الكرد بين التمثيل الحقيقي والتزييف السياسي

كيف تُدار القضية الكردية كملف أمني، ويُعاد تشكيل تمثيلها سياسياً عبر واجهات مُفبركة، على حساب الشراكة الحقيقية وحقوق جميع السوريين، في ظل سياسات أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني).
إن السياسة التي يتبعها رئيس السلطة السورية الانتقالية، أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، تجاه القضية الكردية ليست مجرد مقاربة قاصرة، بل هي عملية سياسية مُضلِّلة ومتعمدة، تهدف إلى الالتفاف على الحقوق الكردية، وتمهيد الطريق لإعادة إنتاج بنية الاستبداد بأدوات أكثر مراوغة تحت غطاء "المرحلة الانتقالية".
فالمراسيم التي يُروَّج لها، وعلى رأسها المرسوم رقم /13/ لعام 2026، لا تعدو كونها محاولة تجميلية لإخفاء جوهر السياسة الحقيقية. إذ يجري استخدامها كواجهة خطابية لتسويق اعتراف شكلي، في الوقت الذي تُدار فيه على الأرض عملية منظمة لتجريد هذا الاعتراف من أي مضمون سياسي أو سيادي. إن هذا النهج لا يعكس إرادة للحل، بل يكشف عن تصميم واضح لإبقاء القضايا الوطنية، وفي مقدمتها القضية الكردية، ضمن إطار الضبط الأمني لا المعالجة السياسية.
هذه ليست ازدواجية عفوية، بل سياسة ممنهجة تقوم على الخداع، الاعتراف بالهوية كزخرفة خطابية، مقابل إنكارها كحق في التمثيل والشراكة. وضمن هذا الإطار، يتعمد الشرع ضرب التمثيل السياسي الكردي الفعلي، وفي مقدمته "الوفد المنبثق عن كونفرانس قامشلو"، بوصفه التعبير الأصدق عن إرادة شريحة واسعة من الشعب الكردي، عبر محاولات مدروسة لتهميشه وعزله، واستبداله ببدائل مصطنعة تدين بالولاء للسلطة.
اقرأ أيضاً:
سوريا وانفجار الإقليم، من تصادم المشاريع إلى ضرورة الدولة الديمقراطية اللامركزية
وقد بلغ هذا النهج ذروته في اللقاء الذي عُقد في قصر الشعب بدمشق بمناسبة "عيد نوروز في 21 آذار"، والذي لم يكن حواراً بأي معنى سياسي، بل عرضاً مُفبركاً بعناية لتلميع صورة الجولاني وسلطته أمام المجتمع الدولي. فقد جرى تشكيل وفد هجين تحت مسمى "المكوّن الكردي"، يضم شخصيات بلا شرعية تمثيلية حقيقية، وبعضها معروف بقربه من السلطة ويعتبر من أدواتها في التهجم على الكرد، في محاولة مكشوفة لتزييف التمثيل وإعادة تعريفه وفق مقاييس التحكم السياسي.
وما يجعل هذا المشهد أكثر خطورة، هو انخراط بعض أطراف المجلس الوطني الكردي في هذا اللقاء إلى جانب شخصيات مرفوضة في الوسط الكردي، في خطوة لا يمكن قراءتها إلا كإسهام مباشر في إضعاف الموقف الكردي العام، ومنح السلطة غطاءً سياسياً لمشروعها القائم على تفكيك التمثيل الحقيقي وإعادة تركيبه. إن هذه المشاركة، مهما كانت مبرراتها، تُقوّض مصداقية العمل السياسي الكردي، وتقترب من حدود التواطؤ مع مسار يستهدف جوهر القضية.
إن ما يجري اليوم لا يقتصر خطره على الشعب الكردي وحده، بل يشكل نموذجاً يُهدد جميع المكونات السورية دون استثناء. فسياسة الاعتراف الشكلي والإنكار الفعلي للحقوق، إذا ما ترسخت، ستطال الدروز والعلويين والسريان والآشوريين والتركمان وسواهم، وتعيد إنتاج دولة إقصائية تُدير التنوع بدل أن تعترف به. وعليه، فإن الدفاع عن الحقوق الكردية هو، في جوهره، دفاع عن مبدأ وطني شامل، الاعتراف الكامل بحقوق جميع المكونات السورية، كشركاء متساوين في الوطن، لا كجماعات مُدارة من قبل سلطة مركزية.
إن هذه السياسة تمثل تهديداً مباشراً لأي أفق ديمقراطي حقيقي، لأنها تقوم على إنكار الشراكة واستبدالها بترتيبات فوقية مفروضة. وهي بذلك لا تدفع نحو الحل، بل نحو تعميق الانقسام وإعادة إنتاج أسباب الصراع.
في المقابل، فإن الرد السياسي المسؤول لا يكون بالانخراط في هذه المسرحيات، بل برفضها وكشفها، والتمسك بمرجعية التمثيل الحقيقي، والانخراط في مسار وطني بديل يقوم على عقد اجتماعي جديد، يؤسس لدولة ديمقراطية تعددية تعترف صراحة بحقوق جميع مكوناتها، وتقوم على لامركزية فعلية ذات صلاحيات دستورية واضحة، أو على نظام فدرالي صريح، يضمن التوزيع العادل للسلطة والثروة، ويكفل الحقوق القومية والثقافية والسياسية للشعب الكردي، ولسائر مكونات المجتمع السوري، بوصفهم شركاء متساوين في تقرير مصير البلاد.