أيهما يستحق الحرية: البويضاني أم الصحفية الألمانية؟

مضى على زيارة الرئيس المعين لسوريا، أبو محمد الجولاني "أحمد الشرع" لألمانيا الاتحادية 45 يوماً، دون الإعلان عن تحقيق أيّ نتائج تذكر سواءً من دمشق أو برلين، ولم تقدم دبلوماسية البلدين أيّة إحاطات أو مستجدات جديدة مكملة للزيارة أو تقديم توصيات قابلة للتحقق خلال فترات زمنية قادمة.
وهذا ما يعيدنا إلى توجيه بعض الأسئلة التي طرحتها معظم الوسائل الإعلامية أثناء تغطيتها للزيارة وهي: ما الذي يدفع دولة بقوة ألمانيا إلى استقبال الجولاني، رغم إلغاء الزيارة الأولى التي ما تزال دوافع إلغائها موجودة ولم تتغير؟ ثم ماذا كانت برلين تريد منه بالضبط بعد هذا الإصرار على الاستقبال رغم ظهور معارضات قوية من داخل الحكومة على الزيارة؟
وهذا السؤال ذاته سيكون محور هذه المادة الصحفية، وربطه بالسؤال الثالث المتعلق بأوجه الاختلاف بين الحاكم الجديد ونظامه، وبين النظام البائد وطاغيته بعد مرور عامٍ ونصف على سقوطه؟ وهل صدقت الرئاسة الألمانية كل ما قالته وتقولُه الحكومة السورية المؤقتة من روايات وسرديات حول الحريات المدنية والصحفية، والتحولات الجديدة، وشكل العلاقة مع باقي المكونات والأقليات بعد ارتكاب أكثر من مجزرة سواءً في السويداء أو اللاذقية ومدن الساحل، أو حلب؟
إن البحث عن إجابات لكل ما سبق؛ ومن أجل الدخول إلى صلب الهدف الأهم من كتابة هذه المادة لابد أولاً العودة لنقطة جوهرية ألا وهي شكل علاقة الولايات المتحدة الأميركية بالملف السوري، طيلة 14 سنة من انطلاقة الثورة السورية في 2011، حين تدخلت جميع الإدارات الأميركية، بالوضع السوري انطلاقاً من المطالبة بالكشف عن مصير الصحفي الأميركي، "أوستن تايس"، الذي فُقِد الاتصال به في 13 آب 2012، أثناء وجوده أو وصوله إلى مناطق في ريف دمشق كانت حينها خارج سيطرة الحكومة السورية، لكن واشنطن لم تطالب به من الفصائل المسلحة المعارضة، وإنما بقيت تستخدمه كورقة ضغط ضد نظام الأسد،
بالإضافة إلى مطالبتها الدائمة بتدمير برنامج الأسلحة الكيميائية طيلة ثماني سنوات إلى حين ظهور صور قيصر 2019، التي كانت سبباً في إصدار "قانون قيصر" الذي أقره مجلس الشيوخ في منتصف كانون الأول 2019، وبموجبه فُرضت عقوبات على الأفراد والشركات والدول التي تتعامل أو تتعاون مع الحكومة السورية.
وبناء على ذلك فإن البند الأول من ورقة كل وفد أميركي جاء إلى سوريا؛ أو التقى بممثلين عنه في الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، كان متعلقاً بالكشف الفوري عن مصير الصحفي الأميركي، حتى لحظة سقوط نظام الأسد، بادرت الدبلوماسية الأميركية إلى إثارة قضيته مباشرةً بعد السيطرة على جميع السجون والمعتقلات.
اقرأ أيضاً:
وهنا نصل إلى جوهر القضية، إذ يبرز التساؤل عمّا إذا كانت الحكومة الألمانية ومستشارها قد طالبا أبو محمد الجولاني بالكشف عن مصير الصحفية الألمانية "إيفا ماريا ميشيلمان"، التي فُقد أثرها منذ 18 كانون الثاني الماضي، أي منذ نحو أربعة أشهر.
إن كانت الإجابة نعم؛ فلماذا لم تُفرج الحكومة السورية المؤقتة عن الصحفية وزميلها الكردي-التركي، "أحمد بولات"، حتى هذه اللحظة؟ وحين نطالب الدبلوماسية الألمانية بذلك، فلأن من المفترض أنها استقبلت رئيساً جاء بعد ثورة استمرت 14 عاماً، كان من أبرز أهدافها الحرية وكرامة المواطن، فكيف تُهين كرامة شخصية مدنية استقبلت بلادها مليون لاجئ؟
والأهم من ذلك أن قضيتها لا تشبه حالة الصحفي الأميركي، لأن نظام الأسد رفض الاعتراف بوجوده في معتقلاته؛ بينما وزارة الإعلام السورية، التابعة للجولاني، اعترفت باحتجازها في سوريا، كما أكدت لجنة حماية الصحفيين، أن "ميشيلمان برفقة زميل كردي-تركي، أوقفتهما قوات تابعة للحكومة السورية خلال سيطرتها على مدينة الرقة، ضمن عمليات عسكرية ضد قوات سوريا الديمقراطية"، أما التعليق المثير والغريب حول الصحفية، فجاء من ممثلة السفارة الألمانية بدمشق، التي أكدت أنها زارتها لأول مرة منذ اعتقالها في كانون الثاني الماضي، مؤكدة أن حالتها الصحية سيئة للغاية!
اعتقلت السلطات الإماراتية، "عصام بويضاني"، قائد جيش الإسلام، في 26 نيسان 2025، في مطار دبي أثناء عودته من الإمارات، وعلى الرغم من معرفة وزارة الخارجية السورية أن المطالبة به مكلفة باعتباره قائد فصيل متطرّف، ارتكب جرائم بحق الأقليات، طالبت بالإفراج عنه، بل وصل الأمر بالرئيس أبو محمد الجولاني، إلى الإدلاء بتصريح علني أنه "يتابع ملف بويضاني بشكل شخصي"، وأثناء زيارته للإمارات في ختام جولته الخليجية تم الإفراج عن عصام بويضاني، وجاء معه بالطائرة ذاتها، وتوجها معاً إلى مدينة دوما في ريف دمشق، وسط حضور واستقبال رسمي وشعبي، حيث أكد الجولاني في كلمة ألقاها بمناسبة الإفراج عن البويضاني أن "زيارته إلى الغوطة الشرقية كانت مؤجلة منذ فترة، لأنه أصر على أن يكون بويضاني حاضراً فيها".
إن الطريقة التي أفرج فيها عن البويضاني، تعيدنا للأسئلة التي طرحناها في المقدمة، إذ ما الذي ينقص الحكومة الألمانية أن تقبل بزيارة الجولاني، بشرط الإفراج الفوري عن الصحفية الألمانية وزميلها؛ مثلما فعلت جميع الوفود الأميركية مع الصحفي أوستن تايس، بما فيه الرؤساء ووزراء الخارجية في تصريحاتهم الرسمية، أو كما فعل الجولاني نفسه مع بويضاني المتطرّف، وعليه سنختم بالسؤال الأخير: أيهما يستحق الحرية: البويضاني أم الصحفية الألمانية؟