال يمكن أن يكون آخر دم إذا امتلك الناجون الشجاعة ليقولوا: لن نورثه.
ربما كانت هذه هي المفارقة الكبرى في التاريخ كله:
ـ أن بعض الحروب تنتهي عسكرياً، لكن بعضها لا ينتهي إلا عندما يتغير الإنسان الذي صنعها، وحينها فقط يمكن أن نفهم "هيراقليطس" بطريقة أخرى.
ليست الحرب أباً للتاريخ لأن القتل يصنع المستقبل، بل لأن القتل يكشف لنا، في أقسى صوره، ما الذي يجب ألا نعود إليه.
فإذا استطاعت سوريا، بعد كل ما حدث، أن تخرج من الحرب بفرد أكثر حرية، ومواطن أكثر استقلالاً، وإنسان أقل طاعة للجماعة، وأقل استعداداً لتقديس الزعيم، وأكثر قدرة على الشك في الذين يتحدثون باسمه، فإن شيئاً عظيماً يكون قد وُلد وسط هذا الخراب.
عندها فقط يمكن أن نقول إن التاريخ تحرك.. يحدث ذلك إذا قرر الباقون على قيد الحياة، أن لايكونوا أبناء لآبائهم.